«التوجيهات الرئاسية» كلمة السر في تحريك ملف قوانين الأحوال الشخصية
السبت، 18 أبريل 2026 06:00 م
سامى سعيد
الحكومة تعلن قرب الانتهاء من قوانين الأسرة المصرية.. والأحزاب تنتفض بمشروعات وجلسات نقاشية وحوارية
فتحت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى، الأثنين الماضى، للحكومة بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب، صفحة جديدة في ملف الأحوال الشخصية، خاصة بعدما تحرك الجميع "الحكومة ومجلس النواب والأحزاب" لتنفيذ التوجيهات الرئاسية التي جاءت في لحظة تشهد فيها الساحة المصرية مطالب متزايدة بإعادة ضبط ملف الأحوال الشخصية، بعد سنوات من الجدل حول قضايا النفقة، والحضانة، والرؤية، وطول أمد التقاضي، وتضارب الاجتهادات العملية في المحاكم.
والثلاثاء الماضى، أكد الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء أن الحكومة تعمل حالياً على سرعة الانتهاء من عددٍ من التشريعات التي كلف بها رئيس الجمهورية، وآخرها مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية (الأسرة المسلمة / الأسرة المسيحية / صندوق دعم الأسرة) وتقديمها إلى مجلس النواب، لكونها تعالج المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، مُشدداً على أنه سيتم عقد اجتماع لمتابعة هذا الأمر.
ووجه الرئيس السيسي، الحكومة بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية ( الأسرة المسلمة / الأسرة المسيحية / صندوق دعم الأسرة ) إلى مجلس النواب، خاصة وأنه تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها.
التوجيهات الرئاسية شددت على سرعة دفع هذه المشروعات إلى المسار التشريعي، بعد الانتهاء من مراحل واسعة من الإعداد والمراجعة، بما يسمح ببدء مناقشتها تحت قبة البرلمان، وهو ما وصف من متابعين بالحرص الرئاسي على إعادة صياغة الفلسفة الحاكمة للعلاقة داخل الأسرة المصرية، وليس فقط الاكتفاء بالمسكنات القانونية لبعض المواد المثيرة للجدل، أو بمعنى اخر، الانتقال من الحلول الجزئية إلى المعالجة التشريعية الشاملة، بما يضمن توازنًا أفضل بين الحقوق والواجبات، ويقلل من حدة النزاعات التي كان يدفع ثمنها الأطفال أولًا، ثم المجتمع لاحقًا.
وفي ملف الأسرة المسلمة، لا تزال الصيغة النهائية الكاملة لمشروع القانون غير منشورة رسميًا للرأي العام في كل تفاصيلها حتى الآن، لكن المؤكد من مسار النقاشات السابقة وردود الفعل الجارية، أن الهدف الرئيسي هو معالجة التشابكات المتكررة في قضايا النفقة والحضانة والرؤية وتنفيذ الأحكام، إلى جانب تقليص مساحات التحايل وإطالة التقاضي.
ويعد واحد من أبرز ملامح الحزمة الجديدة، هو الدفع بمشروع قانون الأحوال الشخصية للأسرة المسيحية، وهو مشروع طال انتظاره لعقود، قبل أن تنجح الكنائس المصرية في الوصول إلى صيغة توافقية، تمهيدًا لإرساله عبر القنوات الحكومية ثم البرلمانية، ووفق معلومات كنسية، فإن المشروع تم التوافق عليه بين الكنائس الخمس: الكاثوليكية، والأرثوذكسية، والروم الأرثوذكس، والإنجيلية، والسريان الأرثوذكس، كما جرى إرساله إلى وزارة العدل تمهيدًا لاستكمال مساره المؤسسي.
ولا تتوقف أهمية هذا القانون عند كونه ينظم مسائل الزواج والطلاق فحسب، بل تمتد إلى كونه يعالج فراغًا تشريعيًا ظل قائمًا طويلًا؛ حيث كان المسيحيون يعتمدون عمليًا على لوائح داخلية لكل طائفة، بما يفتح الباب لحالة من عدم الاستقرار القانوني وتباين المعالجة من حالة إلى أخرى، ولهذا رأت الكنائس، وفق ما نُشر، أن وجود قانون منظم، بات ضرورة دستورية ومجتمعية، خصوصًا في ظل مبدأ المواطنة الذي كرسه دستور 2014.
وبحسب المواد والتفسيرات التي نُشرت حول المشروع، فإن القانون الجديد يتضمن قواعد عامة موحدة إلى جانب الحفاظ على خصوصية بعض الكنائس في المسائل العقائدية، خاصة ما يتعلق بالطلاق، ومن بين أبرز البنود المتداولة، عدم الاعتداد بتغيير الملة كوسيلة للتحايل القانوني، وإقرار مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث وفقًا للشريعة المسيحية، وتنظيم النفقات بصورة تحمي المرأة والطفل، إلى جانب استحداث نظام "الاستزارة" الذي يسمح بمبيت الطفل مع والده، وإتاحة الرؤية الإلكترونية للأب المسافر، مع النص على انتقال الحضانة إلى الأب بعد الأم مباشرة، مع الإبقاء على سن الحضانة دون تغيير.
ويتمثل العنصر الثالث في الحزمة، في صندوق دعم الأسرة المصرية، وهو المشروع الذي تراهن عليه الدولة ليكون مظلة حماية سريعة في الحالات التي تتعثر فيها النفقة أو يتأخر تنفيذ الأحكام، ووفق الصيغ المتداولة لمشروعات سابقة مرتبطة بهذا التوجه، يختص الصندوق بدعم الأسرة المصرية وضمان تنفيذ الأحكام الصادرة بالنفقة للزوجة أو المطلقة أو الأولاد أو الأقارب، مع تمتعه بالشخصية الاعتبارية والاستقلالين المالي والإداري، حيث ترتكز فلسفة الصندوق على سد الفجوة الزمنية بين صدور الحق وبين وصوله الفعلي إلى مستحقيه، خصوصًا في الحالات التي يتعذر فيها التنفيذ بسبب إعسار المحكوم عليه أو تهربه أو بطء الإجراءات.
كما تتسع فلسفته، إلى تقديم دعم يتجاوز قيمة النفقة نفسها في الحالات الأشد احتياجًا، بما يكفل حدًا أدنى من الاستقرار المعيشي للمطلقة وصغارها، أو لمن صدر لهم حكم نهائي واجب النفاذ ولم يحصلوا على حقوقهم.
وبعد الكشف عن التوجيهات الرئاسية، بدأت الأحزاب في ترتيب أوراقها، فقد أكد حزب حماة الوطن، دعمه الكامل للخطوة الرئاسية "المهمة" التي تعكس حرص القيادة السياسية على حماية كيان الأسرة المصرية وتعزيز استقرارها، مشيراً إلى أنه بعد رصد العديد من الحالات المتضررة على المستوى النفسي والاجتماعي من أوضاع القوانين القائمة، فإنه بصدد عقد صالون سياسي لمناقشة الأطر القانونية التي تنظم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية والتي تشمل الأسرة المسلمة، والأسرة المسيحية، وصندوق دعم الأسرة، ومن المقرر أن يضم الصالون كافة الأطراف المعنية من خبراء ومختصين ومؤسسات دينية ومجتمعية، للتباحث والتدارس وإيجاد حلول تعالج بصورة جذرية ناجزة، مجمل المشاكل الناجمة عن القوانين السارية حاليًا، والتوصل لأفضل السبل لصياغة تشريعات متوازنة تحقق العدالة وتحفظ حقوق جميع أفراد.
وكشف الحزب أن هيئته البرلمانية تعكف على دراسة وإعداد مشروعات قوانين ومبادرات منذ بداية دوّر الانعقاد الحالي بشأن ملف الأحوال الشخصية، حيث أن مشروعات القوانين المرتقبة، سواء ما يتعلق بالأسرة المسلمة أو المسيحية أو إنشاء صندوق دعم الأسرة، تمثل فرصة حقيقية لإعادة تنظيم العلاقات الأسرية وفق أسس عصرية تراعي المتغيرات المجتمعية، وتدعم الفئات الأولى بالرعاية، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا، وهي الأسس التي تراعيها برلمانية الحزب خلال دراستها المستفيضة للقوانين ذات الصلة.
وجدد "حماة الوطن" دعوته إلى أهمية التوافق المجتمعي من كافة الأطراف ذات الصلة بهذه القوانين، من أجل تعزيز فاعليتها وتحقيق أهدافها، مؤكدًا استمراره في أداء دوره الوطني الداعم لكل ما من شأنه حماية الأسرة المصرية وصون استقرارها.
كما أعد حزب مستقبل وطن مشروع قانون بشأن الأحوال الشخصية، وجاءت فلسفة المشروع الجديد لتحقيق السلم الاجتماعي واستقرار الأسرة المصرية، ويضم المشروع عددا من المقترحات الهامة يأتى في مقدمتها إنشاء مجلس أعلى للأسرة المصرية ليمثل كيانًا مؤسسيًا معنيًا بوضع السياسات العامة الداعمة للأسرة، ومواجهة التحديات الاجتماعية التي تهدد استقرارها، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذا الملف الحيوي.
وأشارت مصادر إلى أن الحزب انتهى من إعداد حزمة من المقترحات التشريعية المهمة، تمهيدًا لتقديمها إلى مجلس النواب، لمناقشتها بالتوازي مع مشروع القانون الذي تعكف الحكومة على إعداده بشأن دعم الأسرة المصرية، بما يضمن تكامل الرؤى بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
من جانبه أكد حزب الشعب الجمهوري أن التوجيهات الرئاسية تمثل تحركًا حاسمًا وجادًا من القيادة السياسية نحو معالجة أوجه القصور القائمة في قوانين الأحوال الشخصية، والتي تسببت على مدار سنوات في تفاقم النزاعات الأسرية، بما يتطلب تدخلًا تشريعيًا عاجلًا يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويضع مصلحة الطفل والأسرة بشكل عام في مقدمة الأولويات، مشدداً على أن الحفاظ على تماسك الأسرة المصرية يُعد مسؤولية وطنية مشتركة، تستوجب إصدار قانون متكامل يضمن تحقيق العدالة الناجزة، ويُعلي من قيم الترابط الأسري داخل المجتمع المصري.
ودعا "الشعب الجمهورى" هيئته البرلمانية لعقد اجتماع مشترك لبحث مشروعات القوانين المرتقبة فور إحالتها إلى مجلس النواب، وصياغة موقف واضح ورؤية تشريعية متكاملة تدعم إصدار قانون متوازن يحفظ استقرار الأسرة المصرية، كما قال الحزب إنه يعتزم تنظيم صالون سياسي، وإطلاق حوار مجتمعي شامل يضم نخبة من الخبراء والمتخصصين وممثلي المجتمع، بهدف الاستماع إلى مختلف الرؤى، والوصول إلى أفضل الصياغات التشريعية التي تحقق التوازن وتحمي حقوق جميع أفراد الأسرة وجدد الحزب تأكيده على أن هذه القضية تتطلب تكاتف كافة مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمعية، للخروج بقانون يُحافظ على تماسك المجتمع، ويعزز من استقراره.
وقال حزب الجبهة الوطنية برئاسة د عاصم الجزار، إنه سيعقثد اليوم السبت، أول جلسة للحوار المجتمعي الموسع تحت عنوان “نحو قانون أسرة أكثر عدالة”، بمشاركة الخبراء والمختصين والمسؤولين عن جروبات الرؤية والأمهات المعيلات والمهتمين بالشأن الاجتماعي، وأشاد الحزب بتوجيه الرئيس السيسي للحكومة بسرعة إنجاز قوانين الأحوال الشخصية بما يحفظ الأسرة المصرية ويعيد التماسك إليها؛ وهو التوجيه الذي اعتبره الحزب خطوة حاسمة لإنهاء نزاعات أسرية لا يدفع ثمنها سوى الأطفال والمجتمع ككل.
من جانبه أكد حزب الوفد أنه لم يكن يومًا طرفًا لاحقًا في هذا الملف، بل كان من أوائل من بادروا بفتح هذا المسار مبكرًا عبر مشروع متكامل تم العمل عليه خلال الفترة من 2015 إلى 2018، في إطار رؤية إصلاحية تستهدف معالجة أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيدًا وتأثيرًا على استقرار المجتمع، مشيراً إلى مشروع سبق وتقدم به الحزب بعد جهد امتد إلى أكثر من 100 لقاء مجتمعي شملت ما يزيد عن 18 محافظة، في واحدة من أوسع عمليات الحوار المجتمعي المنظمة حول تشريع في هذا المجال، بما يعكس التزامًا حقيقيًا بالاستماع لمختلف الأطراف، وتحويل التباينات المجتمعية إلى صياغات قانونية قابلة للتطبيق، تستند إلى الواقع لا إلى الافتراضات.
وقال الحزب، إنه مع وصول النقاش إلى مرحلة أكثر نضجًا، فإنه يرى أن الوقت قد حان للانتقال من تعدد الأطروحات إلى تقديم مشروع تشريعي مكتمل، يستند إلى خبرة حقيقية وتفاعل مجتمعي واسع، وليس إلى ردود أفعال آنية أو معالجات جزئية، مؤكداً أن مشروعه يقدم تصورًا شاملًا يعيد ضبط العلاقة بين أطراف الأسرة في إطار من العدالة المتوازنة، ويعالج بعمق قضايا الحضانة والرؤية والنفقة والولاية التعليمية، إلى جانب تطوير آليات التنفيذ بما يضمن الفاعلية والعدالة، مع إدماج البعد النفسي والاجتماعي كعنصر حاكم في صياغة النصوص، بما يحقق استقرار الأسرة ويحمي الأطفال من آثار النزاعات الممتدة.
كما أعلن حزب المصريين الأحرار الانتهاء من إعداد مسودة حزمة متكاملة من مشروعات القوانين الخاصة بتنظيم شؤون الأسرة والأحوال الشخصية للمصريين، يأتي في مقدمتها مشروع قانون بعنوان «حماية حقوق الأبناء وضمان الاستقرار الأسري»، يهدف إلى ترسيخ مبدأ «المصلحة الفضلى للطفل» كركيزة أساسية داخل المنظومة التشريعية، بما يعزز حماية حقوق الأبناء بشكل فعّال ومنظم، وأكد النائب الدكتور عصام خليل، عضو مجلس الشيوخ رئيس حزب المصريين الأحرار، أن المشروع يأتي استجابة لحاجة مجتمعية ملحّة، في ظل ما شهدته بعض القضايا الأسرية من طول أمد التقاضي وتشابك الإجراءات بين قوانين الأحوال الشخصية والقانون المدني، بما انعكس سلبًا على الأطفال وأطال أمد النزاعات.
وأوضح أن المشروع يمثل نقلة نوعية في آليات التعامل مع حقوق الأبناء، من خلال تنظيمها في إطار قانوني مستقل ناجز، يحد من التشابك التشريعي، ويضمن حصول الأطفال على حقوقهم في الوقت المناسب وبصورة عادلة، مشيراً إلى أن المشروع يستند إلى نصوص الدستور المصري، لا سيما المواد (10، 11، 80، 93)، إلى جانب اتساقه مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، مع تعزيز البعد الحمائي لحقوق الأبناء، كما أكد أن المشروع لا يُلغي القوانين القائمة، بل يعيد تنظيمها في إطار أكثر تكاملًا ووضوحًا، مع تضمين أحكام حمائية وجنائية صريحة لمواجهة صور مثل الإيذاء النفسي والبدني، والتحايل في النفقة، والإضرار بالسكن وغيرها.