الهدنة قائمة ولعن الله من أفسدها!
السبت، 18 أبريل 2026 10:30 م
مفاوضات إسلام أباد محملة بأثقال شديدة وإنعدام الثقة لكنها كسرت قيود الماضى.. والوسطاء يعملون على تضييق الفجوات
تحركات مصرية متعددة الاتجاهات لإنجاح المسار السياسى وتهيئة الأجواء لتوافق بين الولايات المتحدة وايران وإنهاء الحرب
القاهرة تطرح بلورة مشروع سياسي شرق أوسطي عربي متكامل يكون للدول العربية الرأي الأول في صياغة الأمن الإقليمي
في الثامن من إبريل تنفس العالم الصعداء، بعد الإعلان عن هدنة الأسبوعين، التي أوقفت الحرب في إيران، ومن بعدها بدأت مفاوضات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية، استضافتها العاصمة الباكستانية، إسلام أباد، على مدار يومان، بين وفدين، أمريكى، برئاسة جاي دي فانس نائب الرئيس الامريكى، ومحمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، وفجأة أعلن الوفدان مغادرة إسلام اباد فجر الأحد الماضى، لتبدأ التكهنات بإنهيار المفاوضات.
صباح الأحد، قال دي فانس، إن المحادثات مع إيران لم تسفر عن اتفاق، وإنه يغادر إسلام آباد بعد أن "عرضنا النهائي والأفضل. سنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه"، وحملت هذه التصريحات إشارة إلى أنه لا يزال يمنح إيران وقتا كافيا للنظر في العرض المقدم من الولايات المتحدة، رغم إشارته إلى أن الخلاف الأساسي يتمحور حول الأسلحة النووية، حيث تصر إيران على أنها لا تسعى لامتلاك قنبلة ذرية، وقال نائب الرئيس الامريكى: "الحقيقة البسيطة هي أننا بحاجة إلى التزام أكيد بأنهم لن يسعوا إلى امتلاك سلاح نووي، ولن يسعوا إلى امتلاك الأدوات التي من شأنها أن تمكنهم من صناعة سلاح نووي بسرعة.. السؤال البسيط هو: هل نرى التزاما أساسيا بالإرادة لدى الإيرانيين بعدم تطوير سلاح نووي، ليس الآن فحسب، ولا بعد عامين فقط من الآن، بل على المدى الطويل؟"، مردفا: "لم نر ذلك حتى الآن، ونأمل أن نراه".
وأكد قاليباف، أن وفد بلاده طرح مبادرات "تتطلع للمستقبل"، لكن الولايات المتحدة لم تكسب ثقة الوفد خلال المحادثات، وأضاف: "لقد فهمت الولايات المتحدة منطق إيران ومبادئها، وحان الوقت لتقرر ما إذا كان بوسعها كسب ثقتنا أم لا".
النتيجة التي استقبلها المراقبين من تصريحات فانس وقالبياف أن واشنطن وطهران فشلتا في التوصل إلى اتفاق يضع حدا نهائيا للحرب في الشرق الأوسط، لكن المؤكد أيضاً أن هناك اتفاق على التزام اتفاق وقف إطلاق النار، فيما أكد وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار إنه من "الضروري" الحفاظ على وقف إطلاق النار المتفق المقرر لأسبوعين.
وبعد يومان من ذلك، قال فانس إن واشنطن أحرزت تقدما كبيرا في المحادثات، مشيراً إلى أن "الكرة في ملعب إيران"، وأن الولايات المتحدة تتوقع من إيران إحراز تقدم في فتح مضيق هرمز، محذرا من أن المفاوضات ستتغير إذا لم تفعل طهران ذلك.
والأثنين الماضى، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران "اتصلت هذا الصباح، وإنهم يرغبون في التوصل إلى اتفاق"، وهو ما يؤكد أن النافذة الدبلوماسية لم تغلق، بل أن الوسطاء يقومون بادوار، وهو ما أكده رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف "أريد أن أقول لكم إن الجهود لا تزال مستمرة لحل القضايا".
نحن أذن امام مشهد غامض، نعم الهدنة قائمة، لكن على أي أساس، لا أحد يعلم، خاصة بعد إعلان ترامب فقرض حصار بحرى على إيران، للضغط عليها كى تفتح مضيق هرمز امام الملاحة بحرية كاملة.
غموض هذا المشهد لا ينفى أن هناك مجموعة من المسلمات التي يجب أن تكون حاضرة في أذهاننا ونحن نتابع الحوارات الدائرة الأن بين واشنطن وطهران، فما أنتجته حرب الأربعين يوماً، لا يمكن حله في يوم وليلة، خاصة أن المسافات بعيدة بين مطالب كل جهة، كما أن الثقة مفقودة، وعودتها يحتاج إلى عمل تدريجى، ومن هناك يمكن أعتبار لقاءات إسلام اباد، أنها نجحت في كسر الجمود، وكان معروفاً منذ البداية أنها ستواجه عثرات، لكن لا يمكن التعويل عليها، مع الأخذ في الاعتبار نقطة مهمة، وهى أن ما جرى في إسلام اباد هو أول لقاء مباشر بين الولايات المتحدة وإيران منذ أكثر من عشر سنوات، وأعلى مستوى من المناقشات منذ الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979.
هذا الامر أشار إليه فانس، الثلاثاء الماضى، حينما قال إن هناك قدرا كبيرا من انعدام الثقة بين واشنطن وطهران لا يمكن التغلب عليه بين عشية وضحاها، لكنه أضاف أن المفاوضين الإيرانيين يرغبون في التوصل إلى اتفاق، وأنه يشعر "بالرضا التام عن الوضع الراهن".
الأمر الأخر، أن هناك أطرافً أقليمية، لا تريد لهذه المفاوضات أن تنجح، حتى وإن أعلنت إيران الاستسلام التام للمطالب الأمريكية، لأن هذه القوى تريد أن تكون القوة العسكرية هي السلاح الذى أنتج هذا الاستسلام وليس الدبلوماسية او السياسة، كما أن هذه الإطراف تريد أن تستغل الحرب لتحقيق تغيرات شاملة في الشرق الأوسط، ولا يعجبها أن يجلس الطرفان على طاولة المفاوضات.
الامر الثالث، أنه قد سبقت هذه المفاوضات، إعلان كل طرف النصر من وجهة نظره، وهو ما يؤشر على أن تقديم التنازلات اللازمة لأي تسوية حقيقية عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا أمام الرأي العام الداخلي في كل جانب، فكيف لمن قدّم نفسه منتصرًا أن يفسر لشعبه والداخل معنى التراجع، بل كيف لمن رفع سقف توقعات أنصاره أن يمرر تسوية لا ترقى إلى الشعارات التي سبق أن بشّر بها، وهى أمور كلها رفعت من مسار المفاوضات، وحملتها بصورة ذهنية ثقيلة على الطرفان، وهو ما يؤكد أننا أمام مسار تفاوضى سيستغرق وقتاً، ليس فقط لحل المسائل المتشابكة، وإنما أيضاً لتغير الصورة الذهنية عن الحرب ومآلاتها.
وجزء أخر من هذه المفاوضات مرتبط بمستقبل الشرق الأوسط، وخريطة النفوذ به، وهنا فالدائرة لا تقتصر على الطرفان الجالسان في إسلام أباد، وإنما هناك أطراف رئيسية في الأقليم لها رأى وقرار، كما أن هناك أطراف دولية لها مصالح في الأقليم، وتريد أن يكون لها رأى، مثل الصين وروسيا والاتحاد الاوربى.
والشاهد أننا امام مفاوضات محملة بأثقال شديدة، والحل لا ينتظر فقط أن يأتى من إسلام اباد، رغم أهمية المشهد هناك، بل الحل في بلورة مشروع سياسي شرق أوسطي عربي متكامل، يكون للدول العربية الرأي الأول فيه، وهو ما طرحته القاهرة منذ بداية الحرب، لأن هذا الأقليم مستقبله يهم دوله، ولا يمكن الحديث عن المستقبل الا بوجود دوله، وبمعنى أدق لا يمكن الحديث عن إعادة صياغة الأمن الإقليمي الا بوجود أطراف هذه الصياغة، وهى الدول العربية.
هذه بعض من الأمور التي نحتاج إلى معرفتها قبل الحديث عن مستقبل هذه المفاوضات.
وما ترشح من المفاوضات، أن هناك خلاف حول 3 ملفات رئيسية "الملف النووي-مضيق هرمز-حلفاء إيران في المنطقة"، ومن ينظر إلى هذه الملفات سيجد أنها معنية أساسا بمعركة النفوذ، وهذا ما يعيدنا إلى فكرة الأمن الأقليمى، الذى يتجاوز أطراف التصعيد العسكرى، ويتطلب رؤية أوسع، تكون الدول العربية هي العقل المفكر والمنفذ لها.
والأسبوع الماضى، كشفت تقارير أخبارية أمريكية عن جهود الوساطة التي تقوم بها مصر مع كل من باكستان وتركيا لاستكمال المفاوضات، حيث أن الدول الثلاث تظل متمسكة بالعمل على تضييق الفجوات بين طهران وواشنطن، وقال موقع أكسيوس الأمريكى إن الوسطاء المصريين والباكستانيين والأتراك يواصلون محادثتهم مع الولايات المتحدة وإيران فى محاولة لتضييق الفجوات المتبقية والتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، بحسب ما ذكر مصدر إقليمى ومسئول أمريكى، حيث أشار الموقع إلى أن كافة الأطراف لا تزال تؤمن بإمكانية التوصل إلى اتفاق. ويأمل الوسطاء أن يؤدي تضييق الفجوات جولة أخرى من المفاوضات قبل انتهاء وقف إطلاق النار فى 21 إبريل المقبل.
وبالتوزاى مع ذلك، أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش بجهود مصر وباكستان والسعودية وتركيا في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، داعيًا المجتمع الدولي إلى دعم جهود الوسطاء ومساعيهم من أجل تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في منطقة الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته دعا إيران والولايات المتحدة إلى مواصله الحوار، واعتبر الأمين العام للأمم المتحدة محادثات إسلام آباد الأخيرة بمثابة خطوة يُمكن البناء عليها لمواصلة الحوار باتجاه إنهاء الصراع ووقف تداعياته الاقتصادية الخطيرة على المنطقة والعالم.
ومع هذه التقارير، تواصل القاهرة التحرك على كافة المستويات والاتجاهات، لاستكمال مسار المفاوضات، بتكليف واضح من الرئيس عبد الفتاح السيسى للدبلوماسية المصرية أن تواصل أدوارها النشطة في هذا المسار، وبالفعل عملت مصر بجهد كبير خلال الساعات اللاحقة لإنتهاء مفاوضات إسلام أباد، لحث الطرفين للعودة مرة أخرى واستكمال التفاوض، فيوم الأحد، أجرى الدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية، اتصالين، الأول مع محمد إسحاق دار نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان، الذى أطلع عبد العاطى، على مسار المفاوضات في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لمحاولة التوصل لتفاهمات بين الولايات المتحدة وايران، لاسيما فى ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والامن الاقليمى، حيث اكد الوزيران على أهمية مواصلة الجهود المشتركة لدفع المسار الدبلوماسى وتغليب لغة الحوار والحلول السلمية، بما يحفظ أمن واستقرار ويحول دون تفاقم الأوضاع فى المنطقة، مؤكدين أهمية مواصلة جهودهما الدؤوبة واتصالاتهما المكثفة لخفض التصعيد والدفع بالالتزام بالمسار الدبلوماسى للتوصل لتوافق حول جميع الشواغل، كما اتفق الوزيران على مواصلة التنسيق الوثيق خلال الفترة المقبلة، وتكثيف الجهود المشتركة لخفض التصعيد والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.
وثمن الوزير الباكستاني مستوى التنسيق القائم بين مصر وباكستان وتركيا، مشيدا بالتعاون القائم والحرص المشترك لاحتواء التوتر والعمل بشكل مشترك لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي كخيار أساسي لتسوية الصراع القائم.
الاتصال الثانى كان مع ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، حيث أكد عبد العاطى، على أهمية الالتزام بالمسار الدبلوماسي وتغليب لغة الحوار والحلول السلمية للتوصل لتوافق حول جميع الشواغل المطروحة، ويحافظ على الامن والاستقرار الاقليمى.
والثلاثاء الماضى، جرى اتصال هاتفي بين عبد العاطي و"كايا كالاس" الممثلة العليا للشئون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، شدد خلاله وزير الخارجية على أهمية تضافر الجهود الإقليمية والدولية، ومن ضمنها الاتحاد الأوروبى، للدفع بالمسار الدبلوماسي والحلول السياسية.
كما جرت اتصالات هاتفية بين بدر عبد العاطي والأمير فيصل بن فرحان وزير خارجية السعودية، والدكتور فؤاد حسين نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية العراق، ورافائيل جروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وشهدت الاتصالات تبادلا لوجهات النظر بشأن التطورات المتسارعة ومستجدات الأوضاع الإقليمية بعد انعقاد المفاوضات الأمريكية – الإيرانية، حيث تم التأكيد على أهمية مواصلة وتكثيف الجهود لخفض التصعيد وإعطاء الأولوية للمفاوضات بما يسهم في تجاوز الأزمة الراهنة والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي، كما تم الاتفاق على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق خلال الفترة المقبلة في إطار تكثيف الجهود المشتركة لتحقيق التهدئة ودعم الاستقرار بالمنطقة.
والثلاثاء الماضى، زار وزير الخارجية بدر عبد العاطى، العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث عقد مجموعة من اللقاءات أبرزها مع نظيره الأمريكي، ماركو روبيو، أشار خلالها الى الاتصالات المكثفة التي تجريها مصر للتوصل للتهدئة ودعم الاستقرار في الشرق الأوسط، ودفع مسار التهدئة وخفض التصعيد واحتواء الأزمة، مؤكدا أن المفاوضات تظل السبيل الأمثل لتسوية النزاع القائم.
كل ذلك يؤكد أننا أمام تحرك مصري متعدد الاتجاهات، قوامه التأكيد لكل الأطراف على أهمية إنجاح مسار المفاوضات لتثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الأجواء للتوصل لتوافق بين الولايات المتحدة وايران لإنهاء الحرب، مع التشديد على الإدانة الكاملة لاستهداف ايران غير المبرر وغير المقبول لدول الخليج الشقيقة والعراق والأردن، والمطالبة بوقف اى اعتداءات على سيادة ووحدة وسلامة أراضى الدول العربية.
والأهم من كل ذلك ان القاهرة وهى تتحرك لحشد الدعم الدولى نحو إعادة واشنطن وطهران إلى المفاوضات مرة أخرى، فإنها حريصة على استكمال هدنة الأسبوعين، رغم أن هناك محاولات من أطراف أقليمية لإفساد هذه الهدنة.