السوشيال ميديا المتهم الأول في الجرائم الأسرية..

خبراء نفسيون يطالبون بتغليظ العقوبات والرقابة الصارمة علي المنصات الرقمية

الأحد، 19 أبريل 2026 02:30 م
خبراء نفسيون يطالبون بتغليظ العقوبات والرقابة الصارمة علي المنصات الرقمية
ريهام عاطف

خيّمت على الشارع المصري خلال الأيام القليلة  الماضية، حالة من الحزن والصدمة عقب تداول عدد من الوقائع المأساوية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت سلاح للتشهير وسرعة انتشار الجرائم وتداولها، ليعيد ذلك طرح تساؤلات ملحّة حول الضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها بعض الأفراد، بعد أن تحولت تلك الوقائع إلى جرس إنذار حقيقي، يدعو إلى إعادة النظر في آليات الاحتواء والدعم، وتعزيز ثقافة طلب المساعدة، باعتبارها خطوة أساسية نحو حماية المجتمع من تكرار مثل هذه المآسي ، وتكثيف حملات التوعية، إلى جانب تطوير السياسات التي تضمن حماية الفئات الأكثر عرضة للضغوط، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.
 
فخلال الأيام القليلة الماضية استيقظ رواد السوشيال ميديا علي تداول فيديو لسيدة الإسكندرية "بسنت سليمان" وهي تلقي بنفسها من الطابق الـ 13، لتتسبب في حالة من الصدمة والحزن والقلق تاركه ألما غائر في قلوب المصريين الذين وجدوا في مأساتها صرخة أمرأه لم تجد من يساندها ويدعمها نفسيا، مما دفعها إلى هذه النهاية مأساوية.
 
المجلس القومي للمرأة، وهو ينعى سيدة الإسكندرية، وجه رسالة للسيدات قائلاً: رسالتنا لكل امرأة تمر بضيق لا تصمتي لا تتحملي الألم وحدك، اتصلي على 15115، وستجدين من يسمعك، ويدعمك، ويساعدك على عبور الأزمة، مؤكداً علي أهمية الاستمرار في تطوير السياسات والتشريعات، خاصة ما يتعلق بسرعة إنفاذ النفقة، وتعزيز خدمات الدعم النفسي، بما يضمن ألا تصل أي امرأة إلى لحظة تفقد فيها الأمل.
 
ولم تقتصر الوقائع على الانتحار بل كانت هناك العديد من الجرائم  التي عكست عنف وقسوة وأزمات نفسية عميقة مثل جرائم "سفاحى التجمع والجيزة والغربية والإسكندرية" والتي تعتبر من أبشع الجرائم التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، حيث نجح الأمن في ضبطهم وكشف كل جرائمهم، بعد استهداف الجناة ضحاياهم بوحشية في ظل دوافع نفسية ومادية، مما ألحق أضرارًا جسيمة ليس فقط بالضحايا ولكن بالمجتمع بأسره، هذه الجرائم لم تمس فقط حياة الأبرياء بل هزّت المجتمع بأكمله، كما لم ينجو الأطفال من تلك البشاعة لنجد أطفال تقتل علي يد ذويهم وأصدقائهم مثلما حدث مؤخرا في واقعة مقتل الطفلة مريم بقرية مشتول القاضي بمحافظة الشرقية، والتي لقيت مصرعها على يد طالبة بالثانوية العامة وشقيقها، بدافع سرقة هاتفها المحمول.
 
الدكتورة رشا الجندي الخبيرة النفسية، التي سبق وأصدرت كتاب "كيف تواجه الحياة بمفردك؟"، والذي يقدم الدعم النفسي للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في حياتهم، قالت إن الجرائم موجودة منذ زمن طويل، الفرق الجوهري الذي جعل الناس يشعرون بزيادة وتيرة الجريمة وانتشارها هو وجود وسائل التواصل الاجتماعي، لافتة إلى العديد من العوامل التي أدت لتغير شكل الجريمة يأتي علي رأسها السوشيال ميديا، فطريقة التواصل بين البشر اختلفت وبالتالي طريقة التعبير عن المشاعر أيضا اختلفت، فكل شيء أصبح مباح على السوشيال ميديا للعامة، فلم يعد هناك ثقافة الخصوصية وهو أمر خطأ.
 
وتضيف رشا أن التفكك الأسري لعب دور كبير في انتشار الجرائم واختلافها وكل ما هو سلبي في المجتمع يمثل شكلاً من أشكال الضغوط (مادية، عاطفية، عملية، أو اجتماعية) التي تسبب الجرائم، كما أثرت أيضا العوامل الاجتماعية والشخصية ومستوى الوعي في الاستجابة للضغوط بناءً على علاقة الشخص بربه والقوى الروحية والإيمانية، بجانب الضغوط العالمية التي أثرت على الجميع، وكل شخص يتحمل حسب طاقته وظروفه.
 
الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، قال من جانبه إن الجرائم الأسرية لم تعد قاصرة على الضرب، والإهانة، والازدراء، والعنف بل أصبحت اشد قسوة وانحدار لتطرح تساؤلات صادمة حول الأسباب التي قد تدفع أبًا أو أمًا أو شقيقًا إلى ارتكاب أفعال عنيفة بحق أقرب الناس إليهم كالاغتصاب والتحرش الجنسي وغيرها، في مشاهد ثثير الذهول وتكشف عن خلل، مشيرا إلي أن هذه الجرائم لا تنشأ من فراغ، بل هي نتاج تداخل مجموعة من العوامل المعقدة.
 
وأشار هندى إلى العديد من العوامل التي أدت الي تطور شكل الجريمة، في مقدمتها نمط التنشئة الاجتماعية، حيث تسود في بعض البيئات ثقافة العنف وتغيب لغة الحوار، ما يرسخ لدى الأفراد سلوكيات قائمة على القسوة والتنكيل ، ومع مرور الوقت، يعيد البعض إنتاج ما تعرضوا له في طفولتهم، معتقدين أن العنف وسيلة مقبولة للتربية أو التعبير عن الغضب، كما تلعب الضغوط النفسية والاقتصادية دورًا بارزًا في تفاقم الأزمة، خاصة مع تزايد الأعباء المعيشية، كما لا يمكن إغفال العوامل المرتبطة بالسمات الشخصية، إذ تشير الدراسات إلى أن بعض مرتكبي هذه الجرائم يعانون من اضطرابات في الشخصية، مثل العدوانية المفرطة، أو السادية، أو السمات السيكوباتية، وهي أنماط تفتقر إلى التعاطف وتفتقد القدرة على ضبط الانفعالات، وفي السياق ذاته، تبرز الأمراض النفسية والعقلية كأحد العوامل المؤثرة، حيث قد تدفع بعض الاضطرابات، في حال عدم علاجها، إلى سلوكيات خطيرة، خاصة عندما تقترن بنوبات اندفاع أو أفكار غير منطقية، كما يشكل تعاطي المخدرات عاملًا بالغ الخطورة، إذ يؤدي إلى تغييب الوعي وتشويه الإدراك، ما قد يدفع المتعاطي لارتكاب أفعال عنيفة دون إدراك كامل لعواقبها.
 
وأكد هندى أن وسائل التواصل الإجتماعى والمنصات الرقمية يساهمون في خلق حالة من التبلد تجاه العنف، نتيجة التعرض المتكرر لمشاهد قاسية، وهو ما قد يدفع البعض إلى تقليد هذه السلوكيات، خاصة في ظل تراجع التفاعل الإنساني المباشر بسبب العزلة الرقمية، ولا يغيب عن المشهد ضعف الوازع القيمي والديني، ما يقلل من فرص الاحتكام إلى الحوار والتفاهم، حيث تشير بعض الدراسات إلى وجود عوامل بيولوجية قد ترتبط بزيادة النزعة العدوانية، مثل نقص بعض العناصر الغذائية أو التعرض لمواد ملوثة، ما يستدعي مزيدًا من البحث والاهتمام، موضحاً أن هذه الجرائم تعكس خللًا متعدد الأبعاد، يتطلب مواجهته عبر تكاتف الجهود التربوية والنفسية والاجتماعية، من أجل إعادة بناء منظومة القيم داخل الأسرة، وتعزيز ثقافة الحوار، بما يضمن بيئة آمنة تحمي أفراد المجتمع من الانزلاق نحو العنف.
 
وطالب الدكتور وليد هندي بأصدار تشريعات رادعة لكل من يعبث بالنفس البشرية وفق مستجدات العصر، كما شدد علي ضرورة وجود فحص نفسي حقيقي للمقبلين على الزواج للكشف عن الاضطرابات النفسية، بالإضافة إلى التوعية المستمرة في المدارس، الجامعات، الشركات، والهيئات وأكساب المهارات النفسية لمواجهة الازمات النفسية القاسية التي يمكن ان تواجه أي مواطن، مع  ضرورة الكشف الدوري عن المخدرات في الشوارع وعلى المقاهي ومنح صلاحيات أكبر لوزارة الداخلية في هذا الشأن، بجانب تشديد الرقابة الرقمية وحجب المواقع التي تحض على الغرائز والممارسات الإباحية على السوشيال ميديا، فضلاً عن ضرورة وجود دور أكثر فاعليه لوزارة الأوقاف في تصحيح المفاهيم وعلاج الأخلاق من منظور ديني في المساجد والكنائس.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق