واقع جديد يغير قواعد الردع ويفرض التحالفات

الإثنين، 20 أبريل 2026 03:28 م
واقع جديد يغير قواعد الردع ويفرض التحالفات

التطورات التي يشهدها الإقليم وتلقي بظلالها على العالم على جميع المستويات، اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً، من شأنها إعادة ترسيم خريطة العالم على جميع المستويات السابقة، وبالتالي تفرض وضع استراتيجي جديد، خاصة على دول الشرق الأوسط. 
 
الشرق الأوسط يشهد حالة سيولة غير مسبوقة في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد مراكز القوة ثابتة، ولا التحالفات محكومة بقواعد مستقرة، بل أصبحت قابلة لإعادة التشكيل وفق إيقاع الأزمات وتسارعها.
 
ما يجري منذ السابع من أكتوبر 2023 كشف بوضوح أن الصراع لم يعد محصوراً في نطاقه الجغرافي، أو مفاهيمه التقليدية (سياسيا وعسكريا)، بل أمتد من أمن الطاقة إلى حركة التجارة العالمية، ومن حسابات الردع العسكري إلى مكانة القانون الدولي ذاته.
 
هنا تحديداً تتغير زاوية النظر؛ فالقضية لم تعد فقط في حدود الصراع، بل في تداعياته التي أصابت بنية النظام الدولي في أحد أكثر مفاصله حساسية، وهو مفهوم الاستقرار القائم على قواعد متفق عليها، وأصبح المدتمع الدولي لا يثق ولا يجد الأمان في القانون الدولي، الذي كال بمكيالين في قضايا وجودية خلال عامين فقط.
 
في هذا السياق، يبرز تمدد النفوذ الإسرائيلي باعتباره أحد أهم المتغيرات المؤثرة، ليس فقط بفعل القدرات الذاتية، وإنما في ظل مظلة دعم أمريكي اتسم خلال المرحلة الأخيرة بدرجة عالية من الانحياز السياسي والاستراتيجي.
 
هذا النمط من الدعم لم يعد يُقرأ باعتباره تحالفاً تقليدياً بين دولتين، أو كما عهده العالم، بل باعتباره إعادة تموضع في أولويات السياسة الأمريكية نفسها، حيث أصبحت المصالح الإسرائيلية جزءاً من تصور أوسع للأمن الإقليمي من منظور واشنطن، حتى وإن تعارض ذلك مع توازنات قائمة أو مع إدراك حلفاء آخرين لطبيعة المخاطر، بل سبقت مصالح واشنطن نفسها، وهو ما نجده في حملة إسرائيل أولًا، التي تعارض دخول الولايات المتحدة الأمريكية للحرب ضد إيران.
 
هذا التحول لم يمر دون ردود فعل دولية لافتة. في أوروبا، على سبيل المثال، برزت مواقف تعكس قلقاً متزايداً من تداعيات السياسات الإسرائيلية على الاستقرار الدولي. رئيس الوزراء الإسباني "بيدرو سانشيز" اعتبر أن استمرار هذا النهج العدائي يقوض منظومة القواعد التي يستند إليها النظام الدولي.
 
وفي إيطاليا، ظهرت داخل المعارضة السياسية أصوات أكثر حدة، رأت أن ما يحدث لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يفتح الباب أمام توسيع دائرة الصراع، بما قد ينعكس على الأمن الأوروبي ذاته، سواء عبر موجات عدم الاستقرار أو عبر تغذية بؤر توتر جديدة.
 
أما داخل الولايات المتحدة، ورغم استمرار الدعم الرسمي، فإن النقاش داخل دوائر البحث والخبرة لم يعد على وتيرة واحدة. بعض المحللين، خصوصاً في التيارات الواقعية والتقدمية، بدأوا ينظرون إلى السياسات الإسرائيلية من زاوية تأثيرها على المصالح الأمريكية نفسها، محذرين من أن الانخراط غير المشروط قد يجر واشنطن إلى مسارات تصعيد غير محسوبة، سواء مع إيران أو عبر توسيع نطاق الاشتباك في المنطقة، وهو ما قد يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل أيضاً المصالح الاقتصادية العالمية المرتبطة بأمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد.
 
من هنا يمكن فهم كيف بدأ يتشكل خطاب، وإن لم يكن رسمياً، يرى أن الخطر لم يعد في الصراع ذاته، بل في قابلية هذا الصراع للتحول إلى نقطة اشتعال أوسع.
فحين تتعرض الملاحة في البحر الأحمر للاضطراب، أو ترتفع تكاليف التأمين والشحن، أو تدخل أسواق الطاقة في حالة من الترقب، يصبح من الصعب الفصل بين ما هو إقليمي وما هو عالمي. هذه الترابطات هي التي أعادت طرح السؤال بشكل مختلف: ليس من يملك القوة فقط، بل كيف تُستخدم هذه القوة، وما إذا كانت تقود إلى استقرار أم إلى إعادة إنتاج الأزمات على نطاق أوسع.
 
في ظل هذا المشهد، تبدو أكثر الأفكار التي كانت تُطرح سابقاً باعتبارها شعارات، أقرب إلى ضرورات واقعية. 
 
فكرة “وحدة المصير” ورسم خريطة تحالفات شرق أوسطية، لم تعد ترفاً خطابياً، بل تحولت إلى معادلة بقاء. التجربة أظهرت أن الدولة التي تتحرك منفردة، مهما بلغت قوتها أو التزامها بالقانون الدولي، تظل معرضة للضغط إذا ما وجدت نفسها في دائرة الاهتمام الاستراتيجي لقوى أكبر.
 
في المقابل، فإن بناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.
 
التحول الأعمق هنا هو أن مفهوم الحماية نفسه تغير، لم يعد يكفي الاعتماد على توازنات تقليدية أو ضمانات خارجية، لأن هذه الضمانات أثبتت أنها مرهونة بحسابات متغيرة، ما يفرض نفسه الآن هو القدرة على خلق توازن إقليمي ذاتي، يستند إلى تشابك المصالح، وليس فقط إلى تقاطعها المؤقت، وهذا يتطلب إعادة قراءة دقيقة لأولويات الدول، بعيداً عن حسابات الخلافات القديمة، وبمنطق أكثر براغماتية يضع البقاء والاستقرار في صدارة الاعتبارات.
 
في النهاية، لا يبدو أن العالم يتجه فقط إلى إعادة رسم خرائط النفوذ، بل إلى إعادة تعريف القواعد التي تحكم هذه الخرائط، والمنطقة، بحكم موقعها وثقلها، تقف في قلب هذا التحول.
 
ما سيحدد موقع الدول وثقلها وتأثيرها في محيطها الإقليمي في المرحلة المقبلة ليس فقط ما تملكه من موارد أو قدرات، بل قدرتها على إدراك طبيعة اللحظة، والتعامل معها بوصفها نقطة تحول تاريخية، وأن العالم قبل 7 أكتوبر غير العالم بعده، وأن التناحر والصراع على الصدارة دون تلاحم وتحالف حقيقي، يفقدنا كل وسائل الردع التقليدية.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة