وسادات الشرق الأوسط: من امتصاص التوتر إلى حافة الصدام
الأربعاء، 22 أبريل 2026 02:14 م
هشام السروجي يكتب:
صادفني منذ أيام وأنا أشاهد حلقة من حلقات برنامج الدحيح عن معركة «زي قار» بين العرب والفرس، ووصف دولة "المنتذرة" بمصطلح جيوسياسي، كنت أول مرة أتعرف عليه، وهي الدول العازلة، أو "الدول الوسادة".
الأمر كان جدير بالبحث وتطبيقه على الوضع الحالي، في ظل الاضطرابات الاقليمية الحاصله، خاصة وأن استهداف النماذج الحالية لذلك التعريف، بل دخولها إلى قلب الصراعات، ينذر بواقع جديد في الشرق الأوسط.
الدول العازلة، هي تلك الكيانات الصغيرة أو الضعيفة الواقعة جغرافيًا بين قوتين عظميين متنافستين، دورها الأساسي يشبه الوسادة بين جسمين صلبين: تمتص التوتر، تمنع الصدام المباشر، وتؤخر الانفجار.
أمثلة تاريخية واضحة تشمل نيبال وبوتان بين الهند والصين، ومنغوليا بين روسيا والصين، وأوكرانيا بين روسيا وأوروبا. هذه الدول غالبًا ما تكون محايدة أو تميل لطرف، لكنها تحافظ على مسافة تقلل الاحتكاك.
في الشرق الأوسط، لعبت دول مثل لبنان وسوريا والأردن دورًا مشابهًا تاريخيًا، فنجد لبنان، مثلًا، كان يفصل بين إسرائيل وسوريا، بينما سوريا نفسها بين إسرائيل وإيران.
الأردن يقع بين إسرائيل والدول العربية الرئيسية، مما جعله مساحة فاصلة، هذه الدول كانت تمتص الصراعات، مثل حروب إسرائيل مع جيرانها في الستينيات والسبعينيات، دون أن يصل الاشتباك إلى مراكز القوى الكبرى مباشرة.
منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 وحرب غزة اللاحقة، بدأت هذه الدول العازلة في الانهيار، غزة نفسها، كشريط ضيق بين إسرائيل ومصر، لم تعد مجرد وسادة، أصبحت مركز الاشتعال، خاصة مع جنون بنيامين نتنياهو، وشهوة الحرب التي تسيطر عليه، وتجد من يدعمها بقوة.
لبنان تحول إلى سطح احتكاك مباشر مع تصعيد حزب الله ضد إسرائيل، حيث أصبحت الحدود الشمالية نقطة اشتباك يومي، وفي سوريا، شهدت ضربات إسرائيلية متكررة ضد أهداف إيرانية، مما جعلها قنبلة موقوتة.
الأردن، رغم حياده النسبي، يواجه ضغوطًا متزايدة بسبب قربه من الجبهات، مع مخاوف من تدفق لاجئين أو اشتباكات حدودية.
حتى مصر، كدولة أكبر، تشعر بالضغط عبر سيناء وغزة، حيث أصبحت غزة "الوسادة" غير فعالة، هذا التآكل يعني اختفاء المسافة بين إسرائيل (مدعومة أمريكيًا) وإيران (مع وكلائها)، مما يحول الصراع من "إدارة حدودية" إلى احتكاك مركزي.
عندما تضعف الدول العازلة، يزداد الخطر من سلسلة احتكاكات متصلة، كل اشتباك صغير—مثل غارة حدودية في لبنان أو صاروخ في سوريا—يحمل خطر التوسع، لأن لا حواجز تفصل الخصوم.
تاريخيًا، انهيار دول عازلة أدى إلى حروب أوسع، كما في الحرب العالمية الأولى حيث ساهمت البلقان (دول عازلة بين روسيا والإمبراطورية النمساوية) في الاشتعال.
في الشرق الأوسط اليوم، الخطر ليس حربًا شاملة فورية، بل تصعيد تدريجي: خطأ حسابي في الردود قد يجذب تدخلات أمريكية أو روسية أو صينية أوسع. المنطقة تنتقل من "إدارة الصراع عبر الوسادات" إلى "احتكاك مباشر بين القوى"، حيث السؤال لم يعد "أين نحصر الأزمة؟" بل "إلى أي مدى تمتد قبل التدخل الخارجي؟".
انهيار الدول العازلة يجعل الشرق الأوسط أكثر قابلية للانفجار، لكنه أيضًا يدفع نحو حلول جذرية مثل مفاوضات إقليمية أو ضغوط دولية. اللاعبون الكبار—إسرائيل، إيران، الولايات المتحدة—يدركون الخطر، مما قد يعجل بتهدئة مؤقتة. لكن بدون إعادة بناء هذه الوسادات (عبر استقرار لبنان أو سوريا)، يبقى الاحتكاك المباشر قاعدة اللعبة الجديدة.