كورنيش المعادي يستغيث
السبت، 25 أبريل 2026 04:44 م
شيرين سيف الدين تكتب:
لم يكن السكن على ضفاف كورنيش المعادي مجرد عنوان، بل كان اختيارًا لأسلوب حياة ، حيث الهدوء والرقي، وإطلالة تليق بتاريخ منطقة عُرفت طويلًا بأنها إحدى جواهر القاهرة السكنية.
لكن ما يحدث اليوم على هذا الشريط الحيوي يطرح سؤالًا مؤلمًا هو كيف تحوّل هذا الملاذ الراقي إلى بؤرة اختناق مروري يومي تكاد تخنق سكانه قبل زواره؟
السبب لم يعد خفيًا ، فالانتشار العشوائي لقاعات الأفراح والمطاعم على امتداد الكورنيش خلق واقعًا مروريًا عبثيًا.. سيارات تصطف في حرم الطريق من الجانبين، ميكروباصات تفرغ حمولتها بلا أي تنظيم، ومدعوون يعبرون الطريق في موجات بشرية توقف الحركة تمامًا ، زفة سيارات للعرسان بطريق بهلوانية خطيرة حتى أبواب القاعات ، والنتيجة طريق حيوي هام كان يتسع لأربع حارات أصبح بالكاد يعمل بحارتين، إن لم يتوقف كليًا.
المفارقة المؤلمة أن الوصول إلى المنطقة بات رحلة شاقة جدا، وموترة عصبيا ، فطريق يستغرق من مدينة الشيخ زايد إلى بداية الكورنيش نحو نصف ساعة، قد يحتاج الزمن نفسه لعبور بضعة كيلومترات في المعادي ومحاولة الوصول إلى الداخل، تحولت إلى كابوس حقيقي، خاصة في المساء ، من أول الكورنيش وحتى سور مستشفى المعادي للقوات المسلحة، المشهد واحد ، فوضى مرورية، غياب للتنظيم، وانعدام لاحترام الطريق.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد ، فبمجرد أن تلوح بوادر انفراجة، يصطدم السائق بمنطقة مطاعم أخرى شهيرة وكثيرة الرواد ، حيث يتكرر السيناريو ذاته سيارات تتوقف عرضيًا للصعود على الأرصفة، رواد تحتل سياراتهم الشارع، وشلل مروري جديد يُضاف إلى سلسلة المعاناة اليومية.
وهنا تفرض الأسئلة نفسها بقوة:
من الذي سمح بمنح تراخيص لمطاعم كبرى وقاعات أفراح تستقبل آلاف المعازيم في منطقة غير مؤهلة من الأساس لاستيعاب هذا الكم من السيارات؟
ومن الذي قبل بتحويل الكورنيش—الذي يُفترض أنه طريق سريع—إلى مسار يسير بسرعة السلحفاة؟
ومن الذي قرر أن يُنزع الطابع الراقي عن حي سكني مميز ليُلقى به في دوامة العشوائية، في الوقت الذي تتكاتف فيه جهود الدولة، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، للقضاء على العشوائيات واستعادة الوجه الحضاري لمصر؟
ثم من سيعوض أصحاب الأملاك، دافعي الضرائب، عن الخسائر التي تكبدوها؟ وعن تآكل قيمة استثماراتهم؟ وعن اضطرار بعضهم إلى هجر منازلهم التي اختاروها يومًا بحثًا عن حياة كريمة هادئة؟
وفي مصلحة من تُحوَّل المعادي—التي كانت أشبه بـ«كومباوند مفتوح»—إلى مساحة مزدحمة، صاخبة، تفتقر لأبسط قواعد النظام واحترام القانون؟
هذه الفوضى لم تؤثر فقط على جودة الحياة، بل ألحقت ضررًا مباشرًا بالقيمة العقارية لسكان المنطقة ، فمن كان يبحث عن الهدوء والرقي، وجد نفسه محاصرًا بضجيج وزحام وعشوائية لا تليق بتاريخ المكان ولا بطبيعته.
الأكثر إيلامًا أن هذا المشهد يتناقض مع ما تشهده مصر من طفرة حقيقية في تطوير الطرق والبنية التحتية، بينما تُبنى شبكة طرق حديثة تختصر الزمن وتخفف الضغط، نجد هنا نموذجًا عكسيًا يهدر كل تلك الجهود ، كأن هناك من يُصر على تعكير صفو الإنجاز، وكأن طبق الحلوى يُقدَّم مغطى بطبقة من التراب.
الحل ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إرادة حاسمة .. تنظيم صارم لانتظار السيارات، إعادة النظر في تراخيص القاعات والمطاعم، فرض رقابة مرورية فعالة، وتخصيص أماكن انتظار بديلة بعيدًا عن حرم الطريق ، ببساطة، إعادة الانضباط إلى مكان فقد توازنه.
كورنيش المعادي لا يطلب الكثير… فقط أن يعود كما كان: واجهة حضارية تليق بالقاهرة وسكانها.
فهل من مغيث؟