اليد المنتصرة تبني.. أرض الفيروز.. 44 عاما على استرداد الكرامة قبل الأرض
السبت، 25 أبريل 2026 07:00 م
أحمد سامي
هزمنا الأحتلال.. وطهرنا الأرض من الإرهاب.. واليوم سيناء تكتب قصة انتصار بالبناء والتنمية
"يد تبنى ويد تحمل السلاح".. على أرض الفيروز ترسخت هذه العقيدة بكل تفاصيلها الدقيقة، فما بين مواجهة الإرهاب والتصدى للأفكار المتطرفة، وتحرير أرض سيناء من الإرهابيين بعد تحريرها من الاحتلال الغاشم، كان يد التعمير والبناء تمتد إلى كل شبر في أرض الفيروز، لتحولها من صحراء على أرض خضراء تنبض بالحياة.. فاليد التي انتصرت على الاحتلال، وطهّرت الأرض من الإرهاب.. تبني اليوم وتُعمّر سيناء، تُقيم المدن، وتزرع الأمل، وترسم ملامح مستقبلٍ يليق بتاريخها وتضحيات أبنائها.
هذه الأيام ونحن نحتفل بالعيد الـ44 لتحرير سيناء، الذى يوافق 25 إبريل من كل عام، نستعيد معاً ما تحقق على هذه لأرض الغالية، منذ استعادة شبه جزيرة سيناء كاملة وعودتها إلى السيادة المصرية، بعد سنوات من الصراع العسكري والعمل السياسي والدبلوماسي. حيث يعكس هذا اليوم مسيرة طويلة من الكفاح الوطني، جسّدت قدرة الدولة المصرية على استرداد أرضها وتحقيق أهدافها رغم التحديات.
واليوم، لا يقتصر الاحتفال بعيد تحرير سيناء على استذكار الماضي فقط، بل يمتد ليعكس أيضًا مسيرة التنمية والبناء التي تشهدها شبه الجزيرة، في إطار رؤية الدولة لتحويلها إلى منطقة تنموية متكاملة، تجمع بين الأمن والاستقرار والازدهار، لتظل سيناء دائمًا عنوانًا للانتصار والكرامة والوحدة الوطنية.
وفي العقود الأخيرة، واجهت سيناء تحديات أمنية جديدة تمثلت في الإرهاب ومحاولات زعزعة الاستقرار، فجاءت المواجهة شاملة عبر عمليات أمنية وعسكرية لتطهير الأرض من العناصر المتطرفة، بالتوازي مع خطط تنموية واسعة تهدف إلى إعادة إعمار سيناء وتعزيز الاستقرار بها، إدراكًا بأن التنمية تمثل خط الدفاع الحقيقي والمستدام.
ولا تقتصر أهمية سيناء على بعدها العسكري فقط، بل تمتد إلى أبعاد جغرافية واقتصادية وسياحية ودينية، فهي تطل على خليجي السويس والعقبة، وتشرف على ممرات ملاحة دولية، وتضم مواقع ذات قيمة تاريخية وروحية كبيرة مثل جبل موسى ودير سانت كاترين، فضلًا عن ثرواتها التعدينية ومقوماتها السياحية الفريدة.
واليوم، تمضي الدولة في تنفيذ مشروعات قومية كبرى لربط سيناء بباقي أنحاء الجمهورية عبر الأنفاق والطرق والمدن الجديدة والمشروعات الزراعية والصناعية، بهدف تعمير الأرض وزيادة الكثافة السكانية وتحقيق التنمية الشاملة.
حرب أكتوبر 1973.. العبور الذي مهّد لعودة سيناء
تعد حرب أكتوبر 1973 محطة فارقة في التاريخ المصري والعربي، حيث جاءت بعد مرحلة صعبة أعقبت حرب يونيو 1967 التي فقدت خلالها مصر السيطرة على شبه جزيرة سيناء، هذا الوضع فرض على الدولة إعادة بناء قدراتها العسكرية ووضع استراتيجية طويلة الأمد لاستعادة الأرض، فبدأت مرحلة الإعداد التي شملت التدريب المكثف وتحديث التسليح، إلى جانب خوض حرب الاستنزاف التي مهّدت للمعركة الكبرى.
تُعد القوات المسلحة المصرية أحد أهم ركائز الدولة المصرية عبر تاريخها الحديث، إذ لعبت دورًا حاسمًا في حماية الأمن القومي وصون السيادة الوطنية، وقد ارتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا بـ شبه جزيرة سيناء التي كانت ساحةً لأحد أهم التحولات التاريخية في المنطقة، بداية من معركة التحرير وحتى مراحل التأمين والاستقرار.
في مرحلة التحرير، برز الدور التاريخي للجيش المصري خلال حرب أكتوبر 1973، حين نجحت القوات المسلحة في تنفيذ عملية عبور قناة السويس وتحطيم خط الدفاع الإسرائيلي المعروف باسم خط بارليف، وقد مثّل هذا الإنجاز نقطة تحول كبرى أعادت لمصر مكانتها العسكرية والسياسية، ومهّدت الطريق لاستعادة الأرض.
بعد انتهاء الحرب، انتقلت مصر إلى مرحلة سياسية ودبلوماسية مكملة للانتصار العسكري، أدت في النهاية إلى استعادة سيناء تدريجيًا، لترتبط بذلك القوة العسكرية بالحل السياسي في نموذج فريد جمع بين الحرب والتفاوض.
ومع استعادة سيناء، بدأ الجيش المصري مرحلة جديدة لا تقل أهمية، وهي مرحلة التأمين والاستقرار، فقد تولّت القوات المسلحة مسؤولية حماية الحدود الشرقية، والتصدي للتحديات الأمنية المختلفة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب في فترات لاحقة، من خلال عمليات واسعة هدفت إلى فرض السيطرة الكاملة على كامل أراضي سيناء.
وفي الوقت نفسه، لم يقتصر دور الجيش على الجانب الأمني فقط، بل امتد إلى دعم جهود التنمية، من خلال تنفيذ مشروعات طرق وأنفاق وبنية تحتية، إضافة إلى المساهمة في تحسين الخدمات داخل سيناء وربطها بباقي المحافظات، بما يعزز الاستقرار ويخدم السكان المحليين.
حتى اليوم، يواصل الجيش المصري أداء دوره في سيناء على أكثر من مستوى، يجمع بين التأمين العسكري، ومكافحة التهديدات، ودعم التنمية الشاملة، وهكذا تحولت سيناء من ساحة حرب إلى منطقة استقرار وتنمية، بفضل استمرار دور القوات المسلحة في حماية الأرض وصون السيادة الوطنية.
وبذلك يبقى الجيش المصري رمزًا لـ الدرع الذي يحمي الوطن والسيف الذي يصون حدوده في مختلف المراحل التاريخية، من الحرب إلى السلام، ومن التحرير إلى البناء.
رجال من نور.. قصص أبطال القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر 1973
تُعد حرب أكتوبر 1973 واحدة من أعظم الملاحم العسكرية في التاريخ الحديث، حيث تمكنت القوات المسلحة المصرية من تحقيق إنجاز استراتيجي غير مسبوق باستعادة جزء كبير من الأرض المحتلة عبر عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، في معركة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت اختبارًا شاملًا للإرادة الوطنية، والتخطيط العسكري الدقيق، والتضحية المطلقة من أجل الوطن، شارك فيها آلاف الأبطال الذين صنعوا النصر بدمائهم وصبرهم وإيمانهم العميق بعدالة قضيتهم.
الفريق سعد الدين الشاذلي.. العقل الذي صاغ معادلة العبور
يمثل الفريق سعد الدين الشاذلي أحد أهم العقول الاستراتيجية التي وقفت خلف نصر أكتوبر، حيث تولى منصب رئيس أركان القوات المسلحة وكان المسؤول الأول عن وضع الخطة التفصيلية لعبور قناة السويس، اعتمدت رؤيته العسكرية على فكرة تحقيق المفاجأة الكاملة، وتحييد التفوق الإسرائيلي في الدبابات والطيران من خلال هجوم منظم ومدروس، يقوم على عبور سريع ومنتظم للقناة، مع تثبيت القوات في الضفة الشرقية بسرعة قبل فتح المجال لتوسيع نطاق العمليات.
وقد لعب الفريق الشاذلي دورًا حاسمًا في تنسيق تحركات المشاة والمدرعات والمدفعية، بحيث تعمل جميعها في وقت واحد وبإيقاع متكامل، وهو ما أدى إلى إرباك العدو في الساعات الأولى من الحرب، وجعل من خطة العبور نموذجًا يُدرّس في الأكاديميات العسكرية حتى اليوم.
الفريق عبد المنعم رياض.. القائد الذي اختار الصفوف الأمامية
يُجسد الفريق عبد المنعم رياض نموذجًا نادرًا للقائد العسكري الذي يشارك جنوده تفاصيل المعركة على أرض الواقع، وليس من خلف المكاتب أو غرف القيادة. فقد اعتاد التواجد في الخطوط الأمامية لتفقد مواقع القتال ورفع الروح المعنوية للجنود، إلى أن استشهد أثناء إحدى جولاته التفقدية على الجبهة، ليصبح رمزًا خالدًا للتضحية المبكرة في الصراع مع العدو، لقد عكس حضوره في الميدان فلسفة عسكرية تقوم على أن القيادة الحقيقية هي مشاركة المخاطر، وليس الاكتفاء بإصدار الأوامر، وهو ما جعل استشهاده لحظة فارقة في الوجدان العسكري المصري، ورمزًا للبطولة التي لا تنفصل عن الفعل المباشر في ساحة القتال.
إبراهيم الرفاعي.. أسطورة العمليات الخاصة والفدائية القتالية
يُعد الشهيد إبراهيم الرفاعي واحدًا من أبرز رموز القوات الخاصة في التاريخ العسكري المصري، حيث قاد المجموعة 39 قتال، وهي وحدة نخبوية متخصصة في تنفيذ العمليات خلف خطوط العدو، تميز الرفاعي بقدرة استثنائية على التخطيط والتنفيذ الدقيق للعمليات النوعية، التي استهدفت مراكز القيادة والإمداد والاتصالات للعدو الإسرائيلي، مما أسهم في إضعاف قدرته على إدارة المعركة، وخلال حرب أكتوبر، لعبت مجموعته دورًا محوريًا في تنفيذ عمليات تسلل وكمائن أربكت تحركات العدو، وأحدثت تأثيرًا مباشرًا في مسار القتال، ليصبح الرفاعي رمزًا للفدائية والانضباط والجرأة، قبل أن يستشهد تاركًا إرثًا عسكريًا خالدًا.
عبد العاطي.. مقاتل الدبابات وصائد المدرعات
برز البطل عبد العاطي كأحد أشهر مقاتلي المشاة خلال حرب أكتوبر، بعدما أظهر مهارة فائقة في التعامل مع الدبابات المعادية باستخدام صواريخ “مالوتكا” المضادة للدروع، كان عبد العاطي يتحرك داخل ساحة المعركة بثبات نادر، ويختار مواقع إطلاقه بدقة عالية رغم تعرضه المستمر لنيران العدو، ما مكنه من تدمير عدد كبير من المدرعات الإسرائيلية في اللحظات الأولى للاشتباك.
وقد عكست قصته قدرة الجندي المصري على إحداث تأثير استراتيجي كبير داخل المعركة، من خلال الجمع بين التدريب العالي، والجرأة في اتخاذ القرار، والقدرة على العمل تحت ضغط نيراني شديد.
العقيد أحمد حمدي.. مهندس العبور وصاحب البصمة الخالدة
يُعد العقيد أحمد حمدي أحد أبرز أبطال سلاح المهندسين العسكريين، حيث لعب دورًا أساسيًا في إعداد وتجهيز منظومة العبور إلى سيناء، والإشراف على الأعمال الهندسية المعقدة اللازمة لفتح الممرات داخل خط بارليف.
كان حمدي يعمل ميدانيًا وسط ظروف قتال شديدة الخطورة، يشارك بنفسه في متابعة تنفيذ الأعمال الهندسية على الجبهة، إلى أن استشهد أثناء أداء واجبه، وقد تم تخليد اسمه بإطلاقه على نفق أحمد حمدي، ليظل رمزًا دائمًا لدوره في واحدة من أعظم العمليات الهندسية العسكرية في التاريخ الحديث.
باقي زكي يوسف.. العقل الهندسي الذي غيّر قواعد الحرب
يُعتبر اللواء باقي زكي يوسف أحد أبرز العقول الهندسية التي أسهمت في تحقيق النصر، من خلال تقديم فكرة استخدام خراطيم المياه عالية الضغط لتفتيت السواتر الرملية الضخمة لخط بارليف، هذه الفكرة البسيطة في ظاهرها كانت ثورية في نتائجها، حيث سمحت بفتح ممرات سريعة لعبور القوات المصرية في وقت قياسي، وبأقل خسائر ممكنة، مما ساهم بشكل مباشر في نجاح خطة العبور وتحقيق عنصر المفاجأة الذي أربك حسابات العدو منذ الساعات الأولى للمعركة.
جنود المشاة.. العمود الفقري للنصر الحقيقي
إلى جانب القادة والمخططين، كان جنود المشاة هم القوة الحقيقية التي حملت عبء المعركة على الأرض، حيث عبروا قناة السويس تحت نيران كثيفة، مستخدمين وسائل عبور بسيطة في ظروف قاسية للغاية، كثير منهم واجه الموت في اللحظات الأولى للعبور، بينما واصل الآخرون التقدم داخل عمق سيناء بثبات وإصرار، مثبتين مواقعهم رغم الهجمات المضادة. كما لعبت وحدات المدفعية دورًا حاسمًا في تمهيد الطريق بالنيران، وسلاح الإشارة في تأمين الاتصالات، والأطقم الطبية في إنقاذ الجرحى وسط القصف، لتتشكل صورة متكاملة لمعركة شارك فيها الجميع دون استثناء.
من التحرير إلى التطهير
تمثل القوات المسلحة المصرية أحد أهم أعمدة الدولة في حماية الأمن القومي، وقد امتد دورها في شبه جزيرة سيناء من مرحلة تحرير الأرض في حرب أكتوبر 1973 إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتمثل في الحرب على الإرهاب وتثبيت الاستقرار.
بعد استعادة سيناء، واجهت الدولة المصرية تحديات أمنية خطيرة تمثلت في نشاط جماعات إرهابية استغلت طبيعة المنطقة الجغرافية الصعبة. وهنا بدأت القوات المسلحة خوض معركة طويلة الأمد، اعتمدت على التخطيط الدقيق، والتنسيق الأمني، والاعتماد على المعلومات الاستخباراتية، بهدف القضاء على البؤر الإرهابية واستعادة السيطرة الكاملة على الأرض.
اتسمت هذه الحرب بطبيعتها المعقدة، حيث جرت العمليات في بيئة صحراوية وجبلية قاسية، ما تطلّب جهودًا كبيرة من الضباط والجنود الذين عملوا على مدار الساعة في ظروف صعبة، لضمان حماية المدنيين ومنع تمدد التهديدات الإرهابية، وخلال هذه المواجهة، قدّم رجال القوات المسلحة تضحيات كبيرة، حيث استشهد عدد من الضباط والجنود أثناء تنفيذ عمليات التمشيط والمداهمات والكمائن، ليصبحوا رمزًا للفداء والتضحية في سبيل الوطن، واستمرارًا لمسيرة طويلة من العطاء العسكري.
وفي موازاة الجهد الأمني، ساهم الجيش في دعم جهود التنمية داخل سيناء عبر تنفيذ مشروعات بنية تحتية كبرى، تشمل الطرق والمحاور والمناطق العمرانية، بهدف تعزيز الاستقرار ودمج سيناء اقتصاديًا واجتماعيًا مع باقي الدولة.
ومع استمرار العمليات وتحقيق نجاحات متتالية في تقليص النشاط الإرهابي، بدأت سيناء تستعيد استقرارها تدريجيًا، لتتحول من ساحة صراع إلى منطقة أكثر أمنًا وتنمية، بفضل استمرار الجهود الأمنية والعسكرية.