حرب "الكيبورد"..كيف تُدير جماعة الإخوان الإرهابية حربها على المصريين؟

السبت، 25 أبريل 2026 10:35 م
حرب "الكيبورد"..كيف تُدير جماعة الإخوان الإرهابية حربها على المصريين؟
محمد الشرقاوي

شبكات منظمة وحسابات وهمية ورسائل مُصممة لإرباك الراى العام.. والشائعات سلاحهم

السوشيال ميديا الميدان الذى تستخدمه "ذباب الجماعة الإلكترونى" لبث السموم في عقول المواطنيين

ارتفاع معدل انتشار الشائعات في مصر من 0.7% عام 2014 إلى 14.5% في 2025

شائعات الاقتصاد في الصدارة بنسبة 20.3% يليها التعليم 11.4% والصحة 11% ثم السياحة والآثار 10.2%

 

حرب بلا ضجيج، تترك أثرًا عميقًا، وتضرب في أخطر نقطة: قدرة الناس على التمييز بين الحقيقة والزيف.. هذه هي الحرب التي تديرها جماعة الإخوان الإرهابية ضد المصريين، في عصرٍ لا تُدار الحرب بالسلاح وحده، بل تتحرك في فضاءٍ أكثر خطورة: فضاء الشاشات، حيث لا تُطلق الرصاصة، بل تُطلق الشائعة، ولا يُستهدف الجسد، بل يُستهدف الوعي.

ومن هذا الباب تحديدًا، دفعت جماعة الإخوان الإرهابية بثقلها إلى ساحة الفضاء الرقمي، من خلال ما يطلق عليه "الذباب الإلكترونى"، معتمدة على لجان إلكترونية لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل تحولت إلى ذراع رئيسية في إدارة خطابها، وتوجيه رسائلها، وصناعة رواياتها البديلة.

تبدأ العملية من نقطة إطلاق محددة، تتحول سريعًا إلى منظومة تضليل متكاملة: تصنع الشك، تضخم الارتباك، وتعيد تدوير الأكاذيب حتى تكتسب مظهر الحقيقة، والخطر لا يكمن في منشور عابر أو تعليق مجهول، بل في شبكة تعمل عبر "الكيبورد" بمنطق منسق، تُطلق فيها حسابات تابعة للجماعة الإشارة الأولى، ثم تتولى أخرى تكرارها، قبل أن تتكفل موجات منظمة بمنحها زخمًا مصطنعًا، فيتحول الكذب إلى موجة، والموجة إلى ضغط، والضغط إلى حالة عامة من الالتباس.

ومع كل أزمة أو لحظة توتر، تُظهر اللجان الإلكترونية جاهزية لافتة، تتحرك وفق توجيه واضح، مستثمرة حساسية التوقيت، ومراهنة على أن سرعة الانتشار ستسبق دائمًا محاولات التفنيد؛ وهنا تحديدًا، تكشف جماعة الإخوان عن أحد أخطر وجوه نشاطها: إدارة الإدراك العام عبر الفضاء الرقمي، لا بهدف نقل الواقع، بل لإعادة تشكيله بما يخدم أجندتها، لذلك، فإن الحديث عن اللجان الإلكترونية ليس مجرد رصد لنشاط افتراضي، بل هو تفكيك لأداة تستخدمها الجماعة في معركة مفتوحة تستهدف الثقة في الدولة، وفي المؤسسات، وفي وعي المجتمع ذاته.

 

كيف تُدار ماكينة التضليل الإخوانية

لا تدار ماكينة التضليل الإخوانية بمنطق النشر العشوائي، بل وفق هندسة دقيقة تستهدف "إدارة الإدراك" قبل أي شيء آخر، فالبداية لا تكون بخبر، بل بـ "بناء رواية"؛ واختيار زاوية محددة، تحميلها دلالات سياسية أو اجتماعية، ثم صياغتها في قالب قابل للانتشار: عنوان صادم، وجملة قصيرة، أو فيديو مقتطع، وهذه ليست مرحلة نشر، بل مرحلة "تصميم الرسالة"، حيث تُبنى القصة بحيث تتحمل التكرار والتداول دون أن تفقد تأثيرها.

وتلي ذلك مرحلة "الإطلاق المحسوب"، عبر حسابات تلعب دور "نقاط ارتكاز"، وهذه الحسابات لا تستهدف الانتشار الكمي، بل تثبيت الرواية وخلق أول خيط لها داخل الفضاء الرقمي، بعدها مباشرة تبدأ عملية الاستنساخ الشبكي؛ نفس الرسالة تُعاد إنتاجها عبر طبقات من الحسابات، مع تغييرات طفيفة في الصياغة، لكنها تحافظ على نفس الجوهر.

هنا لا تُنقل المعلومة، بل يُعاد إنتاجها بصيغ متعددة، بما يضمن انتشارها دون كشف نمطها، تمهيدًا للمرحلة التالية وهي "توليد الزخم المصطنع"، حيث يتم تفعيل حسابات متخصصة في التعليق والجدل، لخلق ما يشبه "الكتلة الحرجة" من التفاعل.

وخلال هذه المرحلة يتم افتعال خلافات، وتضخيم ردود الفعل، والهجوم على الأصوات المخالفة، ليس بهدف كسب النقاش، بل لإغراقه، لتتحول بعدها المنصة من مساحة نقاش إلى ساحة ضجيج، ويصبح الصوت الأعلى هو الأكثر حضورًا، لا الأكثر دقة.

وبالتوازي، تعمل الماكينة على إعادة تدوير المحتوى كجزء من استراتيجية مستمرة، لا كحل مؤقت، حيث يتم تطبيق "الاقتباس المجتزأ"، واجتزاء تصريحات وإعادة توظيفها، أو واقعة منتهية يُعاد إحياؤها في توقيت حساس، بهدف إبقاء الرواية حية، وقابلة للعودة في أي لحظة.

وبالتالي فإن ما يحدث في ذلك الإطار ليس مجرد نشر معلومات مضللة، بل بناء واقع رقمي موازٍ، قائم على التكرار، والتزامن، وكثافة الحضور، ومن خلال ذلك تسعى الإخوان لإعادة تشكيل ما يراه الجمهور ويعتقده وليس إقناعه، بما يمكن وصفه بأنه عملية تراكمية، لا تعتمد على ضربة واحدة، بل على موجات متتالية من الرسائل، حتى يصبح الزيف مألوفًا، والمألوف مقبولًا.

 

كيف تُخفي اللجان الإخوانية نفسها؟

لا تعتمد اللجان الإلكترونية الإخوانية فقط على نشر الشائعات، بل على ما هو أخطر: إخفاء نفسها داخل الجمهور، فهي لا تظهر بوصفها تنظيمًا واضحًا يمكن تتبعه، بل تتعمد الاندماج في المشهد الرقمي، بحيث تبدو أصواتها كأنها جزء طبيعي من الناس، لا كيانًا منظمًا يدير خطابًا موجهًا.

وتبدأ هذه العملية بما يمكن تسميته "بناء الثقة التدريجي"، فالحساب لا يولد سياسيًا، بل يبدأ عاديًا: منشورات اجتماعية، وتفاعل يومي، وربما محتوى ترفيهي، ومع الوقت، يكتسب مصداقية لدى المتابعين، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى منصة تدفع روايات بعينها، وهو ما يجعل المتلقي لا يلاحظ الانتقال، فيتعامل مع المحتوى السياسي باعتباره امتدادًا طبيعيًا لصوت يعرفه.

ثم تأتي آلية أكثر تعقيدًا، وهي انتحال الهوية المحلية. صفحات تحمل أسماء عامة أو مرتبطة بمناطق جغرافية، أو تقدم نفسها كمنصات خدمية أو إخبارية، بينما هي في الحقيقة واجهات لتمرير محتوى موجه، وهي هنا لا تطرح خطابًا صريحًا، بل تخلط بين الطبيعي والمصنوع، بحيث يمر التضليل داخل سياق يبدو مألوفًا.

ولا تتوقف الاستراتيجية عند هذا الحد، بل تمتد إلى إخفاء الانتماء الكامل، فالحسابات لا تُظهر ارتباطًا مباشرًا بالجماعة، ولا تتبنى خطابًا أيديولوجيًا واضحًا، بل تكتفي بدفع زوايا محددة، وانتقاء قضايا بعينها، وتوجيه النقاش بشكل غير مباشر، والهدف ليس الإعلان عن الموقف، بل التأثير في اتجاهه دون كشف المصدر.

وفي مستوى أعمق، تعتمد هذه الشبكات على ما يمكن وصفه بـتعدد الأقنعة، فنفس الحساب قد يظهر بوجه ساخر في موقف، وتحليلي في آخر، وغاضب في ثالث، بما يسمح له باختراق أكثر من شريحة في الوقت نفسه، وهو ما يعتبر محاولة لتوسيع دائرة التأثير دون إثارة الشك.

وبهذه الأدوات، لا تكتفي اللجان بصناعة الرواية، بل تضمن قبولها، فالمتلقي لا يرى جهة واضحة يمكنه التشكيك فيها، بل يتلقى الرسالة من حساب يبدو "طبيعيًا"، أو صفحة تبدو "محلية"، أو رأي يبدو "شائعًا"، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: "التضليل لا يأتيك من الخارج.. بل من داخل المساحة التي تثق بها".

 

كيف تُفصّل اللجان الإخوانية "الشائعة"؟

لا تتحرك جماعة الإخوان على الفضاء الرقمي بوصفها طرفًا يعبر عن رأي، بل كفاعل يدير معركة ممتدة تستهدف إعادة تشكيل الإدراك العام منذ 2014، وهذه المعركة لا تُخاض برسالة واحدة، لأن الجماعة تدرك أن الجمهور ليس كتلة واحدة، بل دوائر متعددة لكل منها مدخل مختلف. ومن هنا تبدأ أولى خطوات التشغيل: تقسيم الجمهور، ثم بناء روايات متوازية، تُوجَّه لكل شريحة بما يناسبها، بينما تظل الرسالة الأصلية ثابتة في جوهرها.

وفي الداخل المصري، لا تُبنى الرسائل على نقل الوقائع، بل على تحويلها إلى أدوات ضغط نفسي وسياسي مستمر، فأي حدث، مهما كان محدودًا، يُعاد تقديمه كجزء من سردية أكبر: حادثة فردية تُضخم لتبدو مؤشرًا عامًا، وخبر اقتصادي يُربط بسلسلة أزمات ممتدة، وتصريح عابر يُعاد توظيفه ليُقدَّم كدليل على مسار كامل.

وهذه ليست قراءة للواقع، بل إعادة إنتاج له وفق قالب يخدم هدفًا محددًا، وتعتمد هذه العملية على تقسيم واضح للأدوار داخل الشبكة، عبر حسابات مختلفة، وفي توقيتات متقاربة، حتى تتحول الرواية من مجرد محتوى إلى حالة ذهنية مستمرة.

ولا تتوقف الآلية عند التضخيم، بل تمتد إلى إدارة الإيقاع، فمع كل لحظة توتر أو أزمة، يتم دفع الرسائل بأقصى كثافة، مستفيدة من ارتفاع قابلية التفاعل وسرعة الانتشار، وهنا لا تُترك المساحة للمتلقي ليفكر، بل يُدفع إلى التفاعل الفوري، في بيئة يغلب عليها الانفعال لا التحليل، ومع تكرار هذه الدورات، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والحدث العابر إلى شعور دائم بعدم الاستقرار.

ويدلل على ذلك ما نشره المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، في يناير 2026، في تقريره السنوي بعنوان "جهود مواجهة الشائعات في 2025، فبحسب التقرير بلغ معدل انتشار الشائعات، وفقًا لتوزيع نسبي لإجمالي الفترة من 2014 - 2025، حيث بلغ المعدل 14.5% عام 2025، مقارنة بـ 13.8% عام 2024، و13.4% عام 2023، و11.9% عام 2022، و11.2% عام 2021، و10.6% عام 2020، و9.2% عام 2019، و6% عام 2018، و4.3% عام 2017، و3% عام 2016، و1.4% عام 2015، و0.7% عام 2014.

وسجل مجلس الوزراء في تقريره زيادة في الشائعات بأكثر من 3 أضعاف خلال الفترة (2020 – 2025) مقارنة بالفترة (2014- 2019)، ترجع إلى تأثير الجهود التنموية والتداعيات السلبية للأزمات العالمية على معدل انتشار الشائعات في مصر خلال السنوات الأخيرة.

وبلغت نسبة الشائعات المتعلقة بجهود الدولة التنموية من إجمالي الشائعات كل عام، والتي كان لعام 2025 النصيب الأكبر منها مسجلة 45.7%، كما سجلت 32.5% عام 2024، و28% عام 2023، و25.6% عام 2022، و20.3% عام 2021، و14.5% عام 2020، فيما سجلت نسبة الشائعات المتعلقة بالتداعيات السلبية للأزمات العالمية تراجعاً من إجمالي الشائعات كل عام، فقد تراجعت خلال عام 2025، لتبلغ 34.7%، وذلك بعد أن سجلت أعلى مستوياتها بنسبة 54% عام 2024، كما سجلت 53.8% عام 2023، و46% عام 2022، و18.3% عام 2021، و51.8% عام 2020.

وكشف مجلس الوزراء عن معدل انتشار الشائعات طبقًا للشهور خلال عام 2025، وفقًا لتوزيع نسبي لإجمالي الفترة، حيث بلغ 12.9% في ديسمبر، و13% في نوفمبر، و13.6% في أكتوبر، و3.2% في سبتمبر، و7.6% في أغسطس، 10.7% في يوليو، و9.2% في يونيو، و6% في كل من مايو وأبريل، و5.3% في مارس، و6.2% في فبراير، و6.3 في يناير.

ووفقًا لمعدل انتشار الشائعات طبقًا للشهور يتضح أن الربع الرابع من عام 2025 سجل أعلى معدل ربع سنوي استهدافًا بالشائعات بنسبة 39.5% من إجمالي شائعات العام، حيث كانت قطاعات الاقتصاد والسياحة والصحة الأكثر استهدافًا خلال ذلك الربع.

وجاء ترتيب القطاعات طبقًا لمعدل انتشار الشائعات خلال عام 2025، كالتالي: النسبة الأكبر لقطاع الاقتصاد بـ 20.3%، يليه قطاع التعليم بـ 11.4%، فيما سجل قطاع الصحة 11%، والسياحة والآثار 10.2%، كما سجل قطاع الزراعة 9.6%، وقطاع التموين 8.8%، في حين سجل قطاع الطاقة والوقود 6.1%.

وفي السياق ذاته، بلغت نسبة الشائعات المتعلقة بقطاع الحماية الاجتماعية 5.3%، كما سجل قطاع الإسكان 5.1%، وقطاع النقل 4.6%، والاتصالات 3.9%، في حين سجل قطاع الأوقاف 1.6%، وقطاع البيئة 1.4%، بجانب بلوغ نسبة الشائعات المتعلقة بباقي القطاعات الأخرى 0.7%.

وكانت من بين أخطر الشائعات عام 2025، بيع منطقة وسط البلد لإحدى الدول الخليجية، وكذلك غرق بهو المتحف المصري الكبير نتيجة تسرب كميات كبيرة من مياه الأمطار داخله، فضلًا عن اعتزام الحكومة بيع المطارات المصرية ضمن برنامج الطروحات، بالإضافة إلى شائعة اتصال البنوك بالعملاء هاتفيًا بدعوى تحديث بيانات حساباتهم.

بالإضافة إلى شائعة منح الممر الملاحي لقناة السويس لصالح مواني أبو ظبي بنظام حق الانتفاع، وكذلك انتشار جنيهات أو سبائك ذهبية مغشوشة بالأسواق لغياب الرقابة، فضلًا عن انتشار فيروس مجهول عالي الخطورة في مصر وتزايد حالات الوفيات في المدارس، إلى جانب وجود أزمة في الغذاء نتيجة تراجع الحكومة في شراء القمح المحلي، كذلك شائعة عودة تخفيف الأحمال وقطع الكهرباء خلال فصل الصيف، وشائعة وجود تشغيلات من عقار لعلاج سرطان الثدي مغشوشة بالأسواق.

 

ما بعد الشائعة.. حين يتحول التضليل إلى سلوك يومي

لا يتوقف تأثير اللجان الإلكترونية الإخوانية في الحالة المصرية عند حدود نشر الشائعة أو تحقيق الانتشار، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك: إعادة تشكيل سلوك الأفراد وردود أفعالهم اليومية، فمنذ عام 2014، لم تعد الشائعة مجرد محتوى عابر، بل أصبحت أداة ضغط تُستخدم لدفع المجتمع إلى التفاعل بشكل معين، في توقيتات محسوبة، وبما يخدم هدفًا واضحًا: خلق حالة مستمرة من القلق والارتباك.

ويظهر هذا التأثير بوضوح في أوقات الأزمات، فمجرد تداول أخبار غير دقيقة حول نقص سلعة أساسية، مثل السكر أو الوقود، كان كفيلًا في أكثر من مناسبة بدفع المواطنين إلى التكدس والشراء المفرط، ليس بناءً على واقع فعلي، بل نتيجة حالة خوف جماعي تم تغذيتها رقميًا، وهو نمط يتكرر مع شائعات تتعلق بالقطاع المصرفي أو سحب الأموال، حيث تتحول مجرد رواية متداولة إلى سلوك احترازي واسع قبل التحقق من صحتها.

ولا يقتصر الأمر على السلوك الاستهلاكي، بل يمتد إلى العلاقة مع القرار الحكومي، فمع كل شائعة حول إجراء اقتصادي أو تعديل في السياسات، تتشكل حالة من الترقب والقلق، تدفع قطاعات من الجمهور إلى تفسير أي خطوة في ضوء الشائعة لا في ضوء الواقع، وهنا لا تكتفي اللجان بنشر رواية، بل تنجح في فرض "زاوية قراءة" للأحداث، تُعيد من خلالها توجيه فهم الناس لما يجري.

وفي مستوى أعمق، تؤدي هذه الموجات المتكررة إلى إعادة تشكيل الثقة العامة، فالمواطن، تحت ضغط التدفق المستمر من المعلومات المتضاربة، لا يعود يشك في خبر بعينه، بل في كل الأخبار، ومع الوقت، تتحول هذه الحالة إلى نمط مستقر: تردد دائم، قابلية أعلى لتصديق أي رواية بديلة، وعجز متزايد عن التمييز بين الصحيح والمضلل.

كما يظهر الأثر بوضوح في تشويه أولويات النقاش العام داخل مصر، حيث يتم تضخيم قضايا فجأة لتتصدر المشهد، بينما يتم تهميش ملفات أكثر أهمية، وفي هذه الحالة لا تعمل الشائعة فقط على تغيير ما يعتقده الناس، بل على إعادة توجيه انتباههم، بحيث ينشغلون بما يُدفع إليهم، لا بما يستحق التركيز.

والأخطر أن هذا التأثير لا يأتي دفعة واحدة، بل يتراكم ببطء، فمع كل موجة شائعات، يتغير جزء صغير من الإدراك، حتى يصبح هذا التغيير هو الوضع الطبيعي، وهنا تتحقق النتيجة الأخطر: "المجتمع لا يتفاعل مع الواقع كما هو.. بل مع الصورة التي صُنعت له عنه".

حين تتكلم البيانات

لم يعد الحديث عن اللجان الإلكترونية مجرد اتهام سياسي، بل أصبح مدعومًا بسلسلة وقائع موثقة من داخل المنصات نفسها، قبل أيام، أعلنت شركة Facebook تفكيك 7 شبكات من الحسابات والصفحات الزائفة، كانت تنشط في مصر وتركيا والمغرب وعدة دول أخرى، ضمن ما وصفته بـ“السلوك الزائف المنسق”، أي عمليات منظمة تستخدم حسابات وهمية للتأثير على الرأي العام.

الأخطر في بيان شركة ميتا لم يكن عدد الشبكات، بل هوية القائمين عليها؛ إذ أكدت الشركة أن إحدى هذه الشبكات كان يديرها أفراد على صلة بجماعة الإخوان، تحركوا عبر أكثر من دولة، واستهدفوا جمهورًا إقليميًا بمحتوى سياسي مضلل، بعضه ارتبط بسرديات متطرفة، وهذه الإشارة لا تتعلق فقط بالمحتوى، بل تكشف نمط تشغيل واضح: شبكة تُدار، لا حسابات تتحرك بشكل عشوائي.

ولأن الصورة لا تكتمل دون الرجوع للسوابق، فإن واقعة عام 2021 تقدم دليلًا إضافيًا على نفس الآلية. وقتها، أزالت المنصة 31 حسابًا و25 صفحة وحسابين على إنستجرام، ضمن شبكة انطلقت من مصر وتركيا والمغرب، واستهدفت دولًا بينها مصر وليبيا وتونس واليمن والسعودية، وهذه الصفحات كانت تنتحل صفة منصات محلية، وتدير نقاشات سياسية موجهة، بينما تتولى حسابات مزيفة التعليق والترويج، في محاولة لصناعة رأي عام يبدو حقيقيًا، لكنه في الواقع مُدار.

وهنا لا يمكن تجاهل الأرقام، فأكثر من 1.57 مليون متابع لهذه الحسابات، وإنفاق تجاوز 219 ألف دولار على إعلانات ممولة بعملات متعددة، وبالتالي نحن أمام نشاط له تمويل، وله إدارة، وله أهداف واضحة، وليس مجرد تفاعل سياسي عابر.

الآلية في الحالتين واحدة: حسابات وهمية، صفحات منتحلة، محتوى سياسي مُعاد تدويره، وتفاعل مصطنع يُضخ في توقيت متزامن. الهدف ليس إقناع المستخدم بقدر ما هو إغراقه؛ تكرار مكثف يدفع الرواية إلى الواجهة حتى تبدو كأنها تعبير طبيعي عن المزاج العام، بينما هي في الحقيقة نتيجة تشغيل منظم.

والدلالة هنا مباشرة: الإخوان لا يتحركون على السوشيال ميديا كأفراد، بل كشبكة تشغيل عابرة للحدود، ومع كل عملية تفكيك، يتأكد أن ما يجري ليس مجرد شائعات متناثرة، بل ماكينة تضليل متكاملة، تُدار بعقلية الحملات، وتستهدف إعادة تشكيل الوعي العام عبر الفوضى المنظمة، من خلال الذباب الإلكترونى للجماعة الإرهابية.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق