الإفتاء توضح حكم أداء فريضة الحج عن ميت واحد في عام واحد من شخصين
الأربعاء، 29 أبريل 2026 11:28 ص
منال القاضي
أجابت دار الافتاء على سائل يقول ،ما حكم أداء فريضة الحج عن ميت واحد في عام واحد من شخصين؟ فقد مات أحدُ أقاربي ولم يؤدِّ فريضة الحَجِّ، فذهبتُ إلى مكة فشَرَعْتُ في أداء فريضة الحَجّ عنه، وكنت قَدْ أدَّيتُ فريضة الحَجّ عن نفسي منذ خمسة أعوام، وبعد عودتي علمت أنَّ أحد إخوة المتوفى أدَّى فريضة الحَجِّ عنه في نفس العام، فما حكم ذلك شرعًا؟
الجواب:
لا مانع شرعًا من أداء حجتين عن ميِّتٍ واحد من شخصين مختلفين في عامٍ واحدٍ، وتقع واحدة منهما عن حَجَّةِ الإسلام، والأخرى تطوعًا، وذلك شريطة أن يكون الحاج عن الغير قد أدَّى الفريضة عن نفسه أولًا.
الحج ركن من أركان الإسلام
الحجُّ رُكْنٌ من أركان الإسلام فَرَضَه الله تعالى في العُمْرِ مَرَّةً واحدةً على كُلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ صحيحٍ يملك ما يبلغه بيت الله الحرام من الزاد والراحلة وأَمْنِ الطريق، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (4/ 142، ط. دار الكتب المصرية): [ذَكَرَ اللهُ تعالى الحَجَّ بِأَبْلَغِ ألفاظ الوجوب تأكيدًا لحقه، وتعظيمًا لحرمته، ولا خلاف في فريضته، وهو أحدُ قواعد الإسلام، وليس يجب إلا مَرَّةً في العمر] اهـ.
حكم إنابة الغير في فريضة الحج مع القدرة على أدائها
لا خلاف بين الفقهاء في أنَّ مَنْ وَجَبَتْ عليه فريضة الحَجِّ وهو قادرٌ على أدائها بنفسه لا يجوز له إنابة غيره في أدائها عنه؛ لَا سِيَّمَا أنَّ الأصل في التكاليف الشرعية أنَّها ما شُرِعَت إلا للابتلاء، وفي تَرْكِه لأدائها بنفسه مع استطاعته ماليًّا وبدنيًّا إيثاره راحةَ نَفْسِه على أداء فريضة ربه، والإنابة ضَرْبٌ من التخفيف والرحمة والفضل من الله. يُنْظَرُ: "الإشراف" للإمام ابن المنذر (3/ 389، ط. مكتبة مكة الثقافية)، و"فتح القدير" للعلامة الكمال بن الهمام الحنفي (3/ 145، ط. دار الفكر)، و"المغني" للإمام ابن قدامة الحنبلي (3/ 223، ط. مكتبة القاهرة).
حكم أداء فريضة الحج عن الميت الذي كان مستطيعًا
اختلف الفقهاء في وجوب أداء فريضة الحَجِّ عمَّن مات دون أن يُؤدِّيها عن نفسه مع تَوفُّرِ شَرْطِ الاستطاعة، فذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ الموتَ مُسْقِطٌ عنه الحَجَّ ما لم يُوصِ، وهذا فيما يَتَعَلَّقُ بأحكام الدنيا، وأمَّا ما يَتَعَلَّقُ بالآخرة فيؤاخذ على تقصيره في تأخير ما أُمِرَ به، لَكِنَّه إذا أوصى بالحَجِّ عنه قبل وفاته لَزِمَ الورثة تنفيذ وصيته في حدود ثُلُثِ التركة وجوبًا، وإذا تجاوزت تكلفةُ الحَجِّ ثُلُثَ التركة جاز تنفيذها إذا أجازها الورثة.
قال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (27/ 146، ط. دار المعرفة): [ما يَجِبُ حقًّا للَّه تعالى خالصًا كالزكاة والحج: لا يَصير دَيْنًا في التركة بعد الموت مُقَدَّمًا على الميراث، ولَكِنَّهُ يَنْفُذُ مِن الثُّلُثِ إن أوصى به كما يَنْفُذُ بسائرِ التبرُّعات، وإن لم يوص به فهو يَسْقُطُ بالموت في أحكام الدنيا، وإنْ كان مُؤاخَذًا في الآخرة بالتفريط في الأداء بعد التمكُّنِ منه... وإنَّما يُحَجُّ بثُلُثِه من حيث يبلغ، وإن كان الثُّلُثُ لقِلَّتِه بحيث لا يمكن أن يُحَجَّ به عنه فهو لورثته] اهـ.
وقال الإمام الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" (2/ 474، ط. دار الفكر): [قال سند... إن مات سَقَطَ الوجوبُ بموته، ولا يَلزَمُ ورثَتَهُ ولا مَالَهُ إذا لم يُوصِ به] اهـ.
وقال أيضًا (3/ 3): [الاستنابة في الحج مكروهةٌ على المشهور، فإنَّ الميت إذا أوصى أن يُحَجَّ عنه، فإنَّ الوصية تَنْفُذُ عنه على المشهور، وهو مذهب "الْمُدَوَّنَةِ"] اهـ.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ من مات ولم يحج بعد تَوفُّرِ شَرْطِ الاستطاعة، فإنَّ الموت ليس بمُسْقِطٍ عنه الحَجَّ، ويجب على ورثته شرعًا أداء الحَجِّ عنه من تركته قبل توزيعها أوصى الميت أو لم يُوصِ؛ لِأَنَّه دَيْنٌ استقر في ذِمَّته فلم يسقط بموته فوجب الإتيان به من جميع المال كَدَيْنِ الآدَمِيِّ.
قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع شرح المهذب" (7/ 109، ط. دار الفكر): [وإن مات بعد التَّمَكُّنِ من أداء الحج بِأَنْ مات بعد حَجِّ النَّاس استقر الوجوب عليه، ووَجَبَ الإحجاج عنه من تركته] اهـ.
وقال الإمام البُهُوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 393، ط. عالم الكتب): [(ومن وَجَبَ عليه الحَجُّ)؛ لاجتماع الشروط السابقة -سعة الوقت وأمن الطريق- (فَتُوُفِّيَ قبله فَرَّطَ) في الحَجِّ بأن أَخَّرَهُ لغيرِ عُذْرٍ (أو لم يُفَرِّطْ)؛ كالتأخير لمرضٍ يُرْجَى برؤه، أو لحَبْسٍ، أو أَسْ.
الخلاصة
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فإنَّه لا مانع شرعًا من أداء حجتين عن ميِّتٍ واحد من شخصين مختلفين في عامٍ واحدٍ، وتقع واحدة منهما عن حَجَّةِ الإسلام، والأخرى تطوعًا، وذلك شريطة أن يكون الحاج عن الغير قد أدَّى الفريضة عن نفسه أولًا.