الحصار القانونى.. هل تصنف بريطانيا الحرس الثوري منظمة إرهابية؟
السبت، 02 مايو 2026 12:03 م
الحرس الثوري الإيراني
محمود علي
خبراء: : التصنيف سيعقّد المفاوضات ويقوي المتشددين في طهران.. والخطوة امتداد لسياسة الولايات المتحدة بممارسة "أقصى الضغوط"
تواجه الحكومة البريطانية بقيادة كير ستارمر لحظة فارقة في رسم ملامح سياستها الخارجية، حيث يتصاعد الجدل في الأروقة السياسية اللندنية حول حسم قرار تصنيف "الحرس الثوري الإيراني" منظمة إرهابية.
وتأتي هذه التحركات وسط مشهد دولي شديد التعقيد؛ فبينما تمدد الولايات المتحدة هدنة وقف إطلاق النار مع طهران وتترقب نتائج الجهود الدبلوماسية للوصول إلى اتفاق دائم بشأن الملف النووي والأصول المجمدة، تمارس واشنطن في آنٍ واحد ضغوطًا سياسية مكثفة لدفع لندن نحو اتخاذ موقف أكثر راديكالية وتشدّدًا تجاه النظام الإيراني.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد عثمان، الباحث في العلاقات الدولية، في تصريحات خاصة لـ"صوت الأمة"، إن قرار بريطانيا تصنيف الحرس الثوري الإيراني كتنظيم إرهابي يأتي بالتزامن مع شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا جديدة على إيران، ومن شأن هذا القرار أن يتيح توسيع أدوات الملاحقة الجنائية لأعضاء الحرس الثوري، وتجميد أصوله المالية، وكذلك سيُجرّم أي دعم مادي أو لوجستي له داخل المملكة المتحدة، لافتًا إلى أنه بطبيعة الحال، من شأن هذا القرار رفع مستوى التوتر بين لندن وطهران، وقد يدفع الأخيرة إلى اتخاذ إجراءات بتقليص العلاقات، وربما استهداف مصالح بريطانيا الإقليمية عبر الوكلاء.
وسبق أن أكد رئيس الوزراء البريطاني، ستارمر أن هذا القرار قد يرى النور خلال أسابيع قليلة، بالتزامن مع انطلاق الدورة البرلمانية الجديدة، ما يؤكد جدية التوجه الحكومي، رغم ما يحيط بالخطوة من تعقيدات قانونية وتبعات سياسية شائكة، وتأتي هذه الرؤية البريطانية لتعزز اصطفاف لندن ضمن تحالف غربي منسّق، خاصة بعد إقدام الولايات المتحدة وكندا على خطوات مماثلة، وإعلان الاتحاد الأوروبي في فبراير الماضي تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، مما يجعل القرار البريطاني المرتقب بمثابة رسالة سياسية حازمة تعكس رفضًا قاطعًا لسياسات الحرس الثوري الإقليمية.
ويؤكد محمد عثمان، أنه وعلى الصعيد الداخلي، يواجه ستارمر ضغوطًا متزايدة؛ حيث حثّ الحاخام الأكبر في المملكة المتحدة، إفرايم ميرفيس، الحكومة على تسريع إجراءات حظر الحرس الثوري والكيانات المرتبطة به، وفي سياق متصل، أعرب ستارمر عن "قلق عميق" من استغلال قوى دولية لوكلاء محليين في تنفيذ أنشطة إجرامية داخل الأراضي البريطانية، خاصة بعد موجة من هجمات الحرق العمد التي طالت مواقع للجالية اليهودية، والتي أعلنت مجموعة تُسمّى "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" مسؤوليتها عنها، وسط شكوك قوية بارتباطها بطهران.
ويضيف الدكتور محمد عثمان أن تأثير هذا القرار في حقيقة الأمر محدود الفاعلية، حيث سيمكن لندن من الإسهام في زيادة تضييق الخناق على مصادر التمويل والتحركات والواجهات القانونية الخاصة بالحرس الثوري، لكنه لن يؤثر فعليًا على نفوذه الإقليمي في الشرق الأوسط، القائم على شبكات محلية ووكلاء في عدد من بلدان المنطقة. موضحًا أنه ربما يرفع القرار البريطاني كلفة التشغيل على الحرس، دون تفكيك بنيته أو إنهاء حضوره الإقليمي، لافتاً إلى أنه في ظل حالة انعدام الثقة بين إيران والغرب بشكل عام، لا سيما بعد الحرب الأخيرة، من شأن القرار البريطاني أن يعقّد المناخ التفاوضي ويعزز مواقف التيار المتشدد داخل إيران، مما يحدّ من مرونة طهران التفاوضية.
وتشير تقارير صحفية إلى أن الحرس الثوري الإيراني ارتبط بما لا يقل عن 20 تهديدًا أمنيًا موثوقًا في المملكة المتحدة منذ عام 2022. وفي هذا الصدد، شدد متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية على أن حماية الأمن القومي تأتي في مقدمة أولويات الدولة، مؤكدًا التوجه نحو تشريع "صلاحيات شبيهة بالحظر" للحد من الأنشطة العدائية المرتبطة بالدول، وهو مسار قانوني يجري العمل عليه بوتيرة متسارعة.
الجدوى الميدانية والقيود المالية
وحول التأثير الفعلي لهذا القرار، أكد الدكتور خالد شنيكات، أستاذ العلوم السياسية الأردني، في تصريحات خاصة لـ"صوت الأمة"، أن تصنيف بريطانيا للحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية أو إدراجه على قوائم العقوبات يأتي في توقيت يتزامن مع ممارسة الولايات المتحدة سياسة "أقصى الضغوط" على إيران، ويرى أن هذا التوجه ينسجم مع الموقف الأمريكي، وكأنه رسالة سياسية مفادها وجود توافق بريطاني–أمريكي تجاه التعامل مع الحرس الثوري.
ويتوافق الدكتور محمد عثمان مع هذ الرأي إن التحرك ينسجم مع التوجه العام للولايات المتحدة التي صنّفت الحرس كمنظمة إرهابية منذ وقت طويل، مشيرًا إلى أن ذلك قد يكون محاولة بريطانية لتعزيز التقارب والتنسيق عبر الأطلسي، في وقت تشهد فيه علاقات واشنطن بأوروبا عمومًا، وبريطانيا خصوصًا، توترًا شديدًا إثر رفض الدول الأوروبية الطلب الأمريكي بالتدخل العسكري للمساعدة في فتح مضيق هرمز، ودعمها اللوجستي المحدود للعمليات العسكرية الأمريكية.
وفي السياق ذاته، اعتبر روجر ماكميلان، المدير الأمني السابق لقناة "إيران إنترناشيونال"، أن بريطانيا كانت "الاستثناء" في تأخرها عن هذا التصنيف، مؤكدًا أن الخطوة ستمنح الشرطة صلاحيات واسعة لملاحقة المتورطين في عمليات النفوذ الإيراني بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
وكان وزير الأمن دان جاريڤيس قد أدرج الحرس الثوري بالفعل ضمن "المستوى المعزز" لنظام تسجيل النفوذ الأجنبي، وهو ما يفرض عقوبات سجن تلقائية على أعضاء الجماعات المدرجة في حال عدم تسجيل أنشطتهم.
في المقابل، تبرز تحذيرات من خلف الكواليس يطلقها مسؤولون بريطانيون، تخوفًا من أن يؤدي هذا التصنيف إلى قيام طهران بإغلاق السفارة البريطانية، مما سيفقد الغرب "نقطة مراقبة" استخباراتية حيوية، كما يخشى البعض أن يؤدي تصنيف جهاز يسيطر على مفاصل البرنامج النووي إلى سدّ قنوات التواصل الضرورية في حالات الأزمات أو التحولات السياسية المستقبلية.
التوقيت: نفوذ الحرس الثوري الإقليمي مرشح للاستمرار
وفي قراءة مختلفة للتوقيت، اعتبر الدكتور خالد شنيكات أن نفوذ الحرس الثوري الإقليمي مرشح للاستمرار رغم العقوبات، إذ سبق أن واجه ضغوطًا مماثلة دون أن يتراجع عن أدواره في العراق واليمن ولبنان، وحتى سوريا في مراحل سابقة. واعتبر أن التوقيت يرتبط بمحاولة زيادة الضغط على إيران لدفعها نحو طاولة المفاوضات، بحيث قد يصبح ملف الحرس الثوري أحد أوراق التفاوض، سواء عبر المطالبة بتخفيف تصنيفه أو رفع بعض القيود عنه مقابل تنازلات إيرانية.
كما لفت إلى وجود مدرستين في التعامل مع إيران: الأولى ترى أن طهران تستجيب تحت الضغط، والثانية تدعو إلى تقديم حوافز. وأشار إلى أن التجربة التاريخية تُظهر أن العقوبات هي الأداة الأكثر استخدامًا، لكنها لم تُحدث تغييرًا جذريًا في سياسات إيران، ما أدى إلى حالة من الجمود في العلاقات الإيرانية–الغربية، مشيراً إلى أن الموقف البريطاني قد يُفهم أيضًا في سياق سياسي أوسع، مرتبط بإظهار التناغم مع الولايات المتحدة بعد بعض التباينات السابقة، خصوصًا فيما يتعلق بدرجة استخدام القوة مقابل العقوبات أو التفاوض، مع التأكيد على استمرار العلاقة التحالفية بين الطرفين.
كما أوضح شنيكات أن هذه الخطوة بالغة الأهمية لأنها تقيد قدرة الحرس الثوري على الوصول إلى الأموال وتُخضعه لمنظومة عقوبات أكثر تشددًا، ما قد يخلق تمييزًا في التعامل بين الحكومة الإيرانية الرسمية والحرس الثوري، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذا الفصل ليس سهلًا، نظرًا لكون الحرس الثوري جزءًا من بنية الدولة الإيرانية وليس كيانًا مستقلًا.
ومن شأن هذا القرار، وفق تقارير إعلامية، أن يضع الحرس الثوري الإيراني في خانة واحدة مع تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش"، وسيجعل من الانتماء إليه أو الترويج لشعاراته أو دعم أنشطته جريمة جنائية يُعاقب عليها القانون البريطاني بصرامة. ورغم أن هذا التحول يعكس تقديرًا سياسيًا في "وايتهول" لحجم التهديد الإيراني، فإنه يطرح تساؤلات جوهرية حول مآلاته: هل ينجح في كبح سلوك الحرس الثوري، أم سيؤدي إلى ردود فعل انتقامية وتصعيد إقليمي غير مسبوق، ويزيد من تهميش الدور الأوروبي في مفاوضات الملف النووي؟