"صوت الأمة" تفتح ملف الأسئلة الأربعة.. ما هي توابع الحرب الإيرانية؟

السبت، 02 مايو 2026 12:30 م
"صوت الأمة" تفتح ملف الأسئلة الأربعة.. ما هي توابع الحرب الإيرانية؟
هجمات إسرائيلية أمريكية على إيران
هانم التمساح ومحمود علي


هل تغير "الدرونز" مستقبل تسليح الجيوش وسباق التسليح عالمياً؟
هل نجح نتانياهو في تشتيت الانتباه العالمى عن القضية الفلسطينية؟
هل انكسرت "جرة" الود بين قطر وإيران؟
هل تصنف بريطانيا الحرس الثوري منظمة إرهابية؟
 
 
4 أسئلة فتحت نقاشاً جدلياً دولياً وإقليمياً، ارتباطاً بالحرب الإيرانية، كون الإجابة عنها تحدد مصير ملفات كثيرة عالقة في الإقليم..
هل تغير "الدرونز" مستقبل تسليح الجيوش وسباق التسليح عالمياً؟
هل نجح نتانياهو في تشتيت الانتباه العالمى عن القضية الفلسطينية؟
هل انكسرت "جرة" الود بين قطر وإيران؟
هل تصنف بريطانيا الحرس الثوري منظمة إرهابية؟
 
Capture ملف صوت الأمة
 

أسئلة جدلية لكنها في ذات الوقت مصيرية، كونها تفتح الباب أمام ملفات أكثر ارتباطاً بمستقبل المنطقة، سياسيا واقتصاديا بل وعسكرياً، فالحرب الأمريكية الإسرائيلية من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا تزال تنتج ردات فعل عكسية على المنطقة، بل أن خبراء يؤكدون أن المستقبل سيكون أكثر ضبابية في ظل أن كل يوم نشهد جديداً في الأزمة الإيرانية، فكل سؤال من الأسئلة الأربعة، رغم أنه مقتصر على ملف محدد، لكن تداعياته أكبر بكثير من هذا الملف، فعلى سبيل المثال، هل انكسرت "جرة" الود بين قطر وإيران؟، لا يرتبط فقط بالعلاقات الإيرانية القطرية، لكنه يفتح الباب للنقاش حول مستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية، مع الوضع في الاعتبار أن العلاقة بين الدوحة وطهران كانت "وثيقة" لكنها شهدت شروخاً خلال الشهرين الماضيين، فما بالنا وعلاقات طهران بعواصم خليجية أخرى كانت متذبذبة قبل الحرب، وتدهورت خلاله.

"صوت الأمة" طرحت الأسئلة الأربعة للنقاش، محاولة الوصول إلى إجابات عليها..
 
ملف صوت الأمة 2
 

هل تغير "الدرونز" مستقبل تسليح الجيوش وسباق التسليح عالمياً؟


المسيرات رخيصة التكلفة تقود تحولا استراتيجيا في معادلات القوة العسكرية العالمية

اللواء أيمن عبد المحسن لـ"صوت الأمة": أصبحت عنصر مهم في الحروب العسكرية الحديثة.. والأسلحة التقليدية العمود الفقري لحسم المعارك والسيطرة على الأرض


يشهد العالم تحولات عميقة في طبيعة الحروب الحديثة، خاصة بعد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والتصعيد العسكري المرتبط بالتوترات مع إيران، هذه التحولات أعادت طرح سؤال جوهري حول مستقبل تسليح الجيوش: هل سيستمر سباق التسلح التقليدي المكلف، أم أن الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة ستغير قواعد اللعبة بشكل جذري؟..

في السنوات الأخيرة، برزت الطائرات المسيرة (الدرونز) كأحد أهم عناصر القوة العسكرية الحديثة، لم تعد هذه الطائرات مجرد أدوات للاستطلاع، بل أصبحت سلاحاً فعالا في تنفيذ الضربات الدقيقة، وشن هجمات استنزافية، وحتى تغيير مسار المعارك، وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا كيف يمكن لطائرات صغيرة لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات أن تدمر معدات عسكرية بملايين الدولارات، وهو ما أحدث خللاً واضحاً في معادلة الكلفة مقابل التأثير.

واليوم، بات مصطلح "درونز" القاسم المشترك في كافه الأخبار والتقارير الإخبارية خلال أزمة الشرق الأوسط الأخيرة والحرب الإايرانية الأمريكية وما سبقها من مواجهات المسلحة في المنطقة.

والطائرات المسيرة "الدرونز" هي طائرات يتم التحكم فيها عن بُعد أو تطير بشكل آلي عبر برامج حاسوبية مرتبطة بنظم تحديد المواقع (GPS) والحساسات، وأصبحت هذه الطائرات لاعباً أساسياً في النزاعات الحديثة نظراً لفعاليتها العالية وتكلفتها المنخفضة مقارنة بالطائرات التقليدية.

ويعود تاريخ الطائرات المسيرة إلى زمن بعيد، حيث بدأت كأفكار بدائية في القرن التاسع عشر وتطورت لتصبح "سلاح القرن الحادي والعشرين" بفضل القفزات التكنولوجية في أنظمة التوجيه والذكاء الاصطناعي، ومن أبرز أنواع الطائرات المسيرة، المسيرات القتالية ذات القدره على استهداف وتدمير الاغراض المعاديه، ومسيرات الاستطلاع والمراقبة وهى مخصصة لرصد تحركات العدو وجمع المعلومات الاستخباراتية وتوجيه نيران المدفعية.

وتوجد كذلك المسيرات الانتحارية، وهى أنظمة حديثة تنفجر عند اصطدامها بالهدف، وبالإضافه إلى ذلك توجد المسيرات المدنية والخدمية وهى تُستخدم في التصوير الجوي، فحص شبكات الكهرباء، والزراعة.

وتتنوع الاستخدامات والمهام الرئيسية للطائرات المسيرة ما بين الاسم الاستخدام العسكري، الاستطلاع، الهجوم، الحرب الإلكترونية عبر التشويش على الاتصالات، ونقل الإمدادات وتمنح المسيرات الدول والجيوش قدرة على توجيه ضربات دقيقة وعميقة دون تعريض حياة الطيارين للخطر، وهناك كذلك الاستخدام المدني وهو يتنوع بين الترفيه وتصوير الأفلام وصولاً إلى مهام الصيانة التقنية المعقدة.

 

ملف صوت الأمة 3

وبعض الطائرات المتطورة يمكنها البقاء في الجو لمدة تصل إلى 30 ساعة والتحليق على ارتفاع 23 ألف قدم، وتبدأ أسعار بعض المسيرات من 5 آلاف دولار وتصل في الطرازات الاستراتيجية المتقدمة إلى 30 مليون دولار.

وتتنوع طرق التصدي للطائرات المسيره حيث يتم إسقاطها عبر الرادارات قصيرة المدى، او عبر منظومات التشويش الإلكتروني، أو أسلحة الليزر والنبضات الكهرومغناطيسية، ولخطورتها حظرت بلدان عديده في العالم استخدام الطيران المسير في الاغراض المدنيه الا وفق تصريحات وموافقات امنيه معقده، كما اعتبرتها دول اخرى اداه ذات استخدام مزدوج ووضعت شروطا مشدده لتداولها في الأسواق تجاريا .

اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن، المتخصص في الشأن العسكري والاستراتيجي قال لـ"صوت الأمة" أن الطائرات المسيرة أصبحت لا غنى عنها وعنصرا مهما في الحروب العسكرية الحديثة، مع اتجاه الجيوش النظامية العالمية إلى التوسع في استخدامها، لما تتميز به من قدرات استطلاعية ومراقبة لحظية دقيقة، إلى جانب تنفيذ ضربات هجومية مؤثرة، ويمكنها استهداف البنية العسكرية وإرباك الدفاعات وتقليل المخاطر البشرية، فضلا عن انخفاض تكلفتها المادية.

وأشار عبد المحسن، إلى أن الاعتماد أيضاً على الأسلحة التقليدية ضرورة في الكثير من الحروب، حيث تظل الأسلحة التقليدية بأنواعها المختلفة، سواء الطائرات المقاتلة أو الطائرات الهجومية القاصفة أو المقاتلة القاصفة أو الدبابات بأنواعها أو المدفعية أو المركبات القتالية، ذات أهمية حاسمة في الحروب، حيث تمثل هذه الأسلحة العمود الفقري في العمليات العسكرية، لأنها تستخدم دائما لحسم السيطرة على الأرض واختراق دفاعات العدو، وهو ما لا يمكن تحقيقه سواء بالضربات الجوية أو السيبرانية.

ودفع الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة في الحروب الأخيرة العديد من الدول إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الدفاعية، فبدلاً من الاعتماد الكامل على الأسلحة الثقيلة باهظة الثمن مثل الطائرات المقاتلة والدبابات، بدأت الجيوش تتجه نحو بناء منظومات قتالية متكاملة تجمع بين السلاح التقليدي والتكنولوجيا منخفضة التكلفة، ومع ذلك، لا يعني هذا نهاية سباق التسلح، بل إعادة تشكيله بصورة أكثر تعقيداً، حيث أصبح التنافس يدور حول الكفاءة الاقتصادية بقدر ما يدور حول التفوق العسكري.

وتشير تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الإنفاق العسكري العالمي لا يزال في تصاعد، ما يؤكد أن الدول لم تتخلَّ عن سباق التسلح، لكنها تعيد توجيه استثماراتها نحو مجالات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي العسكري، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، كما أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة لا تزال تخصص ميزانيات ضخمة لتطوير تقنيات الدرونز ووسائل مواجهتها، في محاولة للحفاظ على تفوقها العسكري.

وتجمع مواجهة المسيرات بين الحاجة إلى تدابير مضادة موثوقة عسكريا وفعالة من حيث التكلفة، بحيث تكون الدفاعات أرخص من أهدافها، وهذا يتضمن خيارات محتملة منها الجمع بين المدافع المضادة للطائرات وأنظمة الرادار والليزر المدمجة؛ للكشف عن الهدف وتحديده ثم تحييده.

في هذا الإطار يقول اللواء أيمن عبد المحسن أن هذه الطائرات تقوم بمهام استراتيجية وحيوية، أبرزها الاستطلاع والمراقبة الفورية للأهداف المعادية، حيث يمكنها التحليق لفترات طويلة ورصد تحركات العدو، أي نقل صورة حية ودقيقة لمراكز القيادة والسيطرة لاتخاذ القرار، علاوة على تنفيذ ضربات دقيقة، إذ يتم تسليحها بصواريخ وقنابل موجهة لضرب أهداف محددة بدقة عالية في الإصابة، مؤكداً أنها تستخدم أيضاً في أعمال التشويش الإلكتروني على رادارات العدو، إلى جانب توجيه ضربات المدفعية على الأهداف المخططة، وهي مصممة للتحليق حول الهدف ثم الانقضاض عليه وتدميره. كما أنها أثبتت قدرتها على تغيير مسار العمليات، كونها منخفضة التكلفة مقارنة بالطائرات الحربية الأخرى مرتفعة التكلفة، فضلا عن تقليلها المخاطر البشرية لكونها تعمل بدون طيار.

في المقابل، يفرض الانتشار الواسع للطائرات المسيرة تحديات متزايدة على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، التي صممت أساسا لرصد أهداف كبيرة وسريعة مثل الطائرات والصواريخ، أما الدرونز الصغيرة، التي تحلق على ارتفاعات منخفضة وتمتلك بصمة رادارية ضعيفة، فقد أثبتت قدرتها على اختراق بعض هذه الأنظمة، كما ظهر بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية، وتشير تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن هذا التطور خلق فجوة حقيقية بين قدرات الهجوم منخفض التكلفة وأنظمة الدفاع المكلفة.

اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن أشار أيضاً إلى أن الطائرات المسيرة تستلزم منظومة دفاعية متعددة الطبقات تشمل التشويش الإلكتروني لقطع الاتصالات باستخدام بنادق كهرومغناطيسية وأنظمة ليزر، إلى جانب الرصد الراداري والتدمير المباشر، واستخدام الصواريخ المضادة للطائرات والشباك لاعتراض هذه الطائرات.

وعلى سبيل المثال، أوضح عبد المحسن أن ما حققته الطائرات المسيرة الإيرانية في الحرب ضد التحالف الأمريكي الإسرائيلي، حيث تمكنت إيران باستخدام منظومات الصواريخ والطائرات المسيرة، خاصة من طراز "شاهد"، من إحداث خسائر في الجانب الإسرائيلي أو الأمريكي، وهو ما دفع الجانب الأمريكي إلى استخدام طائرات مسيرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، قادرة على تمييز الطائرات المسيرة المعادية وتدميرها، كما تمكنت القوات الأمريكية من تدمير عدد كبير من الطائرات المسيرة الإيرانية باستخدام هذه التقنيات، وهو ما يؤكد أن هذه المنظومات أصبحت ذات ضرورة كبيرة في الحروب الحديثة.

ولفت إلى أن سباق التسلح يُعد أداة استراتيجية لدى الدول الكبرى والدول العظمى لتحقيق أهداف لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، وإنما تمتد إلى أهداف سياسية. ويضيف أن منظومة سباق التسلح ستستمر رغم المخاطر الكبيرة على الأمن الدولي والإقليمي، نظرا لما تحققه من إمكانية الردع الاستراتيجي، وأضاف أن الدولة التي تمتلك قدرات التصنيع العسكري وتملك منظومات تسليح تقليدية متقدمة تحقق لنفسها قدرة أكبر على الردع الاستراتيجي، وهو ما يُعد وسيلة لتفادي الحروب المباشرة مع الخصوم، حيث إن امتلاك القوة يقلل من احتمالات الصدام المباشر.

وأكد اللواء عبد المحسن أن سباق التسلح يهدف أيضا إلى إعادة توزيع الإنفاق العسكري بالاعتماد على التكنولوجيا، إذ في ظل توافر منظومات تسليح متقدمة بأسعار أقل نسبيا، يتم تطوير المنظومات التقليدية لتكون قادرة على مواجهة التهديدات الحديثة، ومنها الطائرات المسيرة. ويؤكد أن هذا السباق يحقق أيضا قدرا من الأمن للدولة التي تمتلك هذه القدرات الدفاعية والهجومية.

وفيما يتعلق بأنظمة الدفاع الجوي وتطويرها لمواجهة تهديدات الطائرات المسيرة، أشار إلى أن العالم سيستمر في تطوير أنظمة رادارية أكثر فعالية، ليس فقط لمواجهة الطائرات المسيرة، وإنما أيضا لمواجهة الصواريخ الباليستية والصواريخ فرط الصوتية.

أما عن مواجهة الطائرات المسيرة، فيوضح أن ذلك يتم عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تتبع الأهداف المعادية، إلى جانب استخدام الرادارات والكاميرات الحرارية وأجهزة الرؤية الليلية، وكذلك الاعتماد على تقنيات الحرب الإلكترونية الكهرومغناطيسية لتعطيل أو تدمير الطائرات في الجو، بالإضافة إلى أنظمة كشف كهروبصرية متطورة.

وردّاً على ذلك، تتجه الجيوش إلى تطوير دفاعات متعددة الطبقات، تشمل رادارات قصيرة المدى، وأنظمة استشعار متقدمة، وحلول الحرب الإلكترونية للتشويش، إلى جانب وسائل اعتراض جديدة مثل الدرونز الاعتراضية والأسلحة الليزرية، غير أن التحدي لا يقتصر على الفاعلية العسكرية فقط، بل يمتد إلى الكلفة؛ إذ إن مواجهة المسيّرات تتطلب حلولاً تكون أقل تكلفة من الأهداف نفسها، لذلك، يجري التركيز على دمج المدافع المضادة للطائرات مع أنظمة الرادار والليزر في منظومات متكاملة قادرة على اكتشاف الهدف وتتبعه ثم تحييده بكفاءة اقتصادية.

ويضيف الخبير العسكري والاستراتيجي في حديثه لصوت الامة في هذا السياق أن الدولة المصرية تمتلك قدرات وإمكانات لإنتاج منظومات تسليح متقدمة، سواء للأنظمة المأهولة أو المسيرة، وهو ما ظهر في المعارض العسكرية، ومنها معرض "إيديكس" الأخير، الذي عُرضت فيه نماذج متقدمة من هذه الأنظمة.

وأكد عبد المحسن، أن مستقبل الحروب في استخدام الأسلحة التقليدية يكمن في دمجها مع التكنولوجيا الحديثة، مثل الطائرات المسيرة الذكية وأنظمة التوجيه الدقيقة والذكاء الاصطناعي، بما يرفع من كفاءة وفعالية المقاتلين ويمنح الأسلحة التقليدية قيمة إضافية في ميدان القتال.

ويضيف أن هذا التطور التكنولوجي لا يعني بأي حال اختفاء الأسلحة التقليدية، وإنما يشير إلى ضرورة تحديثها وتطويرها باستمرار لتواكب منظومات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، بما يضمن بقاءها فعالة داخل ساحات القتال المستقبلية، كما يوضح أن هذا الدمج بين التقليدي والتكنولوجي يجعل العمليات العسكرية أكثر دقة ومرونة، ويُسهم في تحسين القدرة على اتخاذ القرار وسرعة الاستجابة، وهو ما يعزز من فاعلية الجيوش في الحروب الحديثة والمستقبلية.

ورغم هذا التطور، لا تزال معركة الرادار ضد الدرون مفتوحة، في ظل تسارع الابتكار في هذا المجال، والأهم أن هذه الظاهرة تعكس تحولاً أوسع نحو ما يمكن تسميته “اقتصاد الاستنزاف العسكري”، حيث لم يعد التفوق مرهوناً بامتلاك السلاح الأغلى، بل بالقدرة على الاستمرار في القتال بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على الدول التي تفتقر إلى قاعدة صناعية عسكرية مستدامة.

يؤكد اللواء عبد المحسن أن اقتصاد الحرب منخفض التكلفة يُدار في إطار الصراعات والنزاعات المستمرة وليست الشاملة، حيث يتم فيه استغلال أعمال العنف لإدارة واستنزاف الموارد الاقتصادية للدول، مضيفاً أن اقتصاد الحرب الشامل، والذي يعتمد عليه الاقتصاد العسكري التقليدي، يقوم على تعبئة موارد الدولة بالكامل لصالح المجهود الحربي، بمعنى إعداد الدولة للحرب وفقا للمصطلح العسكري، من خلال تعبئة كل الموارد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لصالح الدولة في حالة التهديد أو في حالة نشوب حروب تهدد الأمن القومي للدول.

ويبدو من هذا المشهد أن سباق التسلح لن يتوقف، لكنه يتغير جذرياً، فالمستقبل لن يكون حكراً على الأسلحة الأغلى، بل على الأنظمة الأكثر ذكاءً وتكاملاً، والقادرة على تحقيق أكبر تأثير بأقل تكلفة. وبينما تظل الطائرات المسيّرة لاعباً رئيسياً في هذا التحول، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية التكيف مع هذا الواقع الجديد.

هل نجح نتانياهو في تشتيت الانتباه العالمى عن القضية الفلسطينية؟

الحكومة الإسرائيلية حاولت استغلال التوترات الإقليمية لفرض سيطرتها على القطاع والضفة

الدبلوماسية المصرية وقفت حائط صد أخير وأفشلت المحاولات الإسرائيلية لإعادة رسم خريطة المنطقة على حساب حقوق الفلسطينيين



بينما تتجه أنظار العالم صوب مضيق هرمز ولغة الصواريخ المتبادلة في الصراع الإيراني - الإقليمي، يقبع قطاع غزة في "منطقة ظل" إعلامية ودبلوماسية خطيرة، وفيما تنشغل القوى الكبرى بتأمين سلاسل التوريد وأزمات الطاقة، تقف الدولة المصرية كحائط صد أخير، محذرة من أن هذا "التشتت الدولي" قد يكون الصاعق الذي يفجر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية بشكل لا يمكن احتواؤه.

 ولم يعد التحرك المصري مجرد وساطة لتهدئة عسكرية، بل تحول إلى معركة تثبيت وجود، فى وقت يستغل الاحتلال الإسرائيلى التوتر الإقليمي الحالي لإعادة رسم خريطة المنطقة على حساب الحقوق الفلسطينية.

الرئيس عبد الفتاح السيسي، في لقاءاته الدولية الأخيرة، وضع النقاط على الحروف بوضوح: "أمن الشرق الأوسط وحدة واحدة لا تتجزأ"، فمصر ترفض المساس بسيادة أي دولة عربية، وفي الوقت ذاته تحذر من أن أي محاولة لتهجير الفلسطينيين أو فرض واقع سياسي جديد في غزة تحت غطاء الانشغال بملف إيران ستقابل برفض مصري قاطع.

وفي الوقت الذي برزت فيه رؤية دولية مدعومة أممياً لإنشاء "مجلس سلام" يتولى إدارة انتقالية لغزة، تبرز فجوة عميقة بين أحلام الإعمار وواقع التوتر المرير مع عقد التمويل والسيادة، وبينما تطرح قوى دولية صيغة "المنطقة الاقتصادية النشطة" لضمان استقرار طويل الأمد، يشدد الجانب الفلسطيني –بدعم مصري– على أن الإعمار بلا "أفق سياسي" ودولة مستقلة هو بناء على الرمال.

ملف صوت الأمة 6

 وتسعى مصر جاهدة لتحويل الهدنة الهشة إلى قاعدة صلبة، مع الضغط لتنفيذ بنود خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب، وابدء في إعمار القطاع، رغم انشغال الوسطاء الدوليين بتخفيف التوتر بين طهران وواشنطن.

وتضع التقارير الدولية غزة في "أقرب نقطة" لاتفاق شامل، لكن الواقع على الأرض يتحدث لغة أخرى. فمع تراجع التغطية الإعلامية وانخفاض تمويل "الأونروا"، يعيش القطاع مأساة صامتة ،وأزمة كبيرة فى  الخدمات و نقص حاد في الدعم الطبي والتعليمي ،مع توترات حدودية وواقع أليم من الهدم والنزوح في الضفة والقدس بعيداً عن الكاميرات.

 وحذرت مصر من نفاذ المساعدات الإنسانية، مؤكدة أن استمرار الحصار سيؤدي حتماً إلى انفجار لن تستطيع أي قوى إقليمية احتواء تداعياته.

ورغم الأعباء الاقتصادية الثقيلة التي تفرضها الأزمات الإقليمية على كاهل الدولة المصرية، إلا أن بوصلة القاهرة لم تحِد عن القضية المركزية، مؤكدة إن الموقف المصري المشهود في المنظمات الدولية يرتكز على حقيقة واحدة لا أمن إقليمي عبر "غطرسة القوة" أو الحروب الأهلية، بل عبر الاعتراف بحقوق 1967.

وبينما يشتت  تدافع الصواريخ والانتباه الاعلامى العالمي معا، تبقى مصر هي "البوصلة" التي تذكر العالم بأن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من غزة وينتهي بها، وأن تجاهل المأساة الإنسانية هناك لصالح صراعات القوى الكبرى هو مقامرة بأمن المنطقة بأسرها.

ويمر ملف غزة بمرحلة مفصلية تتأرجح بين آمال الإعمار وواقع التوتر المستمر، وتعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من "التدافع السياسي" حيث تتداخل لغة الصواريخ مع لغة الدبلوماسية، مما يجعل الحفاظ على توازن العلاقات اختبارا صعبا يعقد مسألة التكاتف من أجل إنهاء الظروف المأساوية في قطاع غزة، خاصة وأن الظروف الإنسانية تسوء يوما بعد يوم مع وجود ازمة تمويل للاونروا مما ألقى بظلاله على الدعم المقدم تعليميا وطبياً.

 وخلال لقاءاته شدد الرئيس السيسي على إن منطقة الشرق الأوسط؛ تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعى مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى أيديولوجية متطرفة.

 وترى مصر؛ أن الطريق الأمثل لمستقبل هذه المنطقة، لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام لتحقيق الاستقرار، وهو السبيل الوحيد؛ كى يعم الخير على الجميع، ولم تدع مصر فرصة ولا محفلا دبلوماسيا إلا وأكدت خلاله على ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلى والحروب الأهلية والدولية، مؤكدة أن الحلول السياسية والمفاوضات، هى السبيل الأمثل، لتجنيب المنطقة مزيدا من الكوارث والدماء والدمار.

 وجاءت مواقف مصر مشهودة وواضحة دون مواربة أو مهادنة، لدعم الحق العربى أمام المنظمات الدولية، وتصر مصر على أهمية التطبيق الكامل، للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفورى فى إعادة إعمار القطاع، رافضة أي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أى ظرف كان وضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية، حماية حقوقهم.

على الجهة الأخرى، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأزمة الأعمق في تاريخه السياسي مع اقتراب انتخابات أكتوبر 2026. فبينما كان يراهن على "الحرب الشاملة" لتصدير أزماته الداخلية وتثبيت صورته كـسيد الأمن، جاءت اتفاقات وقف إطلاق النار الأخيرة مع إيران ولبنان، لتكشف عجزاً استراتيجياً وضع حكومته في مهب الريح، وفي لحظة فارقة يتقاطع فيها انشغال المجتمع الدولي بتداعيات الحرب الإيرانية وأزمة مضيق هرمز، يبدو أن نتنياهو قد وجد في حالة الضبابية الإقليمية فرصة أخيرة لمحاولة فرض معادلات ميدانية جديدة. وهي محاولة يراها مراقبون "رقصة الموت الأخيرة" لزعيم سياسي يحاول الهروب من استحقاقات الفشل العسكري في إيران وسخط الشارع الإسرائيلي مع اقتراب انتخابات أكتوبر.

وحين أعلن نتنياهو بدء العمليات العسكرية ضد إيران في فبراير الماضي، وضع سقفاً مرتفعاً للأهداف أولها إضعاف الجيش الإيراني، تدمير البرنامج النووي، والإطاحة بالنظام، إلا أن ميزان الحسابات في نهاية أبريل 2026 يظهر خيبة أمل كبرى، فحتى الآن لم تُهزم إيران، ولا يزال حزب الله وحماس يمارسان فاعليتهما الميدانية والسياسية، وهو ما وصفه المعلق العسكري "يواف ليمور" بفشل إسرائيل في تحقيق نصر حاسم بعد نحو 925 يوماً من القتال المستمر منذ 7 أكتوبر.

كما يرى 64% من الإسرائيليين أن نتنياهو خضع لإملاءات واشنطن (إدارة ترامب) في قبول الهدنة، مما حوله من "قائد للقرار" إلى "منفذ للرغبات الأمريكية". وفي غزة، يمر اليوم الـ 200 على اتفاق وقف إطلاق النار ليثبت لنتنياهو أن "الحرب الصامتة" لم تجلب الأمن أيضا رغم سيطرة الاحتلال على 58% من مساحة القطاع عسكرياً، إلا أن خروقات الهدنة التي بلغت 3 آلاف خرق لم تنجح في إنهاء المقاومة.

زتزامناً مع أزمة نتنياهو، جاءت حملة الاعتقالات والتحقيقات الميدانية في نابلس وبيت لحم لتؤكد أن القبضة الأمنية تزيد من اشتعال الجبهة الداخلية الفلسطينية بدلاً من تهدئتها.

ويُعد وقف إطلاق النار مع لبنان الضربة القاضية لشعبية نتنياهو في الشمال. فالمستوطنون الذين انتظروا "سحق حزب الله" وجدوا أنفسهم أمام "هدنة قلقة" وبقاء لقوات الحزب بالقرب من الحدود ،و الاحتجاجات في "كريات شمونة" والمطالبة بشخص "لا يدفننا" تعكس تحولاً في القواعد الانتخابية لليمين التي بدأت تنفض من حول نتنياهو لصالح تحالف (بينيت - لابيد).

وبمجرد أن هدأت أصوات الحرب الإيرانية الامريكية قليلا، جاء الإعلان الفرنسي عن دعم "صندوق الأفق" لإعادة إعمار فلسطين بمشاركة السلطة الفلسطينية، ليمثل صفعة ديبلوماسية لنتنياهو. هذا التحرك الدولي يعني الإقرار بفشل سياسة "المحو" الإسرائيلية، وفرض واقع سياسي يقوم على إعادة الإعمار والاعتراف بوحدة الأراضي الفلسطينية، وهو ما ينسف أحلام اليمين المتطرف في ضم أجزاء من غزة أو الضفة.

وبالرغم من العربدة الاسرائيلية فى قطاع غزة والجنوب اللبنانى بل واستهداف مناطق فى سوريا مستغلا توجه كاميرات الاعلام العالمى، إلا أن وقف الحرب لم يكن في صالح نتنياهو بتاتاً؛ فالحرب كانت "الغطاء" الذي يحتمي به من المحاكمات ومن صعود المعارضة. واليوم، مع صمت المدافع جزئياً، بدأت تظهر فجوات الفشل، فأمنياً لم يتحقق الأمن الدائم، وسياسياً تراجعت الثقة الشعبية لدرجة غير مسبوقة، ودبلوماسياً عاد الملف الفلسطيني للواجهة الدولية عبر "صندوق الأفق" ومجلس السلام، وفوق كل ذلك بدأت الأصوات الدولية التى تأتى مصر على رأسها تعلو للمطالبة بالإلتفات لغزة وإعادة غعمارها والتحذير من التوسع الاستيطانى فى الضفة وجنوب لبنان .

ونتنياهو اليوم هو الخاسر الأكبر من الهدوء؛ فكل يوم يمر دون قصف، هو يوم يقترب فيه الناخب الإسرائيلي من صناديق الاقتراع لمحاسبته على وعود النصر التي لم تتحقق ، لذا  تظل تحريضات نتنياهو متواصلة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب وجره نحو استئناف الحرب فى إيران ، مع تشدد الجانب الإيرانى فى القبول بأى تنازلات من أجل السلام خاصة بعد فقد النظام الإيرانى لعدد كبير من رموز الثورة وقياداتها التاريخية وإمساك العسكريين فى  الحرس الثورى ومقر خاتم المرسلين زمام الأمور .

هل انكسرت "جرة" الود بين قطر وإيران؟

العلاقة بين طهران والدوحة بدأت بتعاون كامل ووصلت إلى أهداف عسكرية وشعارات على رؤس الصواريخ.. ​ومطالب قطرية بتفاهمات أمنية جديدة
 

 
استيقظ العالم في مارس الماضى على أخبار استهداف مدينة "رأس لفان" الصناعية في قطر بضربات صاروخية، تزامناً مع عرض عسكري في طهران كشف عن صواريخ باليستية تحمل أسماء حقول غاز قطرية. في مشهدٍ لم يكن يتوقعه أكثر المحللين تشاؤماً، هذا التحول لم يكن مجرد استفزاز دبلوماسي أو تكتيك سياسي، بل كان زلزالاً ضرب أساسات علاقة وُصفت لسنوات بأنها "شعرة معاوية" التي تربط طهران بجيرانها في الخليج،حيث كانت قطر دائما الأقرب إلى طهران.

​ولطالما كان حقل الشمال القطري الذي تتقاسمه مع إيران تحت مسمى بارس الجنوبي هو الضامن الأكبر لاستقرار العلاقات، فالدولتان تجلسان فوق أكبر خزان للغاز الطبيعي في العالم، وهو ما فرض عليهما نوعامن السلام الإجباري لضمان استمرار التدفقات المالية، ​إلا أن التطورات الأخيرة قلبت الطاولة، فظهور صواريخ إيرانية من طرازات متطورة تحمل أسماء مثل الشمال ورأس لفان خلال الاستعراضات العسكرية الأخيرة، أعطى رسالة إيرانية مشفرة وخطيرة، ربما تعنى أن ما كان يجمعنا اقتصادياً صار هدفاً عسكرياً في حال تجاوز الخطوط الحمراء.

ملف صوت الامة 5

​ولم تكتف طهران بالرسائل الرمزية، ففي 18 مارس الماضى، وقع الهجوم الصاروخي الذي استهدف منشآت الغاز المسال في قطر، مما أدى لتعطل جزئي في الإمدادات العالمية. ورغم محاولات طهران تبرير ذلك بأنه رد على استخدام منشآت إقليمية من قبل قوى خارجية، إلا أن قطر ردت بخطوة دبلوماسية غير مسبوقة بإعلان الملحقين العسكري والأمني الإيرانيين "أشخاصاً غير مرغوب فيهم".

ولم تقتصر التوترات على منصات الصواريخ، بل بدت هناك تجاوزات أمنية خطيرة تمثلت في ضبط خليتين تتبعان للحرس الثوري الإيراني في الدوحة، كانتا تقومان بمهام تجسسية لجمع معلومات عن منشآت عسكرية وحيوية قطرية والتخطيط لأعمال تخريبية، وهو ما دفع بعض المحللين القطريين للحديث عن "مراجعة شاملة" للعلاقات بين البلدين فور استقرار الأوضاع الإقليمية، مؤكدين أن استهداف أمن قطر يتعارض مع مبادئ حسن الجوار، رغم حرص الدوحة الحالي على خفض التصعيد ومنع المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران.

و​تتعامل إيران مع قطر وفق سياسة "العصا والجزرة"، ويتجلى حرصها على العلاقات القطرية فى اعتبار قطر الرئة الدبلوماسية والمتنفس لإيران فى المنطقة، فإيران تدرك أن قطر هي الوسيط الوحيد الموثوق القادر على نقل الرسائل بينها وبين واشنطن، وخسارة هذا الوسيط تعني العزلة المطلقة.

​ورغم هذه الأهمية فإن طهران أيضا تستخدم الاستفزاز كأداة ضغط، ووضع أسماء الحقول على الصواريخ لا يعني رغبة في تدمير العلاقة، بل هو ابتزاز استراتيجي لإجبار الدوحة على عدم الانخراط في أي تحالفات عسكرية ضدها أو السماح باستخدام القواعد الأمريكية على أراضيها.

ورغم التناقض الإيراني الذي يبدو على السطح ، تحرص إيران "سياسياً" على بقاء قطر قناة خلفية، لكن "عسكرياً" يعتبر الحرس الثوري منشآت الطاقة القطرية رهينة جغرافية لردع أي هجوم إسرائيلي أو أمريكي محتمل.

​من جهتها، كانت الدوحة دائماً تحرص على الصبر الإستراتيجى وإنهاء المشاكل مع إيران، معتبرة إياها جارا لا يمكن تجاهله. ولكن، بعد وضع أسماء حقولها على الصواريخ واستهداف منشآتها، بدأ المزاج السياسي في الدوحة يتغير، فلم تعد قطر تكتفي ببيانات التهدئة، بل بدأت في تعزيز منظوماتها الدفاعية وتوطيد تحالفاتها الأمنية مع الغرب بشكل أكثر صراحة، ​واعلنت قطر صراحة أن الغاز خط أحمر وأي مساس بمنشآت الغاز هو مساس بوجود الدولة القطرية، وهو ما قد يدفع الدوحة للتخلي عن دور الوسيط المحايد والتحول لتبني مواقف أكثر صرامة داخل مجلس التعاون الخليجي.

​ويرى مراقبون أن مستقبل العلاقات القطرية الإيرانية في عام 2026 وما بعدها قد يمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة. فلم تعد العلاقة تبنى على الثقة، بل على توازن  المصالح وردات الفعل، وعلى الأغلب فإن

​السيناريو المرجح هو البرود الدبلوماسي مع استمرار قنوات التواصل الضرورية، وستظل إيران تحاول إبقاء قطر في صفها عبر التهديد والوعيد، بينما ستسعى قطر للحفاظ على شعرة معاوية مع تأمين جبهتها الداخلية ضد أي حماقة عسكرية قد ترتكبها الفصائل أو الحرس الثوري.

وتحرص إيران على قطر كوسيط وتخشاها كقاعدة عسكرية أمريكية، وقطر تحرص على إيران كجار وشريك اقتصادى مهم، وتخشاها كقوة عسكرية متهورة، أما الصواريخ التي تحمل أسماء حقول الغاز، فتظل مجرد تذكير مرير بأن الغاز الذي كان سبباً في ازدهار البلدين، قد يكون يوماً ما هو البركان الثائر الذي يفجر المنطقة برمتها.

وتظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة وتصاعد التوترات في ملف الطاقة بالشرق الأوسط، هى المحرك الأساسي للعلاقة بين الجارتين

 

ويبقى السؤال الآن، ما أهداف الحرس الثورى الإيراني من محاولاته أستفزاز قطر؟

الخبراء يؤكدون أن قطر ضمن الدول الأكثر استهدافًا من قبل الحرس الثورى الإيراني ولا تزال محاولاته لاستفزازها، كما ظهر جليًا خلال العرض العسكرى في طهران بوضع عبارة "راس غاز - قطر" على أحد الصواريخ، وهو يفعل ذلك بذريعة أن بها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة وهى قاعدة "العديد"، لكن الحقيقة أنه يريد إيصال رسالة فحواها أن أى بلد له قاعدة أمريكية معرض للاستهداف حتى لو كان بلدا صديقًا.

وفسر محللون قطريون هذا المشهد بأنه يعكس خلافات داخلية في النظام الإيراني؛ حيث يسعى الحرس الثوري لإثبات سطوته وتوجيه رسائل لدوائر القرار في الرئاسة والخارجية الإيرانية بأنه لا يؤمن إلا بالقوة العسكرية. وأن وضع اسم منشأة قطرية حيوية هو "رسالة خشنة" للداخل ولواشنطن معاً، مفادها أن إيران لا تعترف بخطوط حمراء ولا تستثني أحداً من نيرانها في حال التصعيد.

وعلى الرغم من "الرسائل الخشنة"، الا أن قنوات الاتصال بين البلدين لم تتوقف، حيث جرى مؤخراً اتصال هاتفي بين الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، ونظيره الإيراني عباس عراقجي، لبحث كواليس مفاوضات واشنطن وطهران وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

وتسعى الدوحة من خلال هذه التحركات إلى التأكيد على أن الحوار هو الخيار الاستراتيجي الوحيد،و محاولةً فصل ملف "الغاز" الاقتصادي عن الخلافات السياسية والأمنية العارضة، لضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية التي تعد قطر ركيزتها الأساسية.

ويرى مراقبين أن المرحلة القادمة قد تشهد صياغة "تفاهمات أمنية جديدة" تضمن عدم تكرار الاستفزازات الإيرانية، خاصة وأن أي مساس بالمنشآت القطرية لا يُنظر إليه كاستهداف للسيادة فحسب، بل كضربة لعصب الاقتصاد العالمي، وهو ما لن تسمح به القوى الدولية الكبرى.

هل تصنف بريطانيا الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

خبراء: : التصنيف سيعقّد المفاوضات ويقوي المتشددين في طهران.. والخطوة امتداد لسياسة الولايات المتحدة بممارسة "أقصى الضغوط"

 
تواجه الحكومة البريطانية بقيادة كير ستارمر لحظة فارقة في رسم ملامح سياستها الخارجية، حيث يتصاعد الجدل في الأروقة السياسية اللندنية حول حسم قرار تصنيف "الحرس الثوري الإيراني" منظمة إرهابية.
 
وتأتي هذه التحركات وسط مشهد دولي شديد التعقيد؛ فبينما تمدد الولايات المتحدة هدنة وقف إطلاق النار مع طهران وتترقب نتائج الجهود الدبلوماسية للوصول إلى اتفاق دائم بشأن الملف النووي والأصول المجمدة، تمارس واشنطن في آنٍ واحد ضغوطًا سياسية مكثفة لدفع لندن نحو اتخاذ موقف أكثر راديكالية وتشدّدًا تجاه النظام الإيراني.
 
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد عثمان، الباحث في العلاقات الدولية، في تصريحات خاصة لـ"صوت الأمة"، إن قرار بريطانيا تصنيف الحرس الثوري الإيراني كتنظيم إرهابي يأتي بالتزامن مع شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا جديدة على إيران، ومن شأن هذا القرار أن يتيح توسيع أدوات الملاحقة الجنائية لأعضاء الحرس الثوري، وتجميد أصوله المالية، وكذلك سيُجرّم أي دعم مادي أو لوجستي له داخل المملكة المتحدة، لافتًا إلى أنه بطبيعة الحال، من شأن هذا القرار رفع مستوى التوتر بين لندن وطهران، وقد يدفع الأخيرة إلى اتخاذ إجراءات بتقليص العلاقات، وربما استهداف مصالح بريطانيا الإقليمية عبر الوكلاء.
 
وسبق أن أكد رئيس الوزراء البريطاني، ستارمر أن هذا القرار قد يرى النور خلال أسابيع قليلة، بالتزامن مع انطلاق الدورة البرلمانية الجديدة، ما يؤكد جدية التوجه الحكومي، رغم ما يحيط بالخطوة من تعقيدات قانونية وتبعات سياسية شائكة، وتأتي هذه الرؤية البريطانية لتعزز اصطفاف لندن ضمن تحالف غربي منسّق، خاصة بعد إقدام الولايات المتحدة وكندا على خطوات مماثلة، وإعلان الاتحاد الأوروبي في فبراير الماضي تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، مما يجعل القرار البريطاني المرتقب بمثابة رسالة سياسية حازمة تعكس رفضًا قاطعًا لسياسات الحرس الثوري الإقليمية.
 
ملف صوت الأمة 4

 

ويؤكد محمد عثمان، أنه وعلى الصعيد الداخلي، يواجه ستارمر ضغوطًا متزايدة؛ حيث حثّ الحاخام الأكبر في المملكة المتحدة، إفرايم ميرفيس، الحكومة على تسريع إجراءات حظر الحرس الثوري والكيانات المرتبطة به، وفي سياق متصل، أعرب ستارمر عن "قلق عميق" من استغلال قوى دولية لوكلاء محليين في تنفيذ أنشطة إجرامية داخل الأراضي البريطانية، خاصة بعد موجة من هجمات الحرق العمد التي طالت مواقع للجالية اليهودية، والتي أعلنت مجموعة تُسمّى "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" مسؤوليتها عنها، وسط شكوك قوية بارتباطها بطهران.
 
ويضيف الدكتور محمد عثمان أن تأثير هذا القرار في حقيقة الأمر محدود الفاعلية، حيث سيمكن لندن من الإسهام في زيادة تضييق الخناق على مصادر التمويل والتحركات والواجهات القانونية الخاصة بالحرس الثوري، لكنه لن يؤثر فعليًا على نفوذه الإقليمي في الشرق الأوسط، القائم على شبكات محلية ووكلاء في عدد من بلدان المنطقة. موضحًا أنه ربما يرفع القرار البريطاني كلفة التشغيل على الحرس، دون تفكيك بنيته أو إنهاء حضوره الإقليمي، لافتاً إلى أنه في ظل حالة انعدام الثقة بين إيران والغرب بشكل عام، لا سيما بعد الحرب الأخيرة، من شأن القرار البريطاني أن يعقّد المناخ التفاوضي ويعزز مواقف التيار المتشدد داخل إيران، مما يحدّ من مرونة طهران التفاوضية.
 
وتشير تقارير صحفية إلى أن الحرس الثوري الإيراني ارتبط بما لا يقل عن 20 تهديدًا أمنيًا موثوقًا في المملكة المتحدة منذ عام 2022. وفي هذا الصدد، شدد متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية على أن حماية الأمن القومي تأتي في مقدمة أولويات الدولة، مؤكدًا التوجه نحو تشريع "صلاحيات شبيهة بالحظر" للحد من الأنشطة العدائية المرتبطة بالدول، وهو مسار قانوني يجري العمل عليه بوتيرة متسارعة.
 
الجدوى الميدانية والقيود المالية
 
وحول التأثير الفعلي لهذا القرار، أكد الدكتور خالد شنيكات، أستاذ العلوم السياسية الأردني، في تصريحات خاصة لـ"صوت الأمة"، أن تصنيف بريطانيا للحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية أو إدراجه على قوائم العقوبات يأتي في توقيت يتزامن مع ممارسة الولايات المتحدة سياسة "أقصى الضغوط" على إيران، ويرى أن هذا التوجه ينسجم مع الموقف الأمريكي، وكأنه رسالة سياسية مفادها وجود توافق بريطاني–أمريكي تجاه التعامل مع الحرس الثوري.
 
ويتوافق الدكتور محمد عثمان مع هذ الرأي إن التحرك ينسجم مع التوجه العام للولايات المتحدة التي صنّفت الحرس كمنظمة إرهابية منذ وقت طويل، مشيرًا إلى أن ذلك قد يكون محاولة بريطانية لتعزيز التقارب والتنسيق عبر الأطلسي، في وقت تشهد فيه علاقات واشنطن بأوروبا عمومًا، وبريطانيا خصوصًا، توترًا شديدًا إثر رفض الدول الأوروبية الطلب الأمريكي بالتدخل العسكري للمساعدة في فتح مضيق هرمز، ودعمها اللوجستي المحدود للعمليات العسكرية الأمريكية.
 
وفي السياق ذاته، اعتبر روجر ماكميلان، المدير الأمني السابق لقناة "إيران إنترناشيونال"، أن بريطانيا كانت "الاستثناء" في تأخرها عن هذا التصنيف، مؤكدًا أن الخطوة ستمنح الشرطة صلاحيات واسعة لملاحقة المتورطين في عمليات النفوذ الإيراني بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. 
 
وكان وزير الأمن دان جاريڤيس قد أدرج الحرس الثوري بالفعل ضمن "المستوى المعزز" لنظام تسجيل النفوذ الأجنبي، وهو ما يفرض عقوبات سجن تلقائية على أعضاء الجماعات المدرجة في حال عدم تسجيل أنشطتهم.
 
في المقابل، تبرز تحذيرات من خلف الكواليس يطلقها مسؤولون بريطانيون، تخوفًا من أن يؤدي هذا التصنيف إلى قيام طهران بإغلاق السفارة البريطانية، مما سيفقد الغرب "نقطة مراقبة" استخباراتية حيوية، كما يخشى البعض أن يؤدي تصنيف جهاز يسيطر على مفاصل البرنامج النووي إلى سدّ قنوات التواصل الضرورية في حالات الأزمات أو التحولات السياسية المستقبلية.
 
التوقيت: نفوذ الحرس الثوري الإقليمي مرشح للاستمرار
 
وفي قراءة مختلفة للتوقيت، اعتبر الدكتور خالد شنيكات أن نفوذ الحرس الثوري الإقليمي مرشح للاستمرار رغم العقوبات، إذ سبق أن واجه ضغوطًا مماثلة دون أن يتراجع عن أدواره في العراق واليمن ولبنان، وحتى سوريا في مراحل سابقة. واعتبر أن التوقيت يرتبط بمحاولة زيادة الضغط على إيران لدفعها نحو طاولة المفاوضات، بحيث قد يصبح ملف الحرس الثوري أحد أوراق التفاوض، سواء عبر المطالبة بتخفيف تصنيفه أو رفع بعض القيود عنه مقابل تنازلات إيرانية.
 
كما لفت إلى وجود مدرستين في التعامل مع إيران: الأولى ترى أن طهران تستجيب تحت الضغط، والثانية تدعو إلى تقديم حوافز. وأشار إلى أن التجربة التاريخية تُظهر أن العقوبات هي الأداة الأكثر استخدامًا، لكنها لم تُحدث تغييرًا جذريًا في سياسات إيران، ما أدى إلى حالة من الجمود في العلاقات الإيرانية–الغربية، مشيراً إلى أن الموقف البريطاني قد يُفهم أيضًا في سياق سياسي أوسع، مرتبط بإظهار التناغم مع الولايات المتحدة بعد بعض التباينات السابقة، خصوصًا فيما يتعلق بدرجة استخدام القوة مقابل العقوبات أو التفاوض، مع التأكيد على استمرار العلاقة التحالفية بين الطرفين.
 
كما أوضح شنيكات أن هذه الخطوة بالغة الأهمية لأنها تقيد قدرة الحرس الثوري على الوصول إلى الأموال وتُخضعه لمنظومة عقوبات أكثر تشددًا، ما قد يخلق تمييزًا في التعامل بين الحكومة الإيرانية الرسمية والحرس الثوري، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذا الفصل ليس سهلًا، نظرًا لكون الحرس الثوري جزءًا من بنية الدولة الإيرانية وليس كيانًا مستقلًا.
 
ومن شأن هذا القرار، وفق تقارير إعلامية، أن يضع الحرس الثوري الإيراني في خانة واحدة مع تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش"، وسيجعل من الانتماء إليه أو الترويج لشعاراته أو دعم أنشطته جريمة جنائية يُعاقب عليها القانون البريطاني بصرامة. ورغم أن هذا التحول يعكس تقديرًا سياسيًا في "وايتهول" لحجم التهديد الإيراني، فإنه يطرح تساؤلات جوهرية حول مآلاته: هل ينجح في كبح سلوك الحرس الثوري، أم سيؤدي إلى ردود فعل انتقامية وتصعيد إقليمي غير مسبوق، ويزيد من تهميش الدور الأوروبي في مفاوضات الملف النووي؟
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق