عصر الحروب المسيرة.. هل تغير "الدرونز" مستقبل تسليح الجيوش وسباق التسليح عالمياً؟

السبت، 02 مايو 2026 08:00 م
عصر الحروب المسيرة.. هل تغير "الدرونز" مستقبل تسليح الجيوش وسباق التسليح عالمياً؟
الدرونز
محمود علي

المسيرات رخيصة التكلفة تقود تحولا استراتيجيا في معادلات القوة العسكرية العالمية
 
اللواء أيمن عبد المحسن لـ"صوت الأمة": أصبحت عنصر مهم في الحروب العسكرية الحديثة.. والأسلحة التقليدية العمود الفقري لحسم المعارك والسيطرة على الأرض
 
محمود علي
 
يشهد العالم تحولات عميقة في طبيعة الحروب الحديثة، خاصة بعد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والتصعيد العسكري المرتبط بالتوترات مع إيران، هذه التحولات أعادت طرح سؤال جوهري حول مستقبل تسليح الجيوش: هل سيستمر سباق التسلح التقليدي المكلف، أم أن الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة ستغير قواعد اللعبة بشكل جذري؟..
 
Capture ملف صوت الأمة
 
في السنوات الأخيرة، برزت الطائرات المسيرة (الدرونز) كأحد أهم عناصر القوة العسكرية الحديثة، لم تعد هذه الطائرات مجرد أدوات للاستطلاع، بل أصبحت سلاحاً فعالا في تنفيذ الضربات الدقيقة، وشن هجمات استنزافية، وحتى تغيير مسار المعارك، وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا كيف يمكن لطائرات صغيرة لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات أن تدمر معدات عسكرية بملايين الدولارات، وهو ما أحدث خللاً واضحاً في معادلة الكلفة مقابل التأثير.
 
واليوم، بات مصطلح "درونز" القاسم المشترك في كافه الأخبار والتقارير الإخبارية خلال أزمة الشرق الأوسط الأخيرة والحرب الإايرانية الأمريكية وما سبقها من مواجهات المسلحة في المنطقة.
 
والطائرات المسيرة "الدرونز" هي طائرات يتم التحكم فيها عن بُعد أو تطير بشكل آلي عبر برامج حاسوبية مرتبطة بنظم تحديد المواقع (GPS) والحساسات، وأصبحت هذه الطائرات لاعباً أساسياً في النزاعات الحديثة نظراً لفعاليتها العالية وتكلفتها المنخفضة مقارنة بالطائرات التقليدية.
 
 
ويعود تاريخ الطائرات المسيرة إلى زمن بعيد، حيث بدأت كأفكار بدائية في القرن التاسع عشر وتطورت لتصبح "سلاح القرن الحادي والعشرين" بفضل القفزات التكنولوجية في أنظمة التوجيه والذكاء الاصطناعي، ومن أبرز أنواع الطائرات المسيرة، المسيرات القتالية ذات القدره على استهداف وتدمير الاغراض المعاديه، ومسيرات الاستطلاع والمراقبة وهى مخصصة لرصد تحركات العدو وجمع المعلومات الاستخباراتية وتوجيه نيران المدفعية.
 
وتوجد كذلك المسيرات الانتحارية، وهى أنظمة حديثة تنفجر عند اصطدامها بالهدف، وبالإضافه إلى ذلك توجد المسيرات المدنية والخدمية وهى تُستخدم في التصوير الجوي، فحص شبكات الكهرباء، والزراعة.
 
وتتنوع الاستخدامات والمهام الرئيسية للطائرات المسيرة ما بين الاسم الاستخدام العسكري، الاستطلاع، الهجوم، الحرب الإلكترونية عبر التشويش على الاتصالات، ونقل الإمدادات وتمنح المسيرات الدول والجيوش قدرة على توجيه ضربات دقيقة وعميقة دون تعريض حياة الطيارين للخطر، وهناك كذلك الاستخدام المدني وهو يتنوع بين الترفيه وتصوير الأفلام وصولاً إلى مهام الصيانة التقنية المعقدة.
 
وبعض الطائرات المتطورة يمكنها البقاء في الجو لمدة تصل إلى 30 ساعة والتحليق على ارتفاع 23 ألف قدم، وتبدأ أسعار بعض المسيرات من 5 آلاف دولار وتصل في الطرازات الاستراتيجية المتقدمة إلى 30 مليون دولار.
 
وتتنوع طرق التصدي للطائرات المسيره حيث يتم إسقاطها عبر الرادارات قصيرة المدى، او عبر منظومات التشويش الإلكتروني، أو أسلحة الليزر والنبضات الكهرومغناطيسية، ولخطورتها حظرت بلدان عديده في العالم استخدام الطيران المسير في الاغراض المدنيه الا وفق تصريحات وموافقات امنيه معقده، كما اعتبرتها دول اخرى اداه ذات استخدام مزدوج ووضعت شروطا مشدده لتداولها في الأسواق تجاريا .
 
اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن، المتخصص في الشأن العسكري والاستراتيجي قال لـ"صوت الأمة" أن الطائرات المسيرة أصبحت لا غنى عنها وعنصرا مهما في الحروب العسكرية الحديثة، مع اتجاه الجيوش النظامية العالمية إلى التوسع في استخدامها، لما تتميز به من قدرات استطلاعية ومراقبة لحظية دقيقة، إلى جانب تنفيذ ضربات هجومية مؤثرة، ويمكنها استهداف البنية العسكرية وإرباك الدفاعات وتقليل المخاطر البشرية، فضلا عن انخفاض تكلفتها المادية.
وأشار عبد المحسن، إلى أن الاعتماد أيضاً على الأسلحة التقليدية ضرورة في الكثير من الحروب، حيث تظل الأسلحة التقليدية بأنواعها المختلفة، سواء الطائرات المقاتلة أو الطائرات الهجومية القاصفة أو المقاتلة القاصفة أو الدبابات بأنواعها أو المدفعية أو المركبات القتالية، ذات أهمية حاسمة في الحروب، حيث تمثل هذه الأسلحة العمود الفقري في العمليات العسكرية، لأنها تستخدم دائما لحسم السيطرة على الأرض واختراق دفاعات العدو، وهو ما لا يمكن تحقيقه سواء بالضربات الجوية أو السيبرانية.
ودفع الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة في الحروب الأخيرة العديد من الدول إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الدفاعية، فبدلاً من الاعتماد الكامل على الأسلحة الثقيلة باهظة الثمن مثل الطائرات المقاتلة والدبابات، بدأت الجيوش تتجه نحو بناء منظومات قتالية متكاملة تجمع بين السلاح التقليدي والتكنولوجيا منخفضة التكلفة، ومع ذلك، لا يعني هذا نهاية سباق التسلح، بل إعادة تشكيله بصورة أكثر تعقيداً، حيث أصبح التنافس يدور حول الكفاءة الاقتصادية بقدر ما يدور حول التفوق العسكري.
وتشير تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الإنفاق العسكري العالمي لا يزال في تصاعد، ما يؤكد أن الدول لم تتخلَّ عن سباق التسلح، لكنها تعيد توجيه استثماراتها نحو مجالات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي العسكري، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، كما أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة لا تزال تخصص ميزانيات ضخمة لتطوير تقنيات الدرونز ووسائل مواجهتها، في محاولة للحفاظ على تفوقها العسكري.
وتجمع مواجهة المسيرات بين الحاجة إلى تدابير مضادة موثوقة عسكريا وفعالة من حيث التكلفة، بحيث تكون الدفاعات أرخص من أهدافها، وهذا يتضمن خيارات محتملة منها الجمع بين المدافع المضادة للطائرات وأنظمة الرادار والليزر المدمجة؛ للكشف عن الهدف وتحديده ثم تحييده.
 
ملف صوت الأمة 3
 
في هذا الإطار يقول اللواء أيمن عبد المحسن أن هذه الطائرات تقوم بمهام استراتيجية وحيوية، أبرزها الاستطلاع والمراقبة الفورية للأهداف المعادية، حيث يمكنها التحليق لفترات طويلة ورصد تحركات العدو، أي نقل صورة حية ودقيقة لمراكز القيادة والسيطرة لاتخاذ القرار، علاوة على تنفيذ ضربات دقيقة، إذ يتم تسليحها بصواريخ وقنابل موجهة لضرب أهداف محددة بدقة عالية في الإصابة، مؤكداً أنها تستخدم أيضاً في أعمال التشويش الإلكتروني على رادارات العدو، إلى جانب توجيه ضربات المدفعية على الأهداف المخططة، وهي مصممة للتحليق حول الهدف ثم الانقضاض عليه وتدميره. كما أنها أثبتت قدرتها على تغيير مسار العمليات، كونها منخفضة التكلفة مقارنة بالطائرات الحربية الأخرى مرتفعة التكلفة، فضلا عن تقليلها المخاطر البشرية لكونها تعمل بدون طيار.
في المقابل، يفرض الانتشار الواسع للطائرات المسيرة تحديات متزايدة على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، التي صممت أساسا لرصد أهداف كبيرة وسريعة مثل الطائرات والصواريخ، أما الدرونز الصغيرة، التي تحلق على ارتفاعات منخفضة وتمتلك بصمة رادارية ضعيفة، فقد أثبتت قدرتها على اختراق بعض هذه الأنظمة، كما ظهر بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية، وتشير تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن هذا التطور خلق فجوة حقيقية بين قدرات الهجوم منخفض التكلفة وأنظمة الدفاع المكلفة.
 
اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن أشار أيضاً إلى أن الطائرات المسيرة تستلزم منظومة دفاعية متعددة الطبقات تشمل التشويش الإلكتروني لقطع الاتصالات باستخدام بنادق كهرومغناطيسية وأنظمة ليزر، إلى جانب الرصد الراداري والتدمير المباشر، واستخدام الصواريخ المضادة للطائرات والشباك لاعتراض هذه الطائرات.
 
وعلى سبيل المثال، أوضح عبد المحسن أن ما حققته الطائرات المسيرة الإيرانية في الحرب ضد التحالف الأمريكي الإسرائيلي، حيث تمكنت إيران باستخدام منظومات الصواريخ والطائرات المسيرة، خاصة من طراز "شاهد"، من إحداث خسائر في الجانب الإسرائيلي أو الأمريكي، وهو ما دفع الجانب الأمريكي إلى استخدام طائرات مسيرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، قادرة على تمييز الطائرات المسيرة المعادية وتدميرها، كما تمكنت القوات الأمريكية من تدمير عدد كبير من الطائرات المسيرة الإيرانية باستخدام هذه التقنيات، وهو ما يؤكد أن هذه المنظومات أصبحت ذات ضرورة كبيرة في الحروب الحديثة.
 
ولفت إلى أن سباق التسلح يُعد أداة استراتيجية لدى الدول الكبرى والدول العظمى لتحقيق أهداف لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، وإنما تمتد إلى أهداف سياسية. ويضيف أن منظومة سباق التسلح ستستمر رغم المخاطر الكبيرة على الأمن الدولي والإقليمي، نظرا لما تحققه من إمكانية الردع الاستراتيجي، وأضاف أن الدولة التي تمتلك قدرات التصنيع العسكري وتملك منظومات تسليح تقليدية متقدمة تحقق لنفسها قدرة أكبر على الردع الاستراتيجي، وهو ما يُعد وسيلة لتفادي الحروب المباشرة مع الخصوم، حيث إن امتلاك القوة يقلل من احتمالات الصدام المباشر.
 
وأكد اللواء عبد المحسن أن سباق التسلح يهدف أيضا إلى إعادة توزيع الإنفاق العسكري بالاعتماد على التكنولوجيا، إذ في ظل توافر منظومات تسليح متقدمة بأسعار أقل نسبيا، يتم تطوير المنظومات التقليدية لتكون قادرة على مواجهة التهديدات الحديثة، ومنها الطائرات المسيرة. ويؤكد أن هذا السباق يحقق أيضا قدرا من الأمن للدولة التي تمتلك هذه القدرات الدفاعية والهجومية.
 
وفيما يتعلق بأنظمة الدفاع الجوي وتطويرها لمواجهة تهديدات الطائرات المسيرة، أشار إلى أن العالم سيستمر في تطوير أنظمة رادارية أكثر فعالية، ليس فقط لمواجهة الطائرات المسيرة، وإنما أيضا لمواجهة الصواريخ الباليستية والصواريخ فرط الصوتية.
 
أما عن مواجهة الطائرات المسيرة، فيوضح أن ذلك يتم عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تتبع الأهداف المعادية، إلى جانب استخدام الرادارات والكاميرات الحرارية وأجهزة الرؤية الليلية، وكذلك الاعتماد على تقنيات الحرب الإلكترونية الكهرومغناطيسية لتعطيل أو تدمير الطائرات في الجو، بالإضافة إلى أنظمة كشف كهروبصرية متطورة.
 
ملف صوت الأمة 2
 
وردّاً على ذلك، تتجه الجيوش إلى تطوير دفاعات متعددة الطبقات، تشمل رادارات قصيرة المدى، وأنظمة استشعار متقدمة، وحلول الحرب الإلكترونية للتشويش، إلى جانب وسائل اعتراض جديدة مثل الدرونز الاعتراضية والأسلحة الليزرية، غير أن التحدي لا يقتصر على الفاعلية العسكرية فقط، بل يمتد إلى الكلفة؛ إذ إن مواجهة المسيّرات تتطلب حلولاً تكون أقل تكلفة من الأهداف نفسها، لذلك، يجري التركيز على دمج المدافع المضادة للطائرات مع أنظمة الرادار والليزر في منظومات متكاملة قادرة على اكتشاف الهدف وتتبعه ثم تحييده بكفاءة اقتصادية.
 
ويضيف الخبير العسكري والاستراتيجي في حديثه لصوت الامة في هذا السياق أن الدولة المصرية تمتلك قدرات وإمكانات لإنتاج منظومات تسليح متقدمة، سواء للأنظمة المأهولة أو المسيرة، وهو ما ظهر في المعارض العسكرية، ومنها معرض "إيديكس" الأخير، الذي عُرضت فيه نماذج متقدمة من هذه الأنظمة.
وأكد عبد المحسن، أن مستقبل الحروب في استخدام الأسلحة التقليدية يكمن في دمجها مع التكنولوجيا الحديثة، مثل الطائرات المسيرة الذكية وأنظمة التوجيه الدقيقة والذكاء الاصطناعي، بما يرفع من كفاءة وفعالية المقاتلين ويمنح الأسلحة التقليدية قيمة إضافية في ميدان القتال.
 
ويضيف أن هذا التطور التكنولوجي لا يعني بأي حال اختفاء الأسلحة التقليدية، وإنما يشير إلى ضرورة تحديثها وتطويرها باستمرار لتواكب منظومات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، بما يضمن بقاءها فعالة داخل ساحات القتال المستقبلية، كما يوضح أن هذا الدمج بين التقليدي والتكنولوجي يجعل العمليات العسكرية أكثر دقة ومرونة، ويُسهم في تحسين القدرة على اتخاذ القرار وسرعة الاستجابة، وهو ما يعزز من فاعلية الجيوش في الحروب الحديثة والمستقبلية.
 
ورغم هذا التطور، لا تزال معركة الرادار ضد الدرون مفتوحة، في ظل تسارع الابتكار في هذا المجال، والأهم أن هذه الظاهرة تعكس تحولاً أوسع نحو ما يمكن تسميته “اقتصاد الاستنزاف العسكري”، حيث لم يعد التفوق مرهوناً بامتلاك السلاح الأغلى، بل بالقدرة على الاستمرار في القتال بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على الدول التي تفتقر إلى قاعدة صناعية عسكرية مستدامة.
 
يؤكد اللواء عبد المحسن أن اقتصاد الحرب منخفض التكلفة يُدار في إطار الصراعات والنزاعات المستمرة وليست الشاملة، حيث يتم فيه استغلال أعمال العنف لإدارة واستنزاف الموارد الاقتصادية للدول، مضيفاً أن اقتصاد الحرب الشامل، والذي يعتمد عليه الاقتصاد العسكري التقليدي، يقوم على تعبئة موارد الدولة بالكامل لصالح المجهود الحربي، بمعنى إعداد الدولة للحرب وفقا للمصطلح العسكري، من خلال تعبئة كل الموارد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لصالح الدولة في حالة التهديد أو في حالة نشوب حروب تهدد الأمن القومي للدول.
 
ويبدو من هذا المشهد أن سباق التسلح لن يتوقف، لكنه يتغير جذرياً، فالمستقبل لن يكون حكراً على الأسلحة الأغلى، بل على الأنظمة الأكثر ذكاءً وتكاملاً، والقادرة على تحقيق أكبر تأثير بأقل تكلفة. وبينما تظل الطائرات المسيّرة لاعباً رئيسياً في هذا التحول، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية التكيف مع هذا الواقع الجديد.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة