غزة في ظلال الحرب الإيرانية.. هل نجح نتانياهو في تشتيت الانتباه العالمى عن القضية الفلسطينية؟
السبت، 02 مايو 2026 10:00 م
الوضع الإنساني في غزة
هانم التمساح
الحكومة الإسرائيلية حاولت استغلال التوترات الإقليمية لفرض سيطرتها على القطاع والضفة
الدبلوماسية المصرية وقفت حائط صد أخير وأفشلت المحاولات الإسرائيلية لإعادة رسم خريطة المنطقة على حساب حقوق الفلسطينيين
بينما تتجه أنظار العالم صوب مضيق هرمز ولغة الصواريخ المتبادلة في الصراع الإيراني - الإقليمي، يقبع قطاع غزة في "منطقة ظل" إعلامية ودبلوماسية خطيرة، وفيما تنشغل القوى الكبرى بتأمين سلاسل التوريد وأزمات الطاقة، تقف الدولة المصرية كحائط صد أخير، محذرة من أن هذا "التشتت الدولي" قد يكون الصاعق الذي يفجر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية بشكل لا يمكن احتواؤه.
ولم يعد التحرك المصري مجرد وساطة لتهدئة عسكرية، بل تحول إلى معركة تثبيت وجود، فى وقت يستغل الاحتلال الإسرائيلى التوتر الإقليمي الحالي لإعادة رسم خريطة المنطقة على حساب الحقوق الفلسطينية.
الرئيس عبد الفتاح السيسي، في لقاءاته الدولية الأخيرة، وضع النقاط على الحروف بوضوح: "أمن الشرق الأوسط وحدة واحدة لا تتجزأ"، فمصر ترفض المساس بسيادة أي دولة عربية، وفي الوقت ذاته تحذر من أن أي محاولة لتهجير الفلسطينيين أو فرض واقع سياسي جديد في غزة تحت غطاء الانشغال بملف إيران ستقابل برفض مصري قاطع.
وفي الوقت الذي برزت فيه رؤية دولية مدعومة أممياً لإنشاء "مجلس سلام" يتولى إدارة انتقالية لغزة، تبرز فجوة عميقة بين أحلام الإعمار وواقع التوتر المرير مع عقد التمويل والسيادة، وبينما تطرح قوى دولية صيغة "المنطقة الاقتصادية النشطة" لضمان استقرار طويل الأمد، يشدد الجانب الفلسطيني –بدعم مصري– على أن الإعمار بلا "أفق سياسي" ودولة مستقلة هو بناء على الرمال.
وتسعى مصر جاهدة لتحويل الهدنة الهشة إلى قاعدة صلبة، مع الضغط لتنفيذ بنود خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب، وابدء في إعمار القطاع، رغم انشغال الوسطاء الدوليين بتخفيف التوتر بين طهران وواشنطن.
وتضع التقارير الدولية غزة في "أقرب نقطة" لاتفاق شامل، لكن الواقع على الأرض يتحدث لغة أخرى. فمع تراجع التغطية الإعلامية وانخفاض تمويل "الأونروا"، يعيش القطاع مأساة صامتة ،وأزمة كبيرة فى الخدمات و نقص حاد في الدعم الطبي والتعليمي ،مع توترات حدودية وواقع أليم من الهدم والنزوح في الضفة والقدس بعيداً عن الكاميرات.
وحذرت مصر من نفاذ المساعدات الإنسانية، مؤكدة أن استمرار الحصار سيؤدي حتماً إلى انفجار لن تستطيع أي قوى إقليمية احتواء تداعياته.
ورغم الأعباء الاقتصادية الثقيلة التي تفرضها الأزمات الإقليمية على كاهل الدولة المصرية، إلا أن بوصلة القاهرة لم تحِد عن القضية المركزية، مؤكدة إن الموقف المصري المشهود في المنظمات الدولية يرتكز على حقيقة واحدة لا أمن إقليمي عبر "غطرسة القوة" أو الحروب الأهلية، بل عبر الاعتراف بحقوق 1967.
وبينما يشتت تدافع الصواريخ والانتباه الاعلامى العالمي معا، تبقى مصر هي "البوصلة" التي تذكر العالم بأن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من غزة وينتهي بها، وأن تجاهل المأساة الإنسانية هناك لصالح صراعات القوى الكبرى هو مقامرة بأمن المنطقة بأسرها.
ويمر ملف غزة بمرحلة مفصلية تتأرجح بين آمال الإعمار وواقع التوتر المستمر، وتعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من "التدافع السياسي" حيث تتداخل لغة الصواريخ مع لغة الدبلوماسية، مما يجعل الحفاظ على توازن العلاقات اختبارا صعبا يعقد مسألة التكاتف من أجل إنهاء الظروف المأساوية في قطاع غزة، خاصة وأن الظروف الإنسانية تسوء يوما بعد يوم مع وجود ازمة تمويل للاونروا مما ألقى بظلاله على الدعم المقدم تعليميا وطبياً.
وخلال لقاءاته شدد الرئيس السيسي على إن منطقة الشرق الأوسط؛ تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعى مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى أيديولوجية متطرفة.
وترى مصر؛ أن الطريق الأمثل لمستقبل هذه المنطقة، لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام لتحقيق الاستقرار، وهو السبيل الوحيد؛ كى يعم الخير على الجميع، ولم تدع مصر فرصة ولا محفلا دبلوماسيا إلا وأكدت خلاله على ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلى والحروب الأهلية والدولية، مؤكدة أن الحلول السياسية والمفاوضات، هى السبيل الأمثل، لتجنيب المنطقة مزيدا من الكوارث والدماء والدمار.
وجاءت مواقف مصر مشهودة وواضحة دون مواربة أو مهادنة، لدعم الحق العربى أمام المنظمات الدولية، وتصر مصر على أهمية التطبيق الكامل، للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفورى فى إعادة إعمار القطاع، رافضة أي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أى ظرف كان وضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية، حماية حقوقهم.
على الجهة الأخرى، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأزمة الأعمق في تاريخه السياسي مع اقتراب انتخابات أكتوبر 2026، فبينما كان يراهن على "الحرب الشاملة" لتصدير أزماته الداخلية وتثبيت صورته كـسيد الأمن، جاءت اتفاقات وقف إطلاق النار الأخيرة مع إيران ولبنان، لتكشف عجزاً استراتيجياً وضع حكومته في مهب الريح، وفي لحظة فارقة يتقاطع فيها انشغال المجتمع الدولي بتداعيات الحرب الإيرانية وأزمة مضيق هرمز، يبدو أن نتنياهو قد وجد في حالة الضبابية الإقليمية فرصة أخيرة لمحاولة فرض معادلات ميدانية جديدة. وهي محاولة يراها مراقبون "رقصة الموت الأخيرة" لزعيم سياسي يحاول الهروب من استحقاقات الفشل العسكري في إيران وسخط الشارع الإسرائيلي مع اقتراب انتخابات أكتوبر.
وحين أعلن نتنياهو بدء العمليات العسكرية ضد إيران في فبراير الماضي، وضع سقفاً مرتفعاً للأهداف أولها إضعاف الجيش الإيراني، تدمير البرنامج النووي، والإطاحة بالنظام، إلا أن ميزان الحسابات في نهاية أبريل 2026 يظهر خيبة أمل كبرى، فحتى الآن لم تُهزم إيران، ولا يزال حزب الله وحماس يمارسان فاعليتهما الميدانية والسياسية، وهو ما وصفه المعلق العسكري "يواف ليمور" بفشل إسرائيل في تحقيق نصر حاسم بعد نحو 925 يوماً من القتال المستمر منذ 7 أكتوبر.
كما يرى 64% من الإسرائيليين أن نتنياهو خضع لإملاءات واشنطن (إدارة ترامب) في قبول الهدنة، مما حوله من "قائد للقرار" إلى "منفذ للرغبات الأمريكية". وفي غزة، يمر اليوم الـ 200 على اتفاق وقف إطلاق النار ليثبت لنتنياهو أن "الحرب الصامتة" لم تجلب الأمن أيضا رغم سيطرة الاحتلال على 58% من مساحة القطاع عسكرياً، إلا أن خروقات الهدنة التي بلغت 3 آلاف خرق لم تنجح في إنهاء المقاومة.
وتزامناً مع أزمة نتنياهو، جاءت حملة الاعتقالات والتحقيقات الميدانية في نابلس وبيت لحم لتؤكد أن القبضة الأمنية تزيد من اشتعال الجبهة الداخلية الفلسطينية بدلاً من تهدئتها.
ويُعد وقف إطلاق النار مع لبنان الضربة القاضية لشعبية نتنياهو في الشمال. فالمستوطنون الذين انتظروا "سحق حزب الله" وجدوا أنفسهم أمام "هدنة قلقة" وبقاء لقوات الحزب بالقرب من الحدود ،و الاحتجاجات في "كريات شمونة" والمطالبة بشخص "لا يدفننا" تعكس تحولاً في القواعد الانتخابية لليمين التي بدأت تنفض من حول نتنياهو لصالح تحالف (بينيت - لابيد).
وبمجرد أن هدأت أصوات الحرب الإيرانية الامريكية قليلا، جاء الإعلان الفرنسي عن دعم "صندوق الأفق" لإعادة إعمار فلسطين بمشاركة السلطة الفلسطينية، ليمثل صفعة ديبلوماسية لنتنياهو. هذا التحرك الدولي يعني الإقرار بفشل سياسة "المحو" الإسرائيلية، وفرض واقع سياسي يقوم على إعادة الإعمار والاعتراف بوحدة الأراضي الفلسطينية، وهو ما ينسف أحلام اليمين المتطرف في ضم أجزاء من غزة أو الضفة.
وبالرغم من العربدة الاسرائيلية فى قطاع غزة والجنوب اللبنانى بل واستهداف مناطق فى سوريا مستغلا توجه كاميرات الاعلام العالمى، إلا أن وقف الحرب لم يكن في صالح نتنياهو بتاتاً؛ فالحرب كانت "الغطاء" الذي يحتمي به من المحاكمات ومن صعود المعارضة. واليوم، مع صمت المدافع جزئياً، بدأت تظهر فجوات الفشل، فأمنياً لم يتحقق الأمن الدائم، وسياسياً تراجعت الثقة الشعبية لدرجة غير مسبوقة، ودبلوماسياً عاد الملف الفلسطيني للواجهة الدولية عبر "صندوق الأفق" ومجلس السلام، وفوق كل ذلك بدأت الأصوات الدولية التى تأتى مصر على رأسها تعلو للمطالبة بالإلتفات لغزة وإعادة غعمارها والتحذير من التوسع الاستيطانى فى الضفة وجنوب لبنان .
ونتنياهو اليوم هو الخاسر الأكبر من الهدوء؛ فكل يوم يمر دون قصف، هو يوم يقترب فيه الناخب الإسرائيلي من صناديق الاقتراع لمحاسبته على وعود النصر التي لم تتحقق ، لذا تظل تحريضات نتنياهو متواصلة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب وجره نحو استئناف الحرب فى إيران ، مع تشدد الجانب الإيرانى فى القبول بأى تنازلات من أجل السلام خاصة بعد فقد النظام الإيرانى لعدد كبير من رموز الثورة وقياداتها التاريخية وإمساك العسكريين فى الحرس الثورى ومقر خاتم المرسلين زمام الأمور .