44 عاماً على تحرير سيناء.. الاحتفال بطعم البناء والتنمية والتعمير

السبت، 02 مايو 2026 07:48 م
44 عاماً على تحرير سيناء.. الاحتفال بطعم البناء والتنمية والتعمير
أحمد سامي

 

975 مشروع بتكلفة 638 مليار جنية على أرض الفيروز في 12 عاماً

721 ألف فدان جاهزة للزراعة.. وتنفيذ 1124 منزلًا بدويًا و18 تجمعًا تنمويًا زراعيًا تضم 1145 منزلًا

لم تعد سيناء اليوم مجرد اسم مرتبط بصفحات الحرب والتحرير في الذاكرة الوطنية، بل أصبحت واقعًا حيًا يتغير أمام الأعين، وتتشكل ملامحه على أرض تمتد فيها المشروعات، وتتوسع فيها المدن، وتُعاد صياغة علاقة الإنسان بالمكان، ففي الوقت الذي يواصل فيه التاريخ حضوره كجزء أصيل من الهوية، يظهر جيل جديد لم يعش لحظات الصراع ولا تفاصيل استعادة الأرض، لكنه يعيش نتائجها المباشرة في صورة تنمية ممتدة وبنية تحتية متطورة ومسارات حياة مختلفة عما عرفته الأجيال السابقة.

هذا التحول العميق لا يعكس فقط تغيرًا في شكل الإقليم، بل يكشف عن انتقال أكبر في طريقة فهم سيناء داخل المجتمع المصري، من كونها رمزًا للمعركة والسيادة إلى كونها مساحة للبناء والفرص وإعادة تشكيل المستقبل، وفي قلب هذا التحول يقف جيل "سيناء الجديدة"، الذي لا ينظر إلى الأرض من زاوية الماضي، بل من زاوية ما يمكن أن تصبح عليه في الغد.

والأسبوع الماضى، في كلمته بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسى، إن "سيناء ليست مجرد رقعة جغرافية من أرض الوطن، بل هى بوابته الحصينة، التى ارتوت بدماء الشهداء، وتزينت بصمود الأبطال؛ لتشهد أن الشعب المصري العظيم قادر على صنع المعجزات، وأن جيشه الباسل هو الدرع والسيف، يحرر الأرض بالأمس ويصونها اليوم ويظل قادرا على ردع كل من تسول له نفسه الاقتراب من مصر أو المساس بأمنها القومي".

وأضاف الرئيس السيسى: إن معركة الأمس، التي خاضها المصريون بالسلاح والدماء والفكر، امتدت اليوم إلى معركة البناء والتنمية، فكما استعدنا الأرض بالتضحيات؛ فإننا نصونها ونشيدها بالعرق والعمل، وقد اختارت الدولة المصرية، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته مصر والمنطقة، من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير".

 

سيناء رمز للصمود والكرامة

وتشكل سيناء في الوعي المصري الحديث أكثر من مجرد أرض جغرافية؛ فهي تمثل رمزًا للصمود والكرامة والسيادة، ومنذ لحظة فقدانها في عام 1967، أصبح استردادها قضية وطنية جامعة، توحدت حولها الدولة والمجتمع بكل مؤسساته، وساهمت حرب أكتوبر 1973 في إعادة تشكيل هذا الوعي بشكل حاسم، حيث لم يكن الانتصار العسكري مجرد استعادة لأرض، بل كان استعادة لثقة أمة في قدرتها على الفعل والتغيير، ومع استمرار المسار السياسي والدبلوماسي، اكتمل استرداد سيناء بالكامل، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقة بين الدولة وهذه الأرض.

وتزامن الاحتفال بذكرى تحرير سيناء الـ44 هذا العام، مع مواصلة الدولة جهودها لترسيخ معاني النصر عبر معركة جديدة عنوانها التنمية الشاملة، حيث تحولت شبه الجزيرة إلى ورشة عمل مفتوحة تضم مشروعات قومية عملاقة تستهدف تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الأمن القومي، وخلال الفترة من 2014 – 2026 بلغ إجمالي المشروعات التي تم تنفيذها بشبه جزيرة سيناء، 975 مشروعا بتكلفة استثمارية وصلت إلى 638 مليار جنيه، من خلال عدد من المحاور تشمل: محور تحسين معيشة أهالي سيناء ( التعليم قبل الجامعي ـ التعليم العالي ـ الرعاية الصحية ـ الشباب والرياضة ـ الخدمات التموينية ـ قطاع الثقافة ـ خدمات البريد)، ومحور التأسيس لمجتمعات جديدة ( التنمية الزراعية ـ الثروة السمكية ـ التنمية العمرانية ـ التنمية الصناعية)، كما تشمل المشروعات محور تهيئة البيئة الجاذبة للاستثمار، بما يتضمنه من (الربط البري والدولي ـ مياه الشرب والصرف الصحي ـ قطاع الكهرباء ـ قطاع البترول والغاز الطبيعي ـ الاتصالات).

كما خصصت الحكومة نحو 35 مليار جنيه استثمارات عامة لمحافظتي شمال وجنوب سيناء خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027، بواقع 25 مليار جنيه لشمال سيناء و10 مليارات جنيه لجنوب سيناء، مع تركيز واضح على مشروعات التنمية البشرية بنسبة 59%، والبنية الأساسية بنسبة 41%.

وفي العام المالي 2023/2024 وحده، بلغ حجم الاستثمارات الموجهة لسيناء ومدن القناة نحو 58.8 مليار جنيه، ما يؤكد تصدر المنطقة لأولويات الدولة ضمن خطط التنمية الشاملة.

وشهدت سيناء طفرة غير مسبوقة في مشروعات البنية التحتية، شملت تنفيذ شبكات طرق بطول 3,806 كم بتكلفة بلغت نحو 5 مليارات جنيه، إلى جانب مشروعات مياه وصرف صحي تتجاوز تكلفتها 4.6 مليار جنيه، كما ساهمت الأنفاق أسفل قناة السويس في ربط سيناء بوادي النيل، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، إلى جانب تطوير المطارات وعلى رأسها العريش وسانت كاترين وطابا.

وشهد القطاع الصناعي طفرة ملحوظة في حجم الاستثمارات، بالتوازي مع توسع زراعي كبير وصلت مساحاته إلى نحو 285 ألف فدان في 2024، بما يدعم الأمن الغذائي ويعزز من فرص التنمية المستدامة في المنطقة.

وتتضمن خطط التنمية تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى، أبرزها مشروع "التجلي الأعظم" في سانت كاترين بتكلفة تقارب 22 مليار جنيه، إلى جانب تطوير ميناء العريش، وإنشاء مدن جديدة مثل رفح الجديدة، بما يعزز من جذب الاستثمارات وتوطين السكان، كما تم تخصيص نحو 25.6 مليار جنيه لتطوير قطاع التعليم العالي والجامعات في سيناء ومدن القناة، بما يدعم بناء الإنسان وتأهيل الكوادر المحلية، كما ركزت الدولة على إنشاء تجمعات سكنية متكاملة مزودة بكافة الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وتعليم ورعاية صحية، بهدف تحقيق الاستقرار السكاني وتوفير حياة كريمة للمواطنين.

من جانبه قال اللواء وائل مصطفى رئيس جهاز تعمير سيناء، إن جهود الدولة شملت بالتوازي مع القضاء على الإرهاب تنفيذ مشروعات تنموية عملاقة وغير مسبوقة في مختلف القطاعات داخل سيناء، بما يعكس إرادة حقيقية لتحقيق التنمية الشاملة بالمنطقة، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى من الخطة شهدت تنفيذ نحو 700 كيلومتر من الطرق الجديدة، لربط التجمعات التنموية، ومن بينها طرق خشم القاض، والدفيدف، والكيلو 61، وأم مفروس، والرملة (1 و2)، إلى جانب توصيل الكهرباء للمناطق المحرومة.

وفيما يتعلق بقطاع الإسكان، نوه رئيس جهاز تعمير سيناء إلى تنفيذ أكثر من 1124 منزلًا بدويًا، بالإضافة إلى أكثر من 700 وحدة سكنية في شمال وجنوب سيناء، فضلًا عن إنشاء 18 تجمعًا تنمويًا زراعيًا تضم 1145 منزلًا، مع استصلاح نحو 10,400 فدان، وتوفير المرافق والخدمات اللازمة، موضحاً أن المرحلة التالية شهدت تنفيذ 946 منزلًا بدويًا متكامل المرافق، إلى جانب إنشاء أربع قرى للصيادين في منطقة أغزوان بمدينة بئر العبد، بإجمالي 200 منزل بدوي، كما لفت إلى أنه في إطار الخطة الاستراتيجية للمرحلة الثانية، التي تم الإعلان عنها عام 2023، يجري تنفيذ 17 تجمعًا تنمويًا حضريًا، مشيرًا إلى تفقد رئيس مجلس الوزراء لهذه المشروعات في 19 أبريل الجاري.

وأوضح اللواء وائل مصطفى أن العمل يجري حاليًا على تنفيذ أربعة تجمعات تنموية حضارية بإجمالي 6047 منزلًا بدويًا، مزودة بكافة الخدمات الأساسية من مدارس تعليم أساسي، ومعاهد أزهرية، ومكاتب تموين، ووحدات صحية وزراعية وغيرها، مؤكدًا أن هذه التجمعات تستوعب نحو 1296 نسمة، مع إتاحة إمكانية التوسع الرأسي للمنازل، مشيراً إلى أن الدولة نجحت في مد جسور التنمية بين سيناء وباقي محافظات الجمهورية من خلال إنشاء أنفاق قناة السويس، إلى جانب سبعة كباري عائمة، بما يسهم في تعزيز حركة الاستثمار والتجارة.

وأكد الدكتور عماد عوض، المنسق العام لمشروع التجمعات الزراعية بسيناء، أن السنوات العشر الأخيرة شهدت طفرة غير مسبوقة في تنفيذ المشروعات التنموية بسيناء، بدعم من القيادة السياسية وتوجيهات الرئيس السيسي، لافتًا إلى أن رؤية الدولة خلال مواجهة الإرهاب قامت على تحقيق التوازن بين القضاء عليه والانطلاق في مسار التنمية المستدامة، مشيراً إلى أن العمل في سيناء تم بشكل تكاملي بين مؤسسات الدولة، حيث جرى التعاون مع القوات المسلحة والشرطة المصرية في تنفيذ دراسات حصر وتصنيف الأراضي، إلى جانب إنشاء الطرق والمحاور والمعابر، بما يدعم جهود التنمية الشاملة.

وفيما يتعلق بالقطاع الزراعي، أوضح عوض أن وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي وضعت خطة متكاملة تتماشى مع رؤية مصر 2030، وكشف أن الدراسات التي أُجريت على أكثر من مليون فدان في سيناء أسفرت عن تحديد نحو 721 ألف فدان صالحة وجاهزة للزراعة، تم إدراجها ضمن الرقعة الزراعية، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في استغلال الموارد الطبيعية بالمنطقة.

وقال عوض إن الدولة نفذت 456 مشروعًا تنمويًا في وسط وشمال سيناء، تم من خلالها إدخال 456 ألف فدان إلى الخدمة، بالإضافة إلى 11 ألف فدان ضمن مشروعات التجمعات الزراعية، مشيرًا إلى أن هذه الجهود بدأت تؤتي ثمارها بالفعل من خلال إنتاج محاصيل استراتيجية مثل القمح والشعير، إلى جانب ظهور بوادر إنتاج الزيتون، لافتاً إلى أنه تم بدء دراسة وتجهيز 267 فدانًا جديدة تمهيدًا لإدخالها الخدمة قريبًا، في إطار التوسع المستمر في الرقعة الزراعية.

وأوضح المنسق العام لمشروع التجمعات الزراعية بسيناء أنه تم إنشاء ثلاثة مراكز للخدمات التنموية المتكاملة لخدمة المزارعين، جرى افتتاح مركزين منها، على أن يتم افتتاح المركز الثالث خلال شهر أو شهرين، لتقديم حزمة متكاملة من الخدمات الزراعية والدعم الفني لأهالي سيناء.

 

الشباب وسوق العمل في "سيناء الجديدة"

على المستوى الاقتصادي، بدأت ملامح تغير تدريجي تظهر داخل سوق العمل في سيناء، مع توسع المشروعات القومية في مجالات الزراعة والبناء والطرق والخدمات. هذا التوسع أتاح فرص عمل جديدة، خاصة في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية والمشروعات التنموية، إلا أن المنطقة لا تزال تواجه تحديات تتعلق بتنوع الاقتصاد المحلي وغياب بعض الصناعات المتقدمة.

ورغم ذلك، تشير المؤشرات الاجتماعية إلى تغير في سلوك الشباب، حيث أصبح هناك ميل متزايد نحو العمل الحر والمشروعات الصغيرة بدلًا من الاعتماد الكامل على الوظائف الحكومية أو التقليدية، وهو ما يعكس بداية تحول في الثقافة الاقتصادية داخل الإقليم.

وتُعد سيناء واحدة من أغنى بقاع مصر بالمقومات السياحية الفريدة، حيث تمتزج الطبيعة الخلابة بالتاريخ العريق والتنوع الثقافي في لوحة نادرة قلّما تتكرر، ومع الطفرة التنموية الكبيرة التي تشهدها المنطقة في البنية التحتية والطرق والمطارات والموانئ، تتعزز فرص تحويل سيناء إلى أحد أهم المقاصد السياحية في الشرق الأوسط، كما تتميز سيناء بتنوع أنماط السياحة؛ فهناك السياحة الشاطئية في مدن مثل شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا، حيث المياه الفيروزية والشعاب المرجانية النادرة التي تجذب هواة الغوص من مختلف دول العالم.

وتزدهر السياحة البيئية وسياحة السفاري في مناطق الجبال والوديان، خاصة حول جبل سانت كاترين ومحمية سانت كاترين، التي تُعد من أهم المحميات الطبيعية بما تضمه من تنوع نباتي وحيواني فريد.

كما تحتضن سيناء مواقع دينية ذات قيمة عالمية، أبرزها دير سانت كاترين، أحد أقدم الأديرة العاملة في العالم، وجبل موسى الذي يقصده الزوار من مختلف الجنسيات، وكذلك تمتلك سجلًا تاريخيًا عسكريًا ووطنيًا مهمًا، يجعلها مقصدًا لسياحة الذاكرة الوطنية، خاصة مع الفعاليات والزيارات المرتبطة بذكرى تحريرها.

وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية، يبرز ما يُعرف بـ"الاقتصاد الأزرق" كأحد أهم مسارات النمو المستقبلية، وهو الاقتصاد القائم على استغلال الموارد البحرية والساحلية بشكل مستدام، حيث تتمتع سيناء بمقومات كبيرة تؤهلها لتكون مركزًا محوريًا في هذا المجال، بفضل امتداد سواحلها على البحرين الأحمر والمتوسط، وما يتيحه ذلك من فرص في مجالات متعددة مثل الصيد البحري، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، كما تمتلك إمكانيات واعدة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما يجعلها مؤهلة لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة في المستقبل.

ويمثل هذا التوجه تحولًا استراتيجيًا مهمًا، لأنه يربط بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية، بما يضمن تحقيق التوازن بين الحاضر والمستقبل.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة