مفكك جماعة المرشد.. مختار نوح.. من ظلام الإرهابية إلى نور الوطن

السبت، 02 مايو 2026 10:36 م
مفكك جماعة المرشد.. مختار نوح.. من ظلام الإرهابية إلى نور الوطن
محمد الشرقاوي

 

رحلة رجل كشف المستور وفضح تكتيكات التنظيم الخاص وعمليات الإخوان الإرهابية

حامل الإسرار الإخوانية انحاز للحقيقة وأزاح خيوط العنكبوت وفضح مؤامراته وهدم المعبد على أعضاء الجماعة

 

التاريخ لا ينسى، وكذلك الأوطان؛ تحفظ في ذاكرتها من انتصر لها فكرًا وقلمًا، من وقف إلى جوارها في لحظات الانكسار، وشاركها لحظات الانتصار، حتى وإن غيّبه الموت، يبقى له من أثره ما يشهد أنه انحاز للحقيقة.

في فجر التاسع والعشرين من أبريل، غيّب الموت مختار نوح، المحامي والمفكر الذي برز اسمه كأحد أبرز من حاولوا تفكيك بنية الجماعات المتطرفة في مصر، لينطفئ صوتٌ ظل لسنوات يقدم رواية من الداخل، ويشتبك مع واحدة من أكثر الظواهر تعقيدًا في المجالين السياسي والدعوي.

فالرجل الذي بدأ رحلته من داخل جماعة الإخوان الإرهابية، مؤمنًا بخطابها الإصلاحي، انتهى إلى موقعٍ مغاير تمامًا؛ تحوّل من فاعل داخل التنظيم إلى شاهدٍ عليه، ومن حاملٍ لفكر الجماعة إلى ناقدٍ يسعى لتفكيك بنيتها وكشف آليات عملها.

ولم يكن هذا التحول انتقالًا عابرًا أو موقفًا طارئًا، بل مسارًا ممتدًا تشكّل عبر الاحتكاك المباشر، والتجربة النقابية، والصدام مع الواقع التنظيمي، وصولًا إلى مراجعة فكرية أعادت ترتيب قناعاته من جذورها.

وبين الانخراط والانفصال، تشكّلت لدى نوح سرديته الخاصة؛ سردية لا تستند إلى التحليل المجرد بقدر ما تنبع من المعايشة، وهو ما منح شهادته وزنًا مختلفًا، بوصفها شهادة من الداخل لا قراءة من الخارج.

من هنا، لا تُقرأ هذه الكلمات بوصفها تأبينًا تقليديًا، بقدر ما هي محاولة لإعادة تركيب مسار رجل تحرك بين متناقضين: الانتماء والنقد، التنظيم والتفكيك، الإيمان بالفكرة ثم مساءلتها، وبين هذين الموقعين، تتشكل سيرته باعتبارها جزءً من قصة أكبر: قصة الإسلام السياسي في مصر، بكل ما تحمله من تعقيدات وتحولات وصراعات ممتدة.

كيف تَشَكَّل موقع مختار نوح داخل جماعة الإخوان؟

لم يدخل المفكر الراحل إلى جماعة الإخوان عبر مسار تنظيمي تقليدي، بل بدأ من موقع الاقتناع بفكرة الإسلام السياسي، التي رآها في مطلع الثمانينيات مشروعًا إصلاحيًا قادرًا على إعادة صياغة المجال العام، ومع التحاقه بنقابة المحاميني عام 1984، انتقل هذا الاقتناع من كونه تصورًا فكريًا إلى مسار عملي، فتح له باب الاحتكاك المباشر بالدوائر المرتبطة بالجماعة، حيث شكّل تعرّفه على عمر التلمساني نقطة التحول في هذا المسار، حيث اعتبره- وفق روايته- بوابة الدخول إلى عالم الإخوان، ولم يكن هذا التعرف مجرد صلة شخصية، بل جاء في سياق مرحلة سعت فيها قيادة الجماعة إلى استيعاب وجوه جديدة، ضمن محاولة لإعادة ترتيب بنيتها الداخلية، في ظل صراع ممتد بين جيلٍ صاعد يطرح مقاربات أكثر انفتاحًا، وبنية تقليدية أكثر التصاقًا بفكرة "التنظيم الخاص".

في هذا السياق، جاء تموضع نوح داخل الجماعة أقرب إلى دائرة التأثير منه إلى الهامش، حيث ارتبط اسمه بجيلٍ شاب ضم شخصيات مثل عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح وحلمي الجزار، وهو الجيل الذي استُدعي للمساهمة في موازنة النفوذ داخل التنظيم، دون أن يعني ذلك تجاوز البنية الصلبة التي ظلت حاكمة لمساراته.

ولم يكن هذا التموضع تنظيريًا، بل تداخل مع مسار عملي داخل نقابة المحامين، التي تحولت في تلك المرحلة إلى إحدى أهم ساحات حضور جماعة الإخوان، فمن خلالها، بدأ نوح يقترب من آليات العمل التنظيمي، وشبكات التأثير، وأنماط الحشد والتعبئة، بما أتاح له موقعًا يتجاوز حدود الانتماء، إلى المشاركة الفعلية في تمدد التيار الإسلامي داخل المجال المهني.

ومنح هذا التداخل بين النقابي والتنظيمي تجربته خصوصية مزدوجة؛ فهو لم يكتفِ بالاقتراب من الجماعة على مستوى الفكرة، بل شارك في إحدى أهم لحظات صعودها داخل المجتمع، بما يفسر لاحقًا طبيعة قراءته النقدية، التي لم تنطلق من خارج التجربة، بل من داخلها، بعد أن خبر بنيتها، ولامس حدودها، واقترب من توازناتها الداخلية.

وهكذا تشكّل موقع مختار نوح داخل جماعة الإخوان: من قناعة فكرية، إلى انخراط تدريجي، ثم إلى تموضع داخل دائرة الفعل، قبل أن تبدأ لاحقًا رحلة مختلفة، تنطلق من الموقع ذاته، ولكن في اتجاه معاكس.

 

من الجماعة إلى قلب نقابة المحامين

لم تكن نقابة المحامين في تجربة مختار نوح مجرد مساحة مهنية، بل تحولت في النصف الثاني من الثمانينيات إلى منصة رئيسية لتمدد التيار الإسلامي داخل المجال العام، وفي هذا السياق، اتخذ مسار "نوح" داخل النقابة طابعًا تصاعديًا، انتقل فيه من حضور مبكر إلى فاعلية تنظيمية قادرة على الحشد والتأثير.

بدأ هذا المسار بانتخابه عضوًا بمجلس النقابة عام 1985، ليكون من بين أصغر الأعضاء سنًا، في مؤشر على قدرة مبكرة على اختراق بنية التمثيل المهني، ثم كشفت انتخابات 1989 عن اتساع هذا الحضور؛ فرغم انسحابه بعد الترشح، انتُخب من القاعدة النقابية قبل أن يتمسك باعتذاره عن عدم شغل المقعد، في واقعة تعكس وزنًا انتخابيًا داخل شبكة أوسع من التأييد.

وبلغت عملية التمكين ذروتها في انتخابات 1992، التي شكّلت أول حضور منظم واسع للتيار الإسلامي داخل مجلس النقابة، وفي تلك اللحظة، أعاد نوح بناء اصطفافاته اعتمادًا على لجنة الشريعة الإسلامية التي ساهم في تشكيلها بوصفها بنية تنظيمية وسيطة بين القاعدة المهنية والقرار الانتخابي، تحولت إلى نواة لما عُرف بين المحامين بـ"فريق التيار الإسلامي".

ومن خلالها، لم يحقق فوزًا شخصيًا بحصوله على أعلى الأصوات فحسب، بل نجح في الدفع بقائمة كاملة ضمت سبعة عشر عضوًا، في سابقة عكست انتقال التيار من الحضور إلى السيطرة التمثيلية.

وفي تفسيره لهذه النتيجة، أشار نوح إلى أن المناخ العام في تلك المرحلة لعب دورًا حاسمًا، إذ استفاد التيار الإسلامي من مساحة حركة أتاحتها الدولة منذ أواخر عهد محمد أنور السادات واستمرت بصيغ مختلفة في عهد حسني مبارك، ما وفّر بيئة مواتية للحشد داخل النقابات، إلى جانب أدوات تعبئة اعتمدت على المعسكرات واللقاءات والأنشطة الاجتماعية التي رسّخت الوجود التنظيمي داخل الوسط المهني.

ولم يكن صعود نوح داخل النقابة حدثًا انتخابيًا معزولًا، بل جزءً من عملية أوسع لتحويل المؤسسة المهنية إلى رافعة نفوذ، ومن داخل هذه التجربة، اقترب عمليًا من آليات إدارة الكتلة، وبناء القواعد، وتنسيق الحملات، بما كشف له  طبيعة التداخل بين النقابي والتنظيمي، وحدود الفصل بين الخطاب الدعوي ومتطلبات الفعل المؤسسي.

وتكتمل دلالة هذه المرحلة عند ربط نتائج 1992 بأدواتها: لجنة الشريعة الإسلامية كقاعدة تنظيمية وسيطة، ومعسكرات ولقاءات وأنشطة اجتماعية لترسيخ الحضور، وقائمة موحّدة من 17 عضوًا نجحت في حصد الأغلبية داخل مجلس النقابة، بينما حصد نوح أعلى الأصوات على مستوى المرشحين، وهذه العناصر مجتمعة تُظهر انتقال العمل من شبكات دعم متناثرة إلى كتلة منضبطة قادرة على إنتاج قرار انتخابي.

كما أن قراءة نوح نفسه لتلك اللحظة تربطها بسياق سياسي أوسع سمح بتمدّد التيار داخل النقابات خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات، وهو ما وفّر بيئة ملائمة لتراكم النفوذ عبر أدوات مهنية، وداخل هذا الإطار، لم يعد وجوده داخل النقابة مجرد تمثيل، بل أصبح جزءً من بنية إدارة الكتلة: توزيع الأدوار، ضبط الرسائل، وتوجيه التصويت.

وهنا تحديدًا تتحدد قيمة التجربة: فهي لم تمنحه موقعًا داخل لحظة الصعود فحسب، بل أمدّته - بوقائع محددة وأدوات واضحة - بفهم عملي لكيفية اشتغال التنظيم عندما يدخل المؤسسة، وهو فهم سيظهر لاحقًا في قراءاته النقدية، لا بوصفه استنتاجًا نظريًا، بل بوصفه خبرة مبنية على إدارة شبكة، وخوض انتخابات، وصناعة أغلبية داخل مجلس نقابي مؤثر.

 

الاحتكاك الأول بالدولة

قدّم مختار نوح روايته عن تجربة الاعتقال في سياق يتجاوز البعد الشخصي، إذ ربطها بتحولات الدولة المصرية في أواخر عهد محمد أنور السادات، معتبرًا أن ما عُرف بـ"اعتقالات سبتمبر 1981" مثّلت المنحنى الأخطر في مسار السادات، بعد سنوات اتسمت نسبيًا بالحد من اللجوء إلى الاعتقالات السياسية.

فبحسب روايته، لم يكن عدد المعتقلين قبل سبتمبر 1981 يتجاوز بضع مئات، كما كانت مدد الحبس الاحتياطي أكثر التزامًا بالإطار القانوني، قبل أن يتغير هذا النمط بشكل مفاجئ مع حملة سبتمبر، التي جاءت في ظل تصاعد التوترات السياسية.

ويكتسب هذا التحول دلالته عند وضعه في سياق موازٍ شهد تنامي نشاط التنظيمات الإسلامية المسلحة، مثل تنظيم "الفنية العسكرية" عام 1974، وجماعة "التكفير والهجرة" عام 1977، وعمليات تنظيم "الجهاد" في نهايات السبعينيات وبداية الثمانينيات.

وفي المقابل، يشير نوح إلى أن بداية عهد حسني مبارك حملت إشارات مغايرة، حيث جرى الإفراج عن معتقلي سبتمبر 1981، وهو ما اعتبره آنذاك مؤشرًا سياسيًا على تحول نسبي في طريقة تعامل الدولة مع هذا الملف.

أما تجربته الشخصية، فجاءت في قلب هذا المناخ، إذ يروي أن اسمه طُرح للدفاع عن محمد عبدالسلام فرج، المتهم في قضية تنظيم الجهاد عقب حادث المنصة، غير أن ذلك انتهى بإلقاء القبض عليه بدلًا من تولي مهمة الدفاع، ليقضي قرابة عام كامل قيد الاعتقال، في واقعة تعكس طبيعة التداخل بين القانوني والسياسي في تلك المرحلة.

وفي امتداد هذه التجربة، لم يتوقف احتكاك نوح بالدولة عند هذه الواقعة، بل ارتبط لاحقًا بما عُرف بـ"قضية اختراق النقابات المهنية"، التي قضى على خلفيتها ثلاث سنوات داخل السجن، في مرحلة عكست انتقال الصدام إلى داخل المؤسسات الوسيطة، وعلى رأسها النقابات.

غير أن الأهم في رواية نوح لا يتعلق بوقائع الاعتقال ذاتها، بقدر ما يرتبط بكيفية قراءته لها لاحقًا؛ إذ يؤكد أن هذه التجارب، رغم قسوتها، لم تدفعه إلى القطيعة مع الجماعة، بل ظل حتى ما بعد خروجه من السجن في 8 أكتوبر 2002 محتفظًا بقناعاته الأساسية، إلى حد مبادرته بطرح مشروع للمصالحة مع الدولة، وهي المبادرة التي قوبلت بالرفض من داخل الجماعة.

وتعكس هذه اللحظة مفارقة حاسمة في مساره؛ فالسجن لم يكن نقطة الانفصال، بل محطة سبقت المراجعة، أما التحول الحقيقي، فسيأتي لاحقًا من داخل التنظيم ذاته، حين تبدأ القناعة في التآكل، لا تحت ضغط الدولة، بل تحت وطأة التناقض الداخلي.

 

من الإخوان إلى الحقيقة

لم تبدأ مراجعات مختار نوح من خارج جماعة الإخوان، بل تشكّلت من داخلها، في لحظة اصطدام تدريجي بين الفكرة كما آمن بها، والتنظيم كما اختبره عمليًا، فقد دخل التجربة مقتنعًا بأن الإسلام السياسي يحمل مشروعًا إصلاحيًا، وأن الجماعة تمثل أداته التنظيمية، غير أن هذا التصور بدأ يتآكل مع اتساع الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية داخل البنية التنظيمية.

وجاء هذا التآكل نتيجة تراكم الخبرة، خاصة في العمل النقابي، حيث كشف له الاحتكاك المباشر حدود الفصل بين الدعوي والتنظيمي، فبدلًا من إطار إصلاحي مفتوح، بدا له أن الجماعة تعمل وفق منطق تنظيمي مغلق، يقدّم الولاء على الكفاءة، والانضباط على المراجعة، ويعيد إنتاج ذاته عبر دوائر محدودة من التأثير والقرار.

في هذا السياق، برزت إحدى أهم نقاط التحول في إدراكه: طبيعة ما يُعرف بـ"التنظيم الخاص" وهو تنظيم لم يكن مرحلة تاريخية عابرة، بل بنية ممتدة تؤثر في القرار وتحدد مسارات الحركة، بما ينقل الجماعة من إطار دعوي إلى تنظيم متعدد المستويات، يعمل بآليات غير معلنة تتجاوز خطابه الرسمي.

كما أسهمت تجربته الشخصية في تعميق هذا التحول؛ فالرجل الذي كان جزءًا من صعود التيار الإسلامي داخل نقابة المحامين، بدأ يلاحظ أن الشعارات الكبرى التي رفعتها الجماعة، مثل: "الإصلاح" و"التمكين"، لا تجد ترجمة واقعية متماسكة، وأن كثيرًا من أطروحاتها ظل في حدود التنظير دون أدوات فعلية للتطبيق، وهو ما دفعه إلى إعادة النظر في جوهر المشروع ذاته، لا في أدواته فقط.

وتكتسب هذه المراجعات أهميتها من توقيتها وطبيعتها؛ إذ يؤكد نوح أن السجن لم يكن لحظة التحول الحاسمة، بل جاء لاحقًا على مسار بدأ من الداخل، فخروجه من الجماعة - الذي تبلور بشكل نهائي عام 2004 - لم يكن رد فعل على ضغط خارجي، بل نتيجة قناعة تراكمت مع الزمن، إثر اكتشاف التناقض بين ما نشأ عليه داخل التنظيم وما وجده على أرض الواقع.

ومع اتساع هذه المسافة، لم يعد نوح عضوًا داخل الجماعة، بل تحول إلى شاهد عليها، ثم إلى ناقد يسعى لتفكيك بنيتها، لم يعد يتعامل معها كفكرة قابلة للتطوير، بل ككيان تنظيمي مغلق يصعب إصلاحه من الداخل، وهو ما جعل خروجه منها انتقالًا معرفيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.

 

تفكيك الإرهابية من الداخل

لم يقدّم مختار نوح قراءته لجماعة الإخوان من موقع الخصومة السياسية، بل من داخل تجربة تنظيمية مكّنته من الاقتراب من إحدى أكثر طبقاتها غموضًا: ما يُعرف بـ"التنظيم الخاص".

ففي روايته، لا يُعد هذا التنظيم مجرد امتداد تاريخي لمرحلة سابقة، بل بنية فاعلة ظلت حاضرة في قلب الجماعة، تؤثر في مساراتها وتحدد اتجاهات القرار داخلها.

ويربط نوح نشأة هذا النفوذ المتجدد بسياق ما بعد السبعينيات، حين جرت محاولات لإبعاد الجماعة عن إرث التنظيم الخاص في عهد عمر التلمساني، في إطار تفاهمات سياسية هدفت إلى دمج الإخوان داخل المجال العام، وهي محاولات أعادت تموضعها داخل التنظيم بصورة أكثر خفاءً.

وتبرز "قضية التنظيم السري" عام 1982 - المعروفة بالقضية 122 - بوصفها محطة كاشفة في هذا المسار؛ إذ تكشف، في قراءة نوح، عن صراع داخلي بين اتجاهين: أحدهما يسعى إلى الانفتاح النسبي، وآخر يتمسك ببنية مغلقة تقوم على السرية والانضباط الهرمي.

ورغم أن هذه المواجهة لم تُحسم بشكل نهائي آنذاك، فإنها - وفق روايته - انتهت إلى عودة التنظيم الخاص للعمل من الداخل، لا بوصفه كيانًا معلنًا، بل كشبكة تتحكم في مفاصل القرار.

ويذهب نوح إلى أن هذه البنية لم تكتفِ بالاستمرار، بل أعادت إنتاج نفسها عبر قيادات لاحقة، حيث أصبحت عملية اتخاذ القرار تمر عبر دوائر محدودة، تُدار وفق منطق التنظيم لا منطق المؤسسة.

ويشير في هذا السياق إلى أدوار شخصيات مثل مصطفى مشهور، الذي عُرف بإدارة التنظيمات السرية، ثم صعود محمود عزت، الذي أصبح يمثل، في نظره، نقطة ارتكاز لهذه البنية، بحيث لا تمر القرارات إلا عبر ما يشبه "عنق زجاجة" تنظيمي ضيق.

وأعاد هذا النمط من الإدارة تشكيل الجماعة ككيان مغلق، لا تُحسم قراراته عبر آليات شورى مفتوحة، بل عبر هياكل داخلية محدودة، ما يجعل الخطاب العلني منفصلًا عن مراكز التأثير الفعلية، بما أتاح لها التحرك داخل مساحات متعددة، من بينها النقابات المهنية، والعمل الاجتماعي، وحتى الملفات الطائفية، بما يعكس قدرة على توظيف الأدوات المختلفة لخدمة أهداف أوسع من مجرد العمل الدعوي.

وهكذا، لم يكن "التنظيم الخاص" في قراءة مختار نوح تفصيلًا هامشيًا في تاريخ الجماعة، بل مفتاحًا لفهم بنيتها الحقيقية، ومن خلال هذا المفتاح، أعاد تفسير سلوكها السياسي والتنظيمي، بوصفه نتاج بنية مغلقة تُدار من الداخل، وتعيد إنتاج نفسها عبر الزمن، وهو ما يفسر قدرتها على الاستمرار رغم الأزمات والانشقاقات، وفي الوقت نفسه، صعوبة إصلاحها من الداخل.

وتكتسب هذه القراءة عمقًا أكبر عند ربطها بالوقائع التي وثّقها نوح في أعماله، حيث لم يكتفِ بتوصيف البنية، بل قدّم نماذج تطبيقية لما أنتجته على الأرض، ففي شهادته عن مرحلة الثمانينيات، أشار إلى ما عُرف بقضية "عودة التنظيم الخاص" داخل جماعة الإخوان، والتي بدأت أحداثها في منطقة عين شمس، وارتبطت بأسماء مثل محمود عزت وخيرت الشاطر ورشاد بيومي، وهي القضية التي كُلّف نوح نفسه بمتابعة تفاصيلها بشكل سري بتكليف من عمر التلمساني، ما أتاح له الاطلاع المباشر على طبيعة هذه البنية وآليات عملها.

ولا تتوقف هذه الشواهد عند الإطار التنظيمي، بل تمتد إلى أنماط العنف المرتبطة به، حيث وثّق في قراءاته قضايا متعددة، من اغتيالات سياسية مثل رفعت المحجوب وفرج فودة، إلى ممارسات استهدفت البنية الاجتماعية، كحرق الممتلكات العامة والخاصة، وهو ما يعكس تحول بعض هذه التنظيمات من العمل الدعوي إلى تبني العنف كأداة.

ويمتد هذا المسار في تحليله إلى مرحلة لاحقة، حيث يرصد تطور العمليات إلى مستويات أكثر تعقيدًا، تشمل محاولات اغتيال شخصيات عامة، وعمليات هروب منظمة من السجون، وإعادة تشكيل الشبكات المسلحة، بما يشير إلى أن البنية التنظيمية لم تكن ثابتة، بل قادرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها عبر الزمن.

 

شهادات للتاريخ

وختاماً، لم يكن مسار مختار نوح مجرد انتقال من موقع إلى آخر، بل تجربة كاملة انتهت إلى دورٍ مختلف: نقل ما عرفه من الداخل إلى المجال العام، وتحويل الخبرة التنظيمية إلى معرفة كاشفة.

فالرجل الذي عاش داخل جماعة الإخوان، لم يخرج منها صامتًا، بل قدّم رواية تفسّر ما ظل غامضًا لسنوات؛ كيف تُدار الجماعة، كيف تُصنع قراراتها، وكيف تتحرك داخل المؤسسات والمجتمع، حيث لم يكن حديثه إعادة سرد لما هو معروف، بل كشفًا لبنية خفية، وشرحًا لآليات عمل لا تظهر في خطابها العلني.

وفي مرحلة ما بعد 2013، اكتسب هذا الدور بعدًا أوضح؛ إذ تحوّل إلى أحد الأصوات التي تابعت تحركات الجماعة الإرهابية وفسّرت أنماط إعادة تموضعها، مستندًا إلى معرفة سابقة بكيفية اشتغالها من الداخل، وهو ما منح قراءاته خصوصية لم تتوفر لغيره.

ولم يتوقف هذا الإسهام عند حدود الشهادة، بل امتد إلى التوثيق، عبر مشروعه «موسوعة العنف في الحركات الإسلامية المسلحة.. 50 عامًا من العنف» التي أعاد فيها ترتيب وقائع العنف الديني استنادًا إلى وثائق القضايا وأحكام المحاكم، في محاولة لربط الفكر بالممارسة، وتقديم سردية قائمة على الأدلة.

في هذا الإطار، لم يكن ما قدّمه مختار نوح موقفًا سياسيًا عابرًا، بل إسهامًا معرفيًا في كشف بنية تنظيم ظل لسنوات يعمل خلف واجهته المعلنة. ومن خلال هذه الشهادة، تحوّل من عضو سابق إلى مصدر لفهم هذه الظاهرة، واضعًا خبرته في خدمة المجال العام.

هكذا يُقرأ مساره في نهايته: ليس فقط كمن غادر التنظيم، بل كمن كشفه، وواصل تفكيكه، وترك وراءه شهادة تبقى جزءًا من فهم مرحلة كاملة في تاريخ مصر.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق