حياة كريمة.. 6 سنين من السند للشعب.. والعطاء مستمر

السبت، 02 مايو 2026 11:22 م
حياة كريمة.. 6 سنين من السند للشعب.. والعطاء مستمر
محمد فزاع

 

46 مليون مستفيد و700 مليار جنيه لتنمية القرى في نموذج تنموي يعتمد على الشراكة المجتمعية

المرحة الأولى تقترب من خط النهاية.. 4584 قرية تحت التطوير و27 ألف مشروع و50 ألف متطوع يقودون التغيير

69 مليار جنيه للتمكين الاقتصادي و3.2 مليون مستفيد نصفهم من النساء

39 مليون مستفيد من الدعم الغذائي.. شبكة أمان تواجه التضخم

تطوير شامل لمنظومة الرعاية الصحية وخدمات تعليمية استفاد منها 137 ألف طالب

دعم إغاثي فاعل إقليميا بأكثر من 800 شاحنة مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة

 

في الثانى من يناير 2019، كتب الرئيس عبد الفتاح السيسي عبر صفحته الرسمية على الفيسبوك وقال "فى مستهل عام ميلادى جديد.. تأملت العام الماضى باحثاً عن البطل الحقيقى لأمتنا، فوجدت أن المواطن المصرى هو البطل الحقيقى.. فهو الذى خاض معارك البقاء والبناء ببسالة وقدم التضحيات متجرداً وتحمل كُلفة الإصلاحات الاقتصادية من أجل تحقيق مستقبل أفضل للأجيال القادمة، ولذلك فإننى أوجه الدعوة لمؤسسات وأجهزة الدولة بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدنى لتوحيد الجهود بينهما والتنسيق المُشترك لاستنهاض عزيمة أمتنا العريقة شباباً وشيوخاً رجالاً ونساءً وبرعايتى المباشرة، لإطلاق مبادرة وطنية على مستوى الدولة لتوفير حياة كريمة للفئات المجتمعية الأكثر احتياجاً خلال العام 2019".

هذا ما كتبه الرئيس السيسي يوم 2 يناير من عام 2019 لتصبح بالفعل حياة كريمة هي إيقونة الجمهورية الجديدة، تلك المبادرة التي غيرت حياة ملايين المصريين حيث شهدت حياة أهالي القرى والمحافظات النائية والفئات الأكثر احتياجا تطورًا كبيرًا من مشروعات تنموية وخدمية وتحسين بنية تحتية والارتقاء بمستوى المعيشة وتقديم العديد من الخدمات في مختلف القطاعات منذ إطلاق تلك المبادرة الرئاسية الأهم.

على مدار السنوات الست الماضية، حققت «حياة كريمة»، كثير من الإنجازات على أرض الواقع أسهمت فى تطوير حياة ملايين المواطنين داخل القرى الأكثر فقراً وعلى قدم وساق تسير المشروعات فى سباق مع الزمن أسرع من المعدل المتوقع لها، للارتقاء بمستوى معيشة الفرد فى كل مناحى الحياة من «تعليم، صحة، توصيل الكهرباء، توصيل شبكات المياه والصرف الصحى، التثقيف وإنشاء المكتبات، دعم الأسر مادياً واجتماعياً وهو ما لمسه الأهالي بالفعل من خدمات حقيقية غيرت خريطة القرى والمحافظات النائية ووفرت الحماية لأسر، ومياه نظيفة وحياة كريمة، بتعاون ما بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، حتى تحولت المبادرة إلى أكبر مشروع قومي في مصر.

المبادرة الرئاسية تعمل بالشراكة مع أكثر من 20 وزارة وهيئة، و23 منظمة من منظمات المجتمع المدني، وبمشاركة آلاف الشباب المتطوعين، لتمكين أهالينا في قرى مصر من الحصول على الخدمات الأساسية والمرافق الحيوية التي تضمن لهم حياة كريمة. وتهدف المؤسسة إلى تحسين مستوى المعيشة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، مع التركيز على بناء الإنسان المصري وتعزيز مبادئ الكرامة والتنمية المستدامة، ولم تعد «حياة كريمة» مجرد تدخل اجتماعي لتحسين ظروف المعيشة، بل تحولت خلال سنوات قليلة إلى نموذج متكامل لإعادة صياغة مفهوم التنمية في مصر، قائم على الدمج بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والإنساني في إطار واحد.

فمنذ انطلاقها في يناير 2019، استهدفت المبادرة معالجة الفجوات التاريخية في الريف المصري، لكنها سرعان ما تطورت لتصبح مشروع دولة شامل يخاطب جذور الفقر وليس مظاهره فقط، عبر مجموعة من المحاور المتكاملة التي تشمل التمكين الاقتصادي، والدعم الغذائي، والرعاية الصحية، والدعم الإغاثي، والتمكين الاجتماعي، إلى جانب بناء قدرات الشباب وتعزيز مظلة الحماية الاجتماعية.

وتكشف الأرقام حجم هذا التحول، إذ وصلت خدمات المؤسسة إلى نحو 46 مليون مستفيد، بمشاركة أكثر من 50 ألف متطوع، وهو ما يعكس انتقال المبادرة من إطار العمل الخيري التقليدي إلى نموذج تنموي واسع النطاق يعتمد على الشراكة المجتمعية.

كما أن وصول عدد المستفيدين إلى 17 مليون مواطن خلال عامي 2025 و2026 فقط، يؤكد تسارع وتيرة التنفيذ واتساع دائرة التأثير، خاصة مع تنوع التدخلات التي لم تقتصر على تقديم الدعم المباشر، بل امتدت إلى بناء الإنسان وتنمية قدراته، وخلق فرص اقتصادية مستدامة داخل المجتمعات الأكثر احتياجًا.

وفي هذا السياق، يمكن فهم محاور عمل مؤسسة «حياة كريمة» باعتبارها حلقات مترابطة، حيث لا يقتصر التمكين الاقتصادي على توفير دخل، بل يرتبط بالتعليم والتدريب، كما أن الدعم الغذائي لا ينفصل عن الحماية الاجتماعية، والرعاية الصحية تُعد شرطًا أساسيًا لزيادة الإنتاجية وتحسين جودة الحياة.

ومن هنا، تتبلور فلسفة المبادرة في تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تنمية شاملة تضع المواطن في قلب العملية التنموية، وتسعى إلى تحويله من متلقٍ للدعم إلى شريك فاعل في بناء مستقبله.

 

«حياة كريمة» من مبادرة اجتماعية إلى مشروع دولة

لم تعد المبادرة مجرد تدخل اجتماعي محدود يستهدف تخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجًا، بل تحولت خلال سنوات قليلة إلى أحد أكبر مشروعات التنمية الشاملة في تاريخ مصر الحديث، سواء من حيث حجم الاستثمارات أو عدد المستفيدين أو تنوع مجالات التدخل، فمنذ انطلاقها، بدأت المبادرة كحركة مجتمعية قائمة على التكافل والتطوع وتبرعات المصريين، استهدفت في مرحلتها الأولى القرى الأكثر احتياجًا من خلال تحسين الخدمات الأساسية وتقديم الدعم المباشر للأسر الأولى بالرعاية، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى مشروع قومي متكامل يعكس تحولًا جذريًا في فلسفة الدولة تجاه قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

وجاءت نقطة التحول الحاسمة في يوليو 2021، مع إعلان القيادة السياسية إطلاق المشروع القومي لتطوير الريف المصري ضمن مظلة «حياة كريمة»، ليتجاوز نطاق المبادرة حدود الدعم الاجتماعي إلى إعادة بناء شاملة للريف المصري على أسس اقتصادية واجتماعية حديثة، ومنذ ذلك الحين، أصبحت المبادرة نموذجًا لتكامل السياسات العامة، حيث تجمع بين تطوير البنية التحتية، وتحسين جودة الخدمات، وتمكين المواطنين اقتصاديًا واجتماعيًا، في إطار رؤية تستهدف معالجة جذور الفقر وليس فقط مظاهره.

وتكشف الأرقام عن ضخامة هذا التحول، إذ تستهدف المبادرة تطوير نحو 4584 قرية في 20 محافظة، يستفيد منها ما يقرب من 58 مليون مواطن، أي أكثر من نصف سكان مصر، بتكلفة استثمارية تُقدّر بنحو 700 مليار جنيه يتم ضخها على مراحل متعددة.

كما تم تنفيذ أكثر من 27 ألف مشروع في المرحلة الأولى وحدها، بمعدل إنجاز تجاوز 80–90% في العديد من القطاعات، ما يعكس قدرة الدولة على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي واسع النطاق. ولم يقتصر التأثير على تحسين الخدمات، بل امتد ليشمل خلق فرص عمل، وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، ورفع كفاءة رأس المال البشري في الريف.

وعلى مستوى العمل المؤسسي، نجحت «حياة كريمة» في بناء نموذج تشاركي يجمع بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، حيث شارك أكثر من 50 ألف متطوع في تنفيذ أنشطتها، ووصلت خدماتها بشكل مباشر إلى نحو 46 مليون مستفيد خلال سنوات قليلة، وهو ما يعكس تحول المبادرة إلى حركة مجتمعية واسعة النطاق، تتجاوز كونها برنامجًا حكوميًا تقليديًا، كما ساهمت المبادرة في تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، من خلال تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خاصة في المناطق التي عانت طويلًا من التهميش وضعف الخدمات.

وبهذا المعنى، تمثل «حياة كريمة» تحولًا استراتيجيًا في مسار التنمية في مصر، حيث لم يعد الريف مجرد عبء على الاقتصاد أو منطقة طاردة للسكان، بل أصبح محورًا رئيسيًا في خطط النمو المستدام، ومنصة لإعادة توزيع فرص التنمية بشكل أكثر عدالة. وهو ما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة تنتقل فيها المبادرة من تحسين جودة الحياة إلى بناء اقتصاد ريفي منتج وقادر على المنافسة.

 

التمكين الاقتصادي.. من الدعم إلى الإنتاج

في قلب فلسفة «حياة كريمة» يأتي التمكين الاقتصادي باعتباره الركيزة الأساسية لضمان استدامة التنمية، حيث لم تعتمد المبادرة على تقديم المساعدات فقط، بل سعت إلى تحويل المواطنين من متلقين للدعم إلى عناصر منتجة داخل الاقتصاد المحلي، وتشير البيانات إلى أن حجم التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بلغ نحو 68.7 مليار جنيه، استفاد منها أكثر من 3.2 مليون مواطن، بنسبة تصل إلى 55% من النساء، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو تمكين المرأة اقتصاديًا ودمجها في سوق العمل.

كما ركزت المبادرة على دعم الصناعات المحلية والحرف اليدوية، من خلال برامج تدريب وتأهيل مثل «سر الصنعة» و«سكر البيوت»، التي استهدفت تأهيل الشباب والسيدات لإطلاق مشروعاتهم الخاصة، مع توفير قنوات تسويق عبر 43 موقعًا تسويقيًا منتشرة في مختلف المحافظات.

ولم يقتصر الأمر على التمويل، بل شمل بناء قدرات المستفيدين وتدريبهم على إدارة المشروعات وريادة الأعمال، بما يضمن استمرارية هذه الأنشطة وتحقيق عائد اقتصادي فعلي.

وعلى جانب آخر، أسهمت مشروعات البنية التحتية نفسها في خلق مئات الآلاف من فرص العمل، سواء بشكل مباشر في قطاع المقاولات أو بشكل غير مباشر في الصناعات المغذية والخدمات المرتبطة بها، كما ساعد تطوير الطرق وشبكات الاتصالات على ربط القرى بالأسواق، وتقليل تكلفة النقل، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات الريفية، خاصة في القطاعات الزراعية والغذائية.

 

الدعم الغذائي والإغاثي.. شبكة أمان واسعة في مواجهة الأزمات

يمثل الدعم الغذائي والإغاثي أحد أهم أعمدة عمل «حياة كريمة»، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات التضخم التي أثرت بشكل مباشر على الفئات الأكثر احتياجًا.

وفي هذا الإطار، تحولت المبادرة إلى شبكة أمان اجتماعي واسعة النطاق، تستهدف تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وضمان الحد الأدنى من مستوى المعيشة الكريم، بعيدًا عن الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

وتكشف الأرقام عن حجم التدخل في هذا المحور، حيث استفاد نحو 38.5 مليون مواطن من خدمات الدعم الغذائي التي قدمتها المؤسسة عبر مبادرات متعددة، من بينها «سبيل» لتوزيع الوجبات الساخنة بشكل يومي، و«مطبخ الكرم» الذي يوفر وجبات للأسر الأكثر احتياجًا، بالإضافة إلى «لقمة كريمة» التي تستهدف توفير الخبز البلدي والسلع الأساسية بأسعار مدعمة.

كما لعبت الحملات الموسمية دورًا محوريًا، خاصة خلال شهر رمضان، من خلال مبادرات مثل «إفطار صائم» وتوزيع زكاة الفطر وكعك العيد، ما يعكس قدرة المبادرة على التفاعل مع احتياجات المواطنين في التوقيتات الحرجة.

ولم يقتصر الدعم على الداخل فقط، بل امتد إلى البعد الإغاثي الدولي، حيث عززت «حياة كريمة» دورها الإنساني خارج الحدود، خاصة في دعم الأشقاء الفلسطينيين، إذ تم تسيير نحو 800 شاحنة مساعدات إلى قطاع غزة، من بينها 165 شاحنة خلال عامي 2025 و2026 فقط، بالتعاون مع مؤسسات الدولة والتحالف الوطني للعمل الأهلي، ويعكس هذا التوجه تحول المبادرة إلى فاعل إنساني إقليمي، يشارك في إدارة الأزمات وتقديم الدعم في أوقات الطوارئ.

ويمكن القول إنه هذا المحور لا يقتصر على كونه دعمًا استهلاكيًا مباشرًا، بل يمثل أداة لضبط الاستقرار الاجتماعي، حيث يسهم في تقليل فجوة الدخل، وتخفيف حدة الضغوط المعيشية، ما ينعكس بشكل إيجابي على الاستقرار العام داخل المجتمع، كما أن ضخ هذا الحجم من الدعم في الأسواق المحلية يسهم بشكل غير مباشر في تنشيط الاقتصاد، عبر تحفيز الطلب على السلع والخدمات.

وبالتالي، فإن الدعم الغذائي والإغاثي داخل «حياة كريمة» لا يُنظر إليه كحل مؤقت، بل كجزء من منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية، تعمل بالتوازي مع التمكين الاقتصادي، لضمان تحقيق توازن بين توفير الاحتياجات الفورية وبناء قدرات طويلة المدى للمواطنين.

 

التمكين الاجتماعي وبناء الوعي.. الاستثمار في الإنسان قبل كل شيء

لم تقتصر جهود «حياة كريمة» على تحسين مستوى الدخل أو توفير الاحتياجات الأساسية، بل امتدت لتشمل بناء الإنسان من الداخل، عبر برامج التمكين الاجتماعي ورفع الوعي، باعتبار أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون مجتمع واعٍ قادر على التفاعل مع التحديات وصناعة مستقبله.

وفي هذا السياق، تبنت المبادرة مجموعة واسعة من البرامج التي تستهدف تغيير السلوكيات وتعزيز القيم الإيجابية، إلى جانب دعم الفئات الأكثر احتياجًا نفسيًا واجتماعيًا.

وشملت هذه الجهود إطلاق مبادرات نوعية مثل «أنت الحياة» التي تهدف إلى تنمية الوعي المجتمعي في القرى، و«مسرح المواجهة والتجول» الذي يستخدم الفنون كأداة لنشر الثقافة والتوعية بالقضايا المجتمعية، مثل مكافحة العنف، وتنظيم الأسرة، والتعليم، وتمكين المرأة، كما تم تنفيذ برامج تعليمية وتكنولوجية تستهدف الشباب، بهدف تعزيز مهاراتهم الرقمية وتأهيلهم لسوق العمل الحديث، في ظل التحولات المتسارعة نحو الاقتصاد الرقمي.

وعلى مستوى الأرقام، استفاد نحو 137 ألف طالب من خدمات تعليمية متنوعة، شملت توفير المستلزمات الدراسية من خلال مبادرة «راجع مدرستي»، إلى جانب تجهيز أكثر من 300 معمل حاسب آلي حديث ضمن مشروع «سفراء التكنولوجيا»، ما ساهم في تقليص الفجوة الرقمية بين الريف والحضر، كما لعبت المبادرة دورًا مهمًا في دعم الفئات المهمشة، خاصة المرأة والشباب وذوي الهمم، من خلال برامج تدريب وتأهيل تستهدف دمجهم بشكل فعال في المجتمع.

وهذا المحور يمثل أحد أهم أبعاد الاستدامة داخل «حياة كريمة»، إذ يسهم في تغيير أنماط التفكير والسلوك، وهو ما يُعد شرطًا أساسيًا لنجاح أي تدخل اقتصادي أو خدمي، فبناء الطرق أو المدارس وحده لا يكفي، ما لم يكن هناك وعي مجتمعي قادر على الاستفادة من هذه الخدمات والحفاظ عليها.

كما يعكس هذا التوجه إدراكًا عميقًا بأن الفقر ليس مجرد نقص في الموارد، بل هو في كثير من الأحيان نتيجة لضعف الفرص والمعرفة، ومن هنا يأتي دور التمكين الاجتماعي في كسر هذه الحلقة، من خلال تمكين الأفراد معرفيًا وثقافيًا، بما يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات أفضل في حياتهم اليومية.

 

الخدمات الصحية.. من العلاج إلى الوقاية وتحسين جودة الحياة

يمثل تطوير القطاع الصحي أحد المحاور الحيوية داخل «حياة كريمة»، حيث أدركت الدولة أن تحسين جودة الحياة في الريف لا يمكن أن يتحقق دون نظام صحي قادر على تقديم خدمات متكاملة وسهلة الوصول للمواطنين.

ومن هذا المنطلق، لم تقتصر المبادرة على تقديم خدمات علاجية محدودة، بل تبنت نهجًا شاملًا يجمع بين الوقاية والعلاج والتوعية، بما يضمن تحسين الصحة العامة وتقليل معدلات المرض على المدى الطويل.

وتعكس الأرقام حجم هذا التدخل، إذ استفاد نحو 2.8 مليون مواطن من الخدمات الطبية التي قدمتها المؤسسة عبر القوافل الطبية والبيطرية المجانية، والتي شملت الكشف الطبي، وصرف الأدوية، وإجراء الفحوصات، وتحويل الحالات الحرجة إلى المستشفيات المتخصصة.

كما تم إطلاق مبادرات نوعية مثل «عمليات حياة» لإجراء الجراحات للحالات غير القادرة، و«اتكلم هنسمعك» لدعم الصحة النفسية، في خطوة تعكس توسع مفهوم الرعاية الصحية ليشمل الجوانب النفسية والاجتماعية إلى جانب الجوانب الجسدية.

وعلى مستوى البنية الصحية، تم إنشاء وتطوير مئات الوحدات الصحية والمراكز الطبية داخل القرى، حيث تشير البيانات إلى تطوير نحو 796 وحدة صحية و2 مستشفى مركزي، إلى جانب دعم منظومة الإسعاف بـ367 وحدة، ما ساهم في تقليل زمن الاستجابة للحالات الطارئة، وتخفيف الضغط على المستشفيات الكبرى في المدن.

كما تم توفير خدمات الرعاية الأولية داخل القرى، وهو ما ساعد على تقليل الحاجة إلى انتقال المواطنين لمسافات طويلة للحصول على العلاج.

ولا ينعكس الاستثمار في القطاع الصحي فقط داخل «حياة كريمة» على تحسين حياة المواطنين، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد ككل، حيث يؤدي تحسن الحالة الصحية إلى زيادة الإنتاجية وتقليل أيام العمل المفقودة بسبب المرض، وهو ما يساهم في رفع كفاءة سوق العمل خاصة في المناطق الريفية.

كما أن التركيز على القوافل الطبية والتوعية الصحية يمثل توجهًا استباقيًا يهدف إلى تقليل تكلفة العلاج مستقبلًا، من خلال الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر، وهو ما يقلل من الأعباء المالية على الدولة والأسر على حد سواء.

 

دعم الحالات الإنسانية.. استجابة مباشرة للفئات الأكثر احتياجًا

يمثل محور دعم الحالات الإنسانية أحد أكثر الجوانب تأثيرًا في عمل «حياة كريمة»، حيث يركز على التدخل السريع والمباشر لمساندة الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمع، والتي قد لا تتمكن من الاستفادة الفورية من برامج التمكين الاقتصادي أو المشروعات طويلة الأجل.

وفي هذا الإطار، تبنت المؤسسة مجموعة من البرامج التي تستهدف تحسين جودة حياة الأفراد بشكل مباشر، من خلال تقديم مساعدات مالية وعينية، إلى جانب دعم الحالات الخاصة التي تتطلب تدخلًا عاجلًا.

وتشير البيانات إلى أن عدد المستفيدين من هذا المحور بلغ نحو 170 ألف مواطن، حصلوا على دعم مباشر في مجالات متعددة، من بينها تجهيز العرائس غير القادرات من خلال مبادرة «يدوم الفرح»، التي تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الأسر محدودة الدخل، إلى جانب مبادرة «خطى» التي توفر كراسي متحركة وأجهزة تعويضية لذوي الهمم، بما يسهم في دمجهم داخل المجتمع وتحسين قدرتهم على الحركة والاستقلالية.

كما امتد الدعم ليشمل تقديم مساعدات للحالات المرضية الحرجة، والمساهمة في تحمل تكاليف العلاج أو العمليات الجراحية، فضلًا عن دعم الأسر المتضررة من الأزمات والكوارث، سواء كانت أزمات اقتصادية أو ظروفًا طارئة. ويعكس هذا التنوع في أشكال الدعم مرونة المبادرة وقدرتها على الاستجابة لمختلف الاحتياجات الإنسانية.

وهذا المحور يلعب دورًا مهمًا في سد الفجوات التي قد تتركها برامج التنمية طويلة الأجل، حيث يضمن عدم سقوط الفئات الأكثر ضعفًا خارج مظلة الحماية الاجتماعية. كما يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي، من خلال ترسيخ قيم التكافل والتضامن، التي تمثل أحد الأسس الرئيسية التي قامت عليها المبادرة منذ بدايتها.

ولا يقتصر تأثير هذا الدعم على الأفراد فقط، بل يمتد إلى المجتمع ككل، حيث يساعد في تقليل معدلات الفقر المدقع، ويمنح الأسر فرصة لإعادة الاستقرار والانخراط في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، كما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، من خلال تقديم نماذج ملموسة للدعم والرعاية.

 

تعزيز مظلة الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية

يمثل تعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة أحد الأهداف الجوهرية التي قامت عليها «حياة كريمة»، حيث تسعى المبادرة إلى إعادة توزيع ثمار التنمية بشكل أكثر توازنًا بين مختلف فئات المجتمع، خاصة في المناطق التي عانت طويلًا من التهميش ونقص الخدمات.

وفي هذا الإطار، لا يقتصر دور المبادرة على تقديم مساعدات مباشرة، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تضمن استدامة الحماية الاجتماعية، وتكفل للمواطنين فرصًا متكافئة في الحصول على الخدمات الأساسية.

وتتجلى هذه الرؤية في حجم التدخلات التي استهدفت تحسين جودة الحياة داخل القرى، حيث تم تنفيذ آلاف المشروعات في مجالات المياه والصرف الصحي، والتعليم، والصحة، والإسكان، بما أسهم في تقليص الفجوة التنموية بين الريف والحضر. فعلى سبيل المثال، ارتفعت نسبة تغطية الصرف الصحي في بعض القرى من أقل من 20% إلى ما يقرب من 90%، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في مستوى الخدمات الأساسية، وينعكس بشكل مباشر على الصحة العامة والبيئة.

كما ساهمت المبادرة في توسيع نطاق الشمول المالي، حيث ارتفع المؤشر إلى نحو 75% بزيادة تقارب 19.4 نقطة مئوية، مع تحسن ملحوظ في مشاركة النساء، وهو ما يعكس نجاح الجهود في دمج فئات جديدة داخل المنظومة الاقتصادية الرسمية.

ويُعد هذا التحول أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية الحديثة، حيث يتيح للمواطنين الوصول إلى الخدمات المصرفية والتمويلية، ويدعم قدرتهم على إدارة مواردهم المالية بشكل أفضل.

وتحقيق العدالة الاجتماعية لا يقتصر على توزيع الموارد، بل يتطلب أيضًا توفير بنية تحتية عادلة تتيح للجميع فرصًا متساوية في التعليم والعمل والرعاية الصحية. وهو ما نجحت «حياة كريمة» في تحقيقه من خلال توجيه الاستثمارات إلى المناطق الأكثر احتياجًا، بدلًا من التركيز على المناطق الحضرية فقط، كما كان يحدث في نماذج التنمية التقليدية.

كما أن هذا التوجه يسهم في تقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، ويحد من الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، من خلال تحسين الظروف المعيشية داخل القرى نفسها، وهو ما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويقلل الضغط على المرافق والخدمات في المدن الكبرى.

 

بناء قدرات الشباب ورفع الوعي.. الاستثمار في المستقبل

يمثل الاستثمار في الشباب أحد الركائز الاستراتيجية داخل المبادرة، باعتبارهم القوة المحركة لأي عملية تنموية مستدامة، حيث سعت إلى إعداد جيل قادر على التفاعل مع متطلبات العصر، وقيادة عملية التغيير داخل مجتمعاته المحلية، وخلق جيل قادر على استكمال مسيرة التنمية، وضمان استدامة ما تحقق من إنجازات على أرض الواقع.

وفي هذا الإطار، ركزت المبادرة على بناء قدرات الشباب عبر برامج تدريبية متخصصة في مجالات ريادة الأعمال، والمهارات الرقمية، والعمل التطوعي، بما يعزز فرصهم في سوق العمل، ويؤهلهم لإطلاق مشروعاتهم الخاصة.

كما تم تنفيذ عدد كبير من المعسكرات والورش التدريبية التي استهدفت تنمية المهارات القيادية، وتعزيز ثقافة العمل الجماعي والمبادرة.

وتكشف المؤشرات عن اتساع نطاق هذا الدور، حيث شارك أكثر من 50 ألف متطوع في أنشطة «حياة كريمة»، نسبة كبيرة منهم من الشباب، وهو ما يعكس نجاح المبادرة في تحويل العمل التطوعي إلى منصة لاكتشاف القيادات الشابة، وصقل خبراتهم ميدانيًا من خلال المشاركة المباشرة في تنفيذ المشروعات التنموية داخل القرى.

كما لعبت المبادرة دورًا مهمًا في رفع وعي الشباب بالقضايا المجتمعية، من خلال حملات توعوية وبرامج تثقيفية تناولت موضوعات مثل تنظيم الأسرة، والصحة العامة، ومخاطر الهجرة غير الشرعية، وأهمية التعليم والعمل الحر، وهو ما ساهم في تغيير أنماط التفكير لدى قطاعات واسعة من الشباب في الريف.

ولم يقتصر التأثير على الجانب المعرفي فقط، بل امتد ليشمل تعزيز الانتماء والمشاركة المجتمعية، حيث أصبح الشباب جزءًا من عملية صنع القرار والتنفيذ، وليسوا مجرد مستفيدين من الخدمات، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة التنمية التي تتبناها المبادرة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق