ماذا تريد الحكومة السورية المؤقتة من مصر؟
الإثنين، 04 مايو 2026 12:30 م
محمد الشرقاوي يكتب:
ماذا تريد الحكومة السورية المؤقتة من مصر؟.. السؤال قد يبدو غريبًا للبعض، لكن له سياق يبرره، فالحذر الذي يسيطر على العلاقات بين البلدين منذ ديسمبر 2024 لم يشهد أي انفراجة، خاصة على صعيد التنسيق السياسي والدبلوماسي في ظل اختلاف كبير في الرؤى والحسابات.
إلا أن أهمية الزيارة الحالية تتجاوز هذا الجمود، فوزير خارجية الحكومة السورية المؤقتة أسعد الشيباني الآن في مصر، التقى أمس الأحد وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي في إطار زيارة ثنائية إلى القاهرة، وهي أول زيارة بروتوكولية لمصر، على عكس الزيارة الماضية في سبتمبر 2025، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية، ناهيك عن اتصال هاتفي بينهما في 26 مارس 2026 ناقشا فيه التطورات الإقليمية وتعزيز التعاون.
المؤكد أيضًا أن العلاقات بين البلدين تتجاوز عمق الروابط التاريخية والشعبية والثقافية التي تجمع الشعبين، وهو ما ظهر في تأكيدات الوزير بدر عبدالعاطي مشيراً إلى أن هذا الرصيد المشترك يجسد تلاقي إرادة الشعبين الشقيقين عبر التاريخ، وبالتالي لا يجب الوقوف عند هذا الحد في ظل تطورات إقليمية متلاحقة تتطلب تنسيقًا كاملًا، وغير مسموح فيها بالخروج عن الإطار العربي أو القبول بما يمس الأمن القومي العربي.
وهنا وقفة، أستذكر فيها موقف القيادة المصرية من الأزمة السورية منذ اندلاعها، فالقاهرة أعلنت مرارًا دعمها للتطلعات المشروعة للشعب السوري بكافة مكوناته، وعلى الاحترام الكامل لسيادة سوريا ووحدتها واستقرارها وسلامة أراضيها، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية بما يضمن رفض أي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية، وبما يرسي دعائم الاستقرار الداخلي الشامل، وضرورة تضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بكافة صوره وأشكاله والتعامل مع ظاهرة المقاتلين الأجانب، وأن تكون سوريا مصدرًا للاستقرار.
وهذا ما تريده القاهرة، لكن ماذا تريد الحكومة السورية الجديدة من القاهرة؟.. بداية يمكن تحديد 3 مسارات تريد دمشق إحداث انفراجة فيها، بعد مرحلة من التباطؤ في تطبيع المسار الدبلوماسي الكامل، أولها "كسر الجمود وفتح قناة سياسية مباشرة"، دون الاكتفاء بالاتصالات واللقاءات على الهامش، إلى مسار أوضح، بالإمكان البناء عليه نحو علاقات استراتيجية أعمق – وهو أمر من وجهة نظري غير مرجح في الوقت القريب- فالأمر سيتخذ مسارًا تدريجيًا يتطلب تفاهمًا كبيرًا في كافة الملفات، لا قفزة مفاجئة، مرهون بمدى اقتراب دمشق من القاهرة.
وثاني هذه المسارات في "البعد الاقتصادي وإعادة الإعمار"، وهو ما يظهر من طبيعة الوفد المرافق للشيباني والذي ضم السيد محمد نضال الشعار وزير الاقتصاد والصناعة السوري، حيث تناولت المباحثات - وفق بيان الخارجية المصرية- سبل تعزيز مسار العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف إزاء التطورات الإقليمية الراهنة.
وسبق وأكدت وزارة الخارجية المصرية في مارس الماضي حرصها على المساهمة في دعم جهود الدولة السورية الرامية إلى إعادة الإعمار، مع البناء على نتائج زيارة وفد اقتصادي مصري إلى سوريا ومتابعة مخرجاتها، وهو ما تحاول دمشق استغلاله في دفع فرص التجارة والاستثمار وإعادة تدوير العلاقات الاقتصادية.
وثالث هذه المسارات "التنسيق العربي والإقليمي"، فالمحاولات السورية للانخراط في كامل النسيج العربي بالطبع لن تكتمل إلا بالتنسيق مع القاهرة، انطلاقًا من ثقلها العربي، وكونها جزءً من معادلة التوازن الإقليمي وبالتالي فإن التعاون المشترك من شأنه خفض التوتر وترسيخ الأمن والاستقرار.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال دفع هذا الملف دون الأخذ في الاعتبار الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي السورية واستغلال القوات الإسرائيلية للوضع القائم في دمشق باحتلال مزيد من الأراضي وتقويض أمنها واستقرارها، وهو أمر لا تقبله القاهرة وبالضرورة لن تقبل أي تفاهمات أمنية من شأنها تجاوز اتفاقية "فض الاشتباك" لعام ١٩٧٤، انطلاقًا من موقفها الثابت والداعم لضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.
وفي تقديري، أنه لا يمكن قراءة هذه الزيارة بعيدًا عن مسارات متداخلة من مصلحة الحكومة السورية الجديدة إحداث انفراجة فيها، وهي تطبيع سياسي محسوب، وانفتاح اقتصادي مرتبط بالإعمار، وتوافق عربي وإقليمي في المواقف، لكن كل ذلك مرهون أن تجد مصر شريكًا سوريًا منضبطًا داخل المعادلة العربية لا خارجها، بما يضمن بناء علاقات قائمة على أساس السيادة والتدرج والمصالح المشتركة.