“الخلايا السرية والواجهات المدنية”.. محمد الشرقاوي يشرح استراتيجية الإخوان في أوروبا

الخميس، 07 مايو 2026 11:21 م
“الخلايا السرية والواجهات المدنية”.. محمد الشرقاوي يشرح استراتيجية الإخوان في أوروبا

قال الكاتب الصحفي محمد الشرقاوي، بصحيفة صوت الأمة، والباحث في العلاقات الدولية إن ما تبقى من نفوذ تنظيم “الإخوان” الإرهابي في أوروبا لم يعد قائمًا على الشكل التنظيمي التقليدي المعروف منذ عقود، بل تحول إلى شبكة ممتدة من المؤسسات والواجهات المدنية والدينية والإعلامية التي تعمل بمرونة أكبر وبصدام أقل مع القوانين الأوروبية. 
 
وأوضح الشرقاوي، في مداخلة هاتفية على قناة إكسترا لايف مع الإعلامية هايدي يسري، أن الجماعة أدركت مبكرًا أن البيئة الأوروبية لم تعد تتقبل الخطاب الأيديولوجي المباشر، لذلك انتقلت إلى نموذج “النفوذ الهادئ” عبر الجمعيات والمراكز الثقافية وبعض المساجد والاتحادات الطلابية ومنظمات المجتمع المدني.
 
وأضاف الشرقاوي أن الجماعة، رغم تراجع نفوذها السياسي المباشر بعد سقوط مشروعها في عدد من الدول العربية، لا تزال تمتلك قدرة على الحركة داخل بعض العواصم الأوروبية مستفيدة من الحريات القانونية والعمل الأهلي، إلا أن هذا التحرك أصبح يخضع لرقابة سياسية وأمنية أكبر، خاصة مع تنامي القلق الأوروبي من قضايا التطرف وتمويل الجمعيات وعلاقة بعض الكيانات بخطابات الإسلام السياسي.
 
وأشار إلى أن عدة دول أوروبية بدأت بالفعل مراجعة علاقتها بالمؤسسات المرتبطة بالتنظيم، سواء عبر تشديد الرقابة على التمويل الأجنبي أو مراقبة الخطاب داخل المؤسسات الدينية والتعليمية، معتبرًا أن الجماعة انتقلت من مرحلة “التمدد” إلى مرحلة “الحفاظ على البقاء وتقليل الخسائر”.
 
ولفت الشرقاوي إلى أن التنظيم بات يعتمد بصورة أكبر على كوادر محلية من أبناء الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين بدلًا من الوجوه التقليدية القادمة من الشرق الأوسط، في محاولة لإعادة إنتاج نفسه داخل السياق الأوروبي بخطاب أكثر محلية وأقل ارتباطًا بالشكل التاريخي للجماعة.
 
وأكد الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات الدولية محمد الشرقاوي أن عام 2026 يُعد واحدًا من أكثر الأعوام صعوبة على التنظيم الدولي للإخوان، موضحًا أن الضغوط لم تعد مقتصرة على العالم العربي فقط، بل امتدت بصورة واضحة إلى أوروبا والولايات المتحدة، في ظل أزمة مزدوجة تواجهها الجماعة تتمثل في تراجع الشرعية السياسية وتصاعد الشكوك الأمنية تجاه أنشطتها.
 
وأوضح أن الفترة الأخيرة شهدت تحركات أمريكية وأوروبية أكثر حدة تجاه بعض الأذرع المرتبطة بالجماعة، سواء من خلال مراجعة أنشطة المؤسسات القريبة من فكر الإخوان أو فتح ملفات التمويل، مشيرًا إلى أن المناخ السياسي الأوروبي تغير بصورة ملحوظة، بعدما كان يُنظر إلى الجماعة سابقًا باعتبارها تيارًا يمكن احتواؤه.
 
وأضاف الشرقاوي أن الجماعة فقدت أيضًا جزءًا كبيرًا من قدرتها على التسويق السياسي والإعلامي، خاصة بعد تصاعد الأسئلة المرتبطة بعلاقتها بالتنظيمات المتشددة واستخدامها للمؤسسات الدينية والخيرية في بناء نفوذ سياسي غير معلن، معتبرًا أن عام 2026 يمثل “عام انكشاف وضغط واستنزاف” أكثر من كونه مجرد تراجع مؤقت.
 
وأشار إلى أن التنظيم يعاني كذلك من أزمة داخلية تتعلق بالقيادة والأجيال، مع وجود خلافات ممتدة بين التيارات المختلفة داخل الجماعة بشأن الأولويات وأساليب العمل ومستقبل التنظيم الدولي، وهو ما تزامن مع تراجع مصادر التمويل وفقدان الحاضنة الشعبية في عدة مناطق.
 
وقال الشرقاوي إن تركيز جماعة الإخوان منذ تأسيسها عام 1928 على دول الغرب لم يكن أمرًا عشوائيًا، بل جزءًا من استراتيجية مبكرة هدفت إلى بناء امتداد دولي يوفر الحماية والتمويل والتأثير السياسي والإعلامي، خاصة مع موجات الهجرة العربية والإسلامية إلى أوروبا منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
 
وأوضح أن الغرب مثّل بالنسبة للجماعة مساحة استراتيجية لإعادة إنتاج النفوذ، حيث استغلت هامش الحريات الواسع في تأسيس المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات الطلابية، ثم حاولت تقديم نفسها باعتبارها “الممثل السياسي والثقافي” للمسلمين في أوروبا، بما منحها قدرة على التواصل مع الحكومات والمؤسسات الغربية تحت عناوين الحوار والاندماج وحقوق الأقليات.
 
وأضاف أن الوجود في أوروبا وفر للجماعة مكاسب مهمة، مثل سهولة الحركة المالية وإطلاق المنصات الإعلامية وتأسيس شبكات عابرة للحدود، معتبرًا أن الغرب كان بالنسبة للإخوان “قاعدة تمكين استراتيجية” وليس مجرد ملاذ مؤقت.
 
ولفت إلى أن الجماعة استفادت كذلك من المناخ الأكاديمي والإعلامي الغربي في بناء صورة أكثر نعومة عن نفسها، عبر تقديم خطاب مزدوج؛ داخلي تعبوي لأعضائها، وخارجي يتحدث عن الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، وهو ما ساعدها على التغلغل داخل بعض الدوائر الأوروبية السياسية والفكرية.
 
وأوضح الشرقاوي أن الخطر الذي تمثله جماعة الإخوان على المجتمعات الأوروبية لا يرتبط فقط بالعنف المباشر، بل بما وصفه بـ“إعادة تشكيل الوعي المجتمعي” داخل بعض البيئات المغلقة، حيث تعتمد الجماعة على العمل طويل المدى وبناء شبكات اجتماعية ودينية وتعليمية قادرة على إنتاج أجيال تحمل ولاءً فكريًا للتنظيم.
 
وأضاف أن ما يُعرف بـ“الخلايا السرية” لا يعني بالضرورة تشكيلات مسلحة، بل دوائر تنظيمية محدودة تعمل بعيدًا عن الظهور الإعلامي وفق مبدأ السمع والطاعة والانضباط الفكري، وتنشط أحيانًا داخل بعض المؤسسات الدينية أو الطلابية أو الخيرية بهدف الحفاظ على البنية التنظيمية وبناء شبكات الولاء.
 
وأشار إلى أن خطورة هذا النمط من العمل تكمن في إمكانية خلق مجتمعات موازية داخل أوروبا تعيش بمنطق مختلف عن قيم الدولة الوطنية والاندماج المدني، وهو ما يثير مخاوف بعض الحكومات الأوروبية من أن يتحول نفوذ الجماعة إلى عامل يغذي الاستقطاب ويعقد ملفات الهوية والهجرة والتعايش.
 
وأضاف الشرقاوي أن الجماعة تستفيد أيضًا من حالة التوتر بين اليمين المتطرف وبعض الجاليات المسلمة، عبر محاولة تقديم نفسها باعتبارها “المدافع الوحيد” عن المسلمين في أوروبا، وهو ما يمنحها مساحة للتأثير والتجنيد لكنه يعمق في الوقت نفسه حالة الانقسام المجتمعي.
 
وأكد الشرقاوي أن لجوء تنظيم الإخوان إلى استخدام المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية والمساجد في أوروبا يعود إلى كونها توفر غطاءً قانونيًا واجتماعيًا يصعب استهدافه بصورة مباشرة، حيث تظهر الجماعة من خلالها باعتبارها كيانًا يقدم خدمات اجتماعية ودينية وتعليمية وليس تنظيمًا سياسيًا عابرًا للحدود.
 
وأوضح أن الجماعة تدرك أن العمل الخيري والدعوي يمنحها قدرة أكبر على التأثير المجتمعي مقارنة بالخطاب السياسي المباشر، فمن خلال المساعدات والأنشطة التعليمية والبرامج الشبابية تستطيع بناء علاقات ثقة مع قطاعات واسعة من الجاليات المسلمة، ثم توظيف هذه العلاقات لاحقًا في تكوين شبكات دعم وتأثير فكري وتنظيمي.
 
وأضاف أن بعض هذه المؤسسات تتحول مع الوقت إلى منصات لجمع التبرعات وصناعة النخب والتأثير على الخطاب العام المتعلق بالمسلمين في أوروبا، وهو ما دفع عدة دول أوروبية إلى التعامل بحذر متزايد مع ملف الجمعيات المرتبطة بالإسلام السياسي.
 
وأشار الشرقاوي إلى أن الجماعة تراهن على “العمل التراكمي” في بناء النفوذ، أي تأسيس حضور تدريجي عبر سنوات طويلة دون صدام مباشر مع الدولة، موضحًا أن كل مؤسسة أو نشاط شبابي أو مركز ثقافي يمثل بالنسبة للتنظيم جزءًا من شبكة أكبر تستهدف تكوين بيئة اجتماعية متعاطفة مع أفكاره.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق