رسالة بعلم الوصول من القاهرة.. الخليج ليس وحده
الجمعة، 08 مايو 2026 05:36 م
طلال رسلان يكتب:
في السياسة لا تُقاس الرسائل بعدد الكلمات، بل بتوقيت التحرك. ولهذا لم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات مجرد لقاء بروتوكولي بين قيادتين عربيتين، وإنما إعلان سياسي صريح بأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة التموضع والتحالفات في مواجهة عواصف تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية.
الشرق الأوسط يعيش لحظة شديدة الاضطراب؛ صواريخ تتطاير، وممرات مائية مهددة، وخطابات التصعيد تتقدم على حساب منطق الدولة. وفي قلب هذا المشهد، تدرك القاهرة أن ترك الخليج وحيدًا أمام التهديدات يعني فتح أبواب الفوضى على المجال العربي بأكمله. لذلك جاءت الزيارة لتقول بوضوح إن الأمن العربي لم يعد ملفًا دبلوماسيًا قابلًا للتفاوض، بل أصبح معركة وجود ومصير.
مصر تعرف جيدًا أن توازن المنطقة لا يُحفظ بالشعارات، وإنما ببناء شبكة صلبة من المواقف والتحركات. لهذا بدا التقارب المصري الإماراتي خلال السنوات الأخيرة مختلفًا عن التحالفات التقليدية؛ فهو لا يقوم فقط على المصالح الاقتصادية أو التفاهمات السياسية، بل على إدراك مشترك بأن انهيار الدولة الوطنية العربية هو الخطر الأكبر الذي يهدد الجميع دون استثناء.
اللافت أن الرسائل هذه المرة لم تصدر فقط من قاعات الاجتماعات، بل خرجت أيضًا من المشهد الشعبي الذي رافق الزيارة. الحفاوة الإماراتية بالرئيس السيسي لم تكن مجرد مراسم استقبال، وإنما تعبير واضح عن حجم الثقة المتبادلة بين الشعبين، وعن قناعة راسخة بأن القاهرة وأبوظبي تتحركان داخل خندق واحد في مواجهة مشاريع الفوضى والتفكيك.
في المقابل، هناك من يزعجه هذا التقارب. جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تنظيم الإخوان، تدرك أن أي اصطفاف عربي قوي يعني سقوط مشروعها القائم على إنهاك الدول وإشعال الصراعات الداخلية. لذلك لم يكن غريبًا أن تتكثف حملات التحريض والتشكيك كلما اقتربت العواصم العربية من بعضها البعض، لأن استقرار الدولة الوطنية هو العدو الأول لتلك الجماعات.
الإخوان تحديدًا راهنوا طويلًا على فكرة تفكك المنطقة إلى كيانات متصارعة يسهل اختراقها والسيطرة عليها. لكن ما يحدث اليوم يعكس العكس تمامًا؛ تنسيق عربي متزايد، وشبكة مصالح مشتركة، وإدراك متنامٍ بأن معركة الوعي لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية. ولهذا يبدو التحالف المصري الإماراتي أكثر إزعاجًا لمروجي الفوضى، لأنه يقدم نموذجًا عربيًا قائمًا على الاستقرار والتنمية وبناء الدولة.
وسط هذا المشهد، تتحرك مصر بثقل دولة تعرف أن الفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فارغًا طويلًا، وأن حماية الأمن القومي العربي تبدأ من منع انهيار مراكز الاستقرار الرئيسية في المنطقة. ومن هنا يمكن فهم دلالة الزيارة؛ ليست مجرد تضامن مع الإمارات، بل رسالة ردع سياسية تقول إن العواصم العربية الكبرى لن تسمح بتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للحروب والابتزاز والفوضى.