الدكتورة ندى علي تكتب عن خفايا عالم المراهقين
السبت، 09 مايو 2026 04:49 م
الدكتورة ندى علي
في كل بيت باب مغلق. وخلفه يجلس مراهق يحمل هاتفًا، وصمتًا، وعشرات الأسئلة التي لا يجرؤ على البوح بها. نمر من أمام الباب، نطرق أحيانًا، نسأل "مالك؟"، فيأتينا الرد المقتضب: "مفيش... عادي". فنمضي مطمئنين إلى أن "عادي" تعني أن كل شيء بخير. لكن الحقيقة أن "عادي" هي أكثر الكلمات كذبًا في قاموس المراهقة.
خفايا عالم المراهقين ليست جريمة تُرتكب في الخفاء، بل هي محاولات يومية للفهم. جسد يتغير بإيقاع مربك، ومشاعر تتصارع بين الطفولة والرجولة، وعقل يحاول أن يبني هوية وسط ضجيج السوشيال ميديا وضغط الأقران وتوقعات الأهل. المراهق لا يصمت لأنه لا يملك ما يقوله، بل يصمت لأنه جرب مرة أن يتكلم فقوبل بعبارة "لما تكبر هتفهم"، أو "عيب الكلام ده"، أو بابتسامة ساخرة قتلت شجاعته.
من خلال عملي، وصلتني مئات الرسائل من مراهقين. رسائل كُتبت في الثالثة فجرًا، بخوف، وبحروف مرتعشة. يسألون عن كل شيء: "هل أنا طبيعي؟"، "لماذا أمي لا تصدقني؟"، "كيف أقول لأبي إنني خائف من الفشل؟"، "لماذا أشعر أن لا أحد يشبهني؟". هذه ليست أسئلة عابرة، بل هي استغاثات مؤجلة. هي "خفايا" لأننا كمجتمع قررنا أن نتعامل مع المراهقة كمرض مؤقت، أو كفترة "طيش" ستمر، بدلًا من أن نراها المرحلة التأسيسية الأهم في بناء الإنسان.
إن القرآن الكريم وضع لنا القاعدة الذهبية في التعامل مع الأبناء حين قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]. وقد فسرها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: "علموهم وأدبوهم". الوقاية هنا ليست بالمنع والصراخ، بل بالعلم والحوار. فالابن الذي يجد إجابة لسؤاله في البيت، لن يبحث عنها في أماكن قد تكسره.
التربية في زمننا هذا لم تعد تعني توفير الطعام والكساء والدراسة. التربية أصبحت تعني "الإنصات". أن تترك هاتفك وتسمع لابنك وهو يحكي عن يومه التافه في نظرك، المهم في نظره. أن تتوقف عن إصدار الأحكام الجاهزة وتستبدلها بسؤال: "تحب نتكلم في ده؟". أن تكون الأذن التي تبحث عنها رسالته قبل أن تضيع في زحام العالم.
المراهق لا يحتاج محققًا يفتش في أغراضه، ولا قاضيًا يصدر حكمًا على كل هفوة. المراهق يحتاج "وطنًا" يعود إليه كل مساء وهو متأكد أنه لن يُحاكم فيه على ضعفه، ولن يُسخر من أسئلته.
رسالة إلى كل أم في التعامل مع ابنتها
كوني صديقتها قبل أن تكوني أمها. ابنتك تحتاج حضنًا يسمع من غير حكم. اسأليها عن يومها وعن صاحباتها وعما يضايقها حتى لو بدا لكِ تافهًا. احترمي خصوصيتها، فالتفتيش في هاتفها يكسر ثقتها. إن كنتِ قلقة، افتحي حوارًا مباشرًا وقولي: "أنا قلقانة عليكِ، تحبي نحكي؟". علميها ولا تخجلي منها. تغيرات جسدها ومشاعرها تحتاج منكِ أنتِ أن تكوني مصدر المعلومة الآمن قبل أن تسمعها مشوهة من الخارج. امدحي عقلها وشخصيتها لا شكلها فقط، واحتوي تقلباتها المزاجية فهي طبيعية في هذا العمر بسبب الهرمونات.
رسالة إلى كل أب في ضبط عصبيته مع أبنائه
ابنك ليس عدوك. العصبية والصوت العالي يزرعان الخوف لا الاحترام، والخوف يولد الكذب. قبل أن تغضب اسأل نفسك: هل أخطأ عنادًا أم ضعفًا أم جهلًا؟ إن شعرت أنك ستفقد أعصابك، انسحب دقيقة. اغسل وجهك، استغفر، ثم عد وأكمل الحوار بهدوء. أنت قدوته في ضبط النفس. افصل بين الفعل والشخص، فقل "التصرف هذا خطأ" بدلًا من "أنت فاشل"، لأن كلمات الأب تبقى محفورة. وخصص وقتًا لأبنائك الذكور كما تفعل مع البنات. الولد أيضًا يحتاج حضنك ومدحك. خذه معك، تحدثا، أشعره أنه رجل في عينك. وإن أخطأت في حقه، اعتذر. اعتذارك يعلمه أن الكبير يخطئ ويصلح، وهذا يزيد احترامه لك.
{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] وأولى الناس بحسن كلامك: أولادك.
خفايا عالم المراهقين ستظل خفايا ما دمنا نصر على أن نسكن في برج عالٍ ونطالبهم بالصعود إلينا. الحل أن ننزل نحن، نجلس على الأرض بجانبهم، ونبدأ السؤال الأهم: "احكيلي... أنا سامعك"، لأن الباب المغلق لا يفتحه العنف، بل يفتحه مفتاح واحد فقط: الأمان.