شماتة على أبواب القبور.. جماعة الإخوان الإرهابية تقسم المصريين بين الأتباع والجهلة.. وتضع أعضائها ضمن "الفرقة الناجية"

السبت، 09 مايو 2026 10:30 م
شماتة على أبواب القبور.. جماعة الإخوان الإرهابية تقسم المصريين بين الأتباع والجهلة.. وتضع أعضائها ضمن "الفرقة الناجية"
محمد الشرقاوي

سيد قطب أول من أسس لخطاب الشماتة في الموت واستدعاء الحساب الإلهي في الخصومة مع المختلفين مع الجماعة

جلال الموت مهيب، لا تتحمله نفس، ولا يتقبله حبيب، فلا شفاعة فيه، ولا شماتة أيضًا، فقط يكفيك الدعاء وطلب الرحمة.. لكن جماعة الإخوان الإرهابية، أو كما يظنون نفسهم "الفرقة الناجية" لا تعترف بذلك، تمنح الجنة لمن تشاء وتحرمها عن من تشاء، والمحرمون كثير، طالما يقفون على شاطئ الوطن.

ففي كل مرة يرحل فيها خصم سياسي أو شخصية تختلف مع الجماعة الإرهابية، يتكرر المشهد ذاته على منصات محسوبة على الجماعة أو متعاطفة معها؛ تعليقات تحمل قدراً واضحاً من الشماتة، وتلميحات تتجاوز الخلاف السياسي إلى الحكم الأخلاقي والديني، وكأن الموت لم يعد لحظة تستدعي الصمت أو الترحم، بل مناسبة لتصفية الحسابات وإعلان الانتصار المعنوي على الخصوم.

درجة أن الدعاء يختلط بالتشفي، وعبارات من قبل أتباعها تتحدث عن "سوء الخاتمة" أو "الجزاء" وسوء المنقلب، وكأنهم يتعاملون مع "الموت" باعتباره فرصة لإعادة تقسيم الناس بين أهل حق وأهل باطل، ناجين وهالكين، مستحقين للرحمة وآخرين لا يستحقونها.

الأمر لا يقتصر على حالة فردية بل يتجاوز ذلك لسمت إخواني اشتهرت به الجماعة على طول عمرها، بما يعكس عقيدة فاسدة، تقوم على احتكار الفضيلة وامتلاك صكوك الغفران، وادعاء الأفضلية الدينية والأخلاقية، وانطلاقًا من هنا يصبح المعارض لها في انتظار أن يفتح باب النار، أو أن تنزل صاعقة من السماء تأكل جنازته ومن فيها.

ومع كل وفاة جديدة، يتكرر السؤال نفسه: كيف يمكن لجماعة ترفع شعارات الدين والأخلاق أن تسقط بهذه السهولة في خطاب شماتة يتجاوز حدود السياسة إلى مصادرة الرحمة ذاتها؟.. وكيف تحولت الخصومة لدى البعض إلى حالة من التعالي الأخلاقي التي ترى المخالف أقل استحقاقاً حتى لحرمة الموت؟

 

الجماعة التي تحتكر النجاة

قبل أيام، قال الإخواني الهارب وجدي العربي: "هاني شاكر رحل ورحلت معه جزء من ذكرياتهم معًا في الطفولة بالمدرسة الإعدادية، أيام ما كانت القلوب لسه بيضا ومفيش فيها غير حب الفن والحلم ببكرة، فالموت يا سادة هو الحقيقة الوحيدة اللي بتنهي كل الخصومات، وبتحطنا كلنا في مواجهة الحساب العادل.. النهاردة انقطع العمل، ومبقاش فاضل غير رحمة ربنا وحسابه على كل كلمة وكل موقف، ربنا يرحم الجميع، ويغفر لنا ولكم، ويتجاوز عن السيئات، العبرة دايمًا بالخواتيم، والحكم عند قاضي السماء اللي مابيتظلمش عنده حد".

ورغم أن الخطاب بدا في ظاهره أقرب إلى الرثاء والدعاء، فإن بنيته الداخلية حملت الرسالة ذاتها التي تتكرر في كثير من خطاب الجماعة؛ ربط الموت بالموقف السياسي، واستدعاء الحساب الإلهي في سياق الخصومة، والتلميح إلى "الخاتمة" بوصفها معيارًا للحكم على الإنسان بعد رحيله؛ فالجماعة لا تكتفي غالبًا بإدارة خلافها مع خصومها داخل المجال السياسي، بل تنقل هذا الخلاف إلى مساحة أكثر حساسية وتأثيرًا: مساحة الدين والمصير والنجاة.

ولم يكن ما كُتب عن هاني شاكر حالة منفردة أو انفعالًا طارئًا فرضته لحظة الوفاة، بل جاء بعد أيام قليلة فقط من الجدل الذي رافق المحامي مختار نوح، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية والقيادي الإخواني المنشق، والذي تحولت وفاته بدورها إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات داخل دوائر الجماعة ومؤيديها.

فبدل أن تفرض لحظة الموت حدًا أدنى من الترفع عن الخصومة، خرجت تعليقات حمل بعضها نبرة قاسية، واستدعت خلافات الماضي، وقدمت الرجل باعتباره "منقلبًا" أو "خائنًا" أو صاحب "مواقف لا تُغتفر"، وكأن الرحيل لم يكن كافيًا لإنهاء الصراع.

والمفارقة هنا أن مختار نوح لم يكن خصمًا تقليديًا للجماعة بقدر ما كان ابنًا سابقًا لها، خرج من عباءتها ثم تحول إلى أحد أبرز ناقديها، وهو ما جعل وفاته تكشف جانبًا أكثر عمقًا في طريقة تفكير التنظيم؛ فحتى المنشق الذي قضى سنوات داخل الصف، لا يُغفر له الخروج أو النقد، بل يبقى محكومًا بمعيار الولاء القديم ذاته، وهنا يتجسد "الفجر في الخصومة"، ولم يعد الموت نفسه قادر على إسقاط الخصومة.

ليست تلك الوقائع هي الأولى، بل الأمر متكرر منذ عقود، بما يكشف نمطًا متكررًا في الخطاب الإخواني المتطرف؛ فكلما رحل شخص ارتبط اسمه بموقف من الجماعة، يعود الحديث عن "الحساب"، و"القصاص"، و"الخاتمة"، و"الوقوف أمام الله"، ليس بوصفها معاني إيمانية عامة، بل باعتبارها رسائل سياسية مغلفة بالدين، وهنا لا يعود الموت مناسبة إنسانية خالصة، بل يتحول إلى منصة لإعادة تعريف الناس أخلاقيًا، وتقسيمهم بين من "اصطف مع الحق" ومن "اختار المعسكر الآخر".

 

حين تتحول الخصومة إلى حكم على المصير

تكمن المشكلة في خطاب جماعة الإخوان الإرهابية في المرجعية التي تنطلق منها "الشماتة في الموت"، فهي لا تتعامل مع الموت باعتباره قضاءً إلهيًا مجردًا يسري على الجميع، وإنما باعتباره أحيانًا "رسالة" أو "عقوبة" أو "جزاءً" مرتبطًا بالموقف من التنظيم نفسه، وبالتالي ينتقل الخلاف السياسي إلى مساحة أخطر، يصبح فيها الخصم متهمًا أخلاقيًا ودينيًا، لا مجرد مخالف في الرأي أو السياسة.

وتظهر هذه الذهنية بوضوح في اللغة المستخدمة عقب الوفاة؛ فبدل الحديث عن السيرة أو المواقف الإنسانية أو حتى الاكتفاء بالدعاء، تُستدعى مفردات تتعلق بـ "العقاب"، و"الابتلاء"، و"القصاص الإلهي"، وكأن رجالها يعرفون حكمة الموت، أو ترجمة الرسائل الإلهية، وكأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر.

وتمتد جذور فكرة "الاستعلاء بالإيمان" التي رسختها كتابات منظر الجماعة سيد قطب، حيث جرى تقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين: "جند الله" و"معسكر الجاهلية"، وداخل هذا التصور، يصبح الولاء للجماعة أو لمشروعها أقرب إلى معيار أخلاقي للحكم على الأشخاص، بينما يتحول الخصم أو المنشق إلى شخص "اختار الطريق الخطأ"، بما يبرر التعامل مع موته باعتباره "نهاية مستحقة".

ولذلك، لم يكن غريبًا أن تتحول وفاة مختار نوح إلى مناسبة لاستدعاء تاريخه مع الجماعة، لا تاريخه المهني أو الإنساني، فالرجل، بالنسبة إلى قطاعات من الإخوان، لم يكن مجرد منشق سياسي، بل شخصًا "كسر قدسية التنظيم"، وانتقل من الصف إلى الضفة الأخرى، ولهذا جاءت بعض التعليقات وكأنها تريد محاكمته بعد الموت، لا مجرد الاختلاف معه، فلم يكن التركيز على رحيله بقدر ما كان التركيز على "موقفه من الجماعة"، وكأن القيمة الحقيقية للإنسان تُقاس هنا بدرجة قربه أو بعده عن التنظيم.

الأخطر أن هذا النوع من الخطاب يؤدي عمليًا إلى تحويل الجماعة من كيان سياسي أو دعوي إلى ما يشبه "الطائفة المغلقة" التي تحتكر النجاة، وتوزع صكوك الغفران وفق معيار الولاء والبراء التنظيمي؛ فقتلى الجماعة يُقدَّمون دائمًا باعتبارهم "شهداء" و"أهل اصطفاء"، بينما يُنظر إلى الخصوم باعتبارهم أصحاب "خواتيم مريبة" أو "مصائر مستحقة"، وهكذا، تصبح الرحمة ذاتها خاضعة للانتماء، لا للإنسانية أو للقيم الدينية التي تدّعي الجماعة الدفاع عنها.

وبهذا تتحول الشماتة إلى أداة ضبط داخلي أيضًا؛ رسالة موجهة لكل من يفكر في المراجعة أو الانشقاق، مضمونها أن الخروج من الجماعة لا يعني فقط خسارة التنظيم، بل خسارة "النجاة المعنوية" نفسها، لذلك تبدو حملات التشهير بالموتى، خاصة المنشقين، محاولة لإسقاط أي تعاطف معهم، ومنع تحويلهم إلى نماذج قد تدفع شباب الجماعة إلى التفكير أو التساؤل.

 

الشماتة كأداة لضبط الأتباع

لا تبدو الشماتة في خطاب الإخوان مجرد انفعال عابر تجاه الخصوم، بقدر ما تبدو أداة تؤدي وظيفة تنظيمية واضحة داخل الجماعة، فحين تتحول وفاة الخصم أو المنشق إلى مناسبة لاستدعاء "الخاتمة" و"سوء المصير"، فإن الرسالة الحقيقية لا تُوجَّه إلى الميت، بل إلى الأحياء داخل الصف الإخواني أنفسهم؛ رسالة تقول إن الخروج عن الجماعة لا يُغتفر، وإن الخصومة معها تظل مفتوحة حتى بعد الموت.

وترتبط هذه الآلية بطبيعة التنظيمات المغلقة التي تبني تماسكها على ثنائية حادة بين "نحن"، و "هم"، حيث يصبح الانتماء أقرب إلى معيار أخلاقي وديني، لا مجرد موقف سياسي، ومن هنا، لا يُنظر إلى المنشق أو المختلف باعتباره شخصًا غيّر قناعته، بل باعتباره نموذجًا يجب التحذير منه حتى لا يتحول إلى مصدر إلهام أو مراجعة داخلية، لذلك، تتحول حملات التشهير بالموتى أحيانًا إلى وسيلة لترهيب القواعد التنظيمية، ومنع أي تعاطف مع الخارجين عن الصف.

وتفسر أدبيات علم النفس الاجتماعي هذه الحالة بما يُعرف بـ"الهوية الجمعية"، حيث تميل الجماعات الأيديولوجية إلى حماية تماسكها عبر تضخيم أخطاء الخصوم وتجريدهم من التعاطف الإنساني، ولهذا، لا يُقدَّم المختلف في الخطاب الإخواني باعتباره خصمًا سياسيًا فقط، بل شخصًا "اختار الطريق الخطأ"، بما يسمح بتبرير القسوة ضده حتى بعد رحيله.

وبالتالي تعتبر الشماتة أداة انضباط داخلي، تُستخدم للحفاظ على الولاء، وإغلاق باب المراجعة، وربط النجاة المعنوية بالانتماء إلى الجماعة، ولذلك، كلما اشتدت أزمة التنظيم أو تصاعدت الانشقاقات داخله، بدا أكثر احتياجًا إلى هذا النوع من الخطاب الذي يصنع الخوف بقدر ما يصنع الكراهية.

 

حين يسقط القناع الأخلاقي

المفارقة أن جماعة الإخوان الإرهابية، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها جماعة دعوية تحمل مشروعًا أخلاقيًا وإصلاحيًا، تبدو الأكثر خسارة من هذا النوع من الخطاب، فكل موجة شماتة جديدة لا تضر الخصوم بقدر ما تكشف صورة الجماعة أمام الرأي العام، خاصة لدى قطاعات لم تعد تنظر إليها باعتبارها تيارًا سياسيًا فقط، بل تنظيمًا يعيش حالة استقطاب حادة مع المجتمع نفسه.

ويضع خطاب التشفي في الموت الجماعة في تناقض مباشر مع قيم  -طالما ادعتها- عن الرحمة والتسامح، ويُظهر كيف يمكن للخصومة السياسية أن تدفع بعض أتباعها إلى تجاوز أبسط الحدود الإنسانية والدينية، ولذلك، لم تعد المشكلة بالنسبة لكثيرين في "الخلاف مع الإخوان"، بل في طبيعة العقلية التي تدير هذا الخلاف، والتي تبدو مستعدة لنقل الصراع حتى إلى لحظة الموت ذاتها.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية لتضع حدًا واضحًا بين الدين الحقيقي وخطاب التشفي المتداول على بعض المنصات المحسوبة على الجماعة؛ إذ أكد أن الشماتة في الموت والتشفي في الناس والدعاء عليهم بالهلاك أمور "تتنافى مع تعاليم الدين"، مشددًا على أن النفوس الكريمة وأصحاب الأخلاق المستقيمة يترفعون عن مثل هذه السلوكيات، كما حذر عياد من محاولة بعض الأشخاص التحكم في قضايا الترحم أو توزيع أوصاف مثل "الشهيد"، مؤكدًا أن الحكم على مصائر الناس ليس من اختصاص البشر، وإنما أمر يستقل به الله وحده.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها لأنها تضرب جوهر الخطاب الذي تتبناه بعض الأصوات الإخوانية، والقائم على التلميح الدائم بـ "سوء المصير"، وكأنها تملك حق تفسير الإرادة الإلهية أو الحديث باسم الدين، بينما يؤكد الخطاب الديني الوسطي أن الإنسان لا يملك الحكم على مصير غيره، ولا يحق له مصادرة الرحمة أو احتكار النجاة.

كما أن هذا الخطاب ساهم خلال السنوات الأخيرة في تعميق عزلة الجماعة اجتماعيًا، بعدما فقدت قدرتها على الظهور كتيار قادر على استيعاب المختلف أو التعايش مع الخصومة، فالجماعات السياسية يمكن أن تختلف بعنف، لكنها تحتفظ عادة بحد أدنى من الاحترام الإنساني في لحظات الفقد، بينما يبدو خطاب بعض المحسوبين على الإخوان وكأنه يعتبر الرحمة نفسها موقفًا سياسيًا يجب منحه أو منعه وفقًا للولاء.

الأخطر أن هذا السلوك يكشف أزمة أعمق داخل التنظيم؛ فالجماعة التي تملك مشروعًا واثقًا من نفسه لا تحتاج إلى مطاردة خصومها بعد موتهم، ولا إلى تحويل الوفاة إلى معركة جديدة لإثبات "صحة الطريق", ولذلك، تبدو الشماتة أحيانًا انعكاسًا لحالة ارتباك وفقدان ثقة أكثر مما تبدو تعبيرًا عن قوة أو تماسك.

ومع كل حادثة جديدة، تخسر الجماعة جزءًا إضافيًا من صورتها الأخلاقية التي حاولت لعقود تقديمها للجمهور، لتتحول تدريجيًا من تنظيم يدّعي احتكار الفضيلة إلى نموذج يكشف كيف يمكن للأيديولوجيا حين تنغلق على نفسها أن تُنتج خطابًا خاليًا من الرحمة، حتى في أكثر اللحظات التي يحتاج فيها الإنسان إلى الرحمة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق