لبنان معلق بين واشنطن وطهران.. هل تنجح بيروت في فصل مسارها عن الحرب الأمريكية الإيرانية؟
السبت، 09 مايو 2026 11:00 م
الدولة اللبنانية تؤكد رفض ربط ملفها بأي مسارات إقليمية واستقلال قرارها السياسي.. وخبراء: لبنان جزء من توازنات إقليمية أكبر من حدوده
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تعود التحديات التي تواجه المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى صدارة المشهد، محملة بتعقيدات تتجاوز الملف النووي لتشمل شبكة واسعة من القضايا الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، وفي قلب هذا التشابك، يبرز الملف اللبناني كأحد أبرز نقاط الخلاف، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى فصله عن مسار التفاوض، بينما تصر إيران على إدراجه ضمن رؤية تقوم على ربط ساحات النفوذ الإقليمي ببعضها البعض.
هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في الأولويات، بل يكشف عن صراع عميق حول طبيعة المفاوضات ومن يملك حق تحديد قواعدها.
تظهر المقترحات الإيرانية، لا سيما المقترح الأخير الذي يضم 14 نقطة، تحولا واضحا في مقاربة طهران للمفاوضات، فبدلا من التركيز الحصري على برنامجها النووي، تسعى إيران إلى طرح إطار شامل يبدأ بإنهاء الحرب ورفع العقوبات، ويمتد ليشمل إعادة ترتيب الوضع الأمني في المنطقة.
ضمن هذا الطرح، لا يظهر لبنان كملف ثانوي، بل كجزء أساسي من معادل النفوذ، وهو ما يعني عمليا إدراجه ضمن سلة التفاوض، إلى جانب ملفات أخرى مثل مضيق هرمز والحصار العسكري الأمريكي على الموانئ الإيرانية.
في المقابل تعتمد الولايات المتحدة على استراتيجية معاكسة تقوم على فصل الملفات، مع إعطاء الأولوية للبرنامج النووي باعتباره التهديد الأكثر إلحاحا، وترى واشنطن أن إدخال قضايا مثل لبنان في المفاوضات سيؤدي إلى تعقيد المسار التفاوضي ومنح إيران أدوات ضغط إضافية، وهو موقف عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح، حيث وصف المقترحات الإيرانية الأخيرة بأنها غير مقبولة، مشيرًا إلى أن طهران لم تقدم بعد التنازلات المطلوبة، خصوصا فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم وضمانات عدم تطوير سلاح نووي.
كما لمح ترامب إلى إمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري في حال فشل المسار الدبلوماسي، في تأكيد على أن سياسة الضغط الأقصى لا تزال حاضرة بقوة في حسابات الإدارة الأمريكية.
ويأتي الخلاف حول الملف اللبناني في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز بشكل يفرض نفسه على المشهد التفاوضي خاصة بعد إعلان ترامب عن إطلاق مشروع الحرية، فقد شهد الممر الملاحي توترات أمنية شديدة بين القوات الأمريكية والإيرانية، ترافقت مع تحركات بحرية مكثفة ومحاولات لفرض قواعد اشتباك جديدة، هذا التصعيد، المتزامن مع مساعٍ أمريكية لتأمين الملاحة عبر ترتيبات عسكرية، يقابله تشدد إيراني ورفض لأي وجود يُنظر إليه كفرض أمر واقع، وبين الميدان والسياسة، يبدو أيضا أن ما يجري في المضيق لم يعد منفصلا عن مسار التفاوض، بل تحول إلى ورقة ضغط أساسية تعقد فرص التهدئة وتربك حسابات الأطراف كافة.
في خضم هذه الخلافات الإيرانية الأمريكية، يجد لبنان نفسه في موقع بالغ الحساسية، فمن جهة تؤكد المواقف الرسمية اللبنانية رفضها القاطع لأي إدراج للبلاد ضمن صفقات إقليمية، وتشدد على أن لبنان هو الجهة الوحيدة المخولة التفاوض بشأن قضاياه، لكن من جهة أخرى، يعكس الواقع الجيوسياسي تعقيدات أكبر، حيث لا يزال لبنان ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، ما يجعله عرضة للاستخدام كورقة ضغط في المفاوضات، رغم الرفض المعلن.
هذا التناقض بين الموقف المبدئي والواقع العملي يطرح تساؤلات جدية حول قدرة لبنان على تحييد نفسه فعليًا عن صراعات الإقليم، في ظل هشاشة التوازنات الداخلية واستمرار التأثيرات الخارجية.
يقول علي يحيى الباحث اللبناني في العلاقات الدولية لـ"صوت الأمة" إنه "لا شكّ أن الواقع السياسي والميدان العسكري في لبنان كانا متشابهين إلى حد كبير منذ بداية الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية التي استمرت أكثر من ستين يومًا، ما نتج عنه مسارا تفاوضيا معقدا، طارحا سؤالا مهما: هل فصل مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي عن مسار التفاوض الإيراني الأمريكي يصب في مصلحة لبنان أم العكس؟. وأكد أن محاولات الفصل بين المسارين ستبقى إلى حد كبير شكلية، لأن لبنان يعد ساحة مرتبطة بتوازنات أوسع.
الباحث اللبناني علي يحيي
وأشار يحيى إلى أن لبنان يمكن له الاستفادة من أوراق القوة التي تمتلكها إيران، وفي مقدّمتها مفهوم وحدة الساحات، إضافة إلى تأثيرها في نقاط استراتيجية حساسة تستخدمها الدبلوماسية الإيرانية لتعزيز موقعها التفاوضي، وهو ما قد ينعكس على الوضع اللبناني.
ولم تتوقف الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية الإيرانية على الملف اللبناني فحسب، فوفقا للمقترح الإيراني الذي يتضمن ثلاث مراحل رئيسية، فإن المرحلة الأولى تهدف إلى تحويل وقف إطلاق النار إلى إنهاء كامل للحرب خلال فترة زمنية قصيرة، مع تقديم ضمانات متبادلة بعدم الاعتداء على إيران وحلفائها، إضافة إلى انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران البحري، وتتناول المرحلة الثانية، الملف النووي، حيث تقترح إيران تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة طويلة، مع الاحتفاظ بالبنية التحتية النووية، مقابل رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة.
المرحلة الثالثة تركز على الأمن الإقليمي، من خلال إطلاق حوار استراتيجي يشمل دول المنطقة، بهدف بناء نظام أمني مستدام.
ورغم هذا الإطار التفصيلي، يبقى الخلاف الجوهري بين الطرفين قائمًا حول ترتيب الأولويات، فبينما تريد إيران البدء بإنهاء الحرب ورفع العقوبات، تصرّ الولايات المتحدة على ضرورة البدء بالملف النووي.
إلى جانب الملف اللبناني، تبرز مسألة مضيق هرمز كأحد أهم عناصر الضغط في يد إيران، فهذا الممر المائي الحيوي، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، يمنح طهران قدرة استثنائية على التأثير في الأسواق الدولية، وتضمن المقترح الإيراني آلية لإعادة فتح المضيق تدريجيًا، مع استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة في تأمين الملاحة، مقابل رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.
في المقابل، تسعى واشنطن إلى ضمان حرية الملاحة بشكل كامل، دون منح إيران دورًا مهيمنًا في إدارة هذا الممر، ما يجعل هذه النقطة إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في المفاوضات.
ورغم استمرار تبادل المقترحات، لا تزال لغة التصعيد حاضرة بقوة، حيث كشفت تقارير أمريكبة عن إعداد خطط عسكرية محتملة لدى الولايات المتحدة تستهدف إيران من جديد، في مؤشر على أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا كأداة للضغط، وليس مجرد تهديد نظري.
في المقابل، تؤكد إيران أنها تدرس الرد الأمريكي على مقترحها، مشيرة إلى أن الكرة في ملعب واشنطن، في محاولة لإظهار انفتاح دبلوماسي مشروط.
إلى جانب الخلافات التقنية، تشكل أزمة الثقة بين الطرفين أحد أبرز العوائق أمام التوصل إلى اتفاق، فإيران لا تزال متوجسة من النوايا الأمريكية بعد سنوات من العقوبات والانسحاب من الاتفاقات السابقة، بينما تشكك واشنطن في التزام طهران بأي تعهدات طويلة الأمد، ما يجعل أي اتفاق محتمل هشا بطبيعته، وقابلا للانهيار عند أول اختبار جدي.
في ظل هذا المشهد المعقد، يمكن رسم عدة سيناريوهات محتملة، الأول هو استمرار الجمود حيث يواصل الطرفان تبادل المقترحات دون تحقيق اختراق حقيقي، مع بقاء وقف إطلاق النار الهش قائمًا.
كما يبرز سيناريو آخر على الساحة الإعلامية وهو التصعيد المحدود بين الجانبين من خلال ضربات عسكرية محسوبة تهدف إلى تحسين شروط التفاوض دون الانزلاق إلى حرب شاملة، والسيناريو الثالث هو اختراق جزئي عبر اتفاق مرحلي يركز على بعض القضايا، دون حل شامل لكل الملفات.
وهناك سيناريو آخر وهو الوصول إلى اتفاق شامل، ولكنه يعد السيناريو الأقل احتمالًا في المدى القريب، نظرًا لحجم الخلافات القائمة بين الجانبين.
وتشير تعقيدات المشهد والسيناريوهات المستقبلية إلى أن الوضع الأمني في الشرق الأوسط يبقى قابلًا للانفجار في أي لحظة، ما يجعل لبنان أحد أبرز عناوين هذا الصراع، وإحدى الدول الأكثر تأثرًا به بشكل مباشر، فإصرار إيران على إدراجه ضمن المفاوضات يعكس أهميته الاستراتيجية بالنسبة لها، في حين يكشف الرفض الأمريكي عن إدراك عميق لحساسية هذا الملف وتأثيره على توازنات المنطقة.
وحول السيناريوهات المحتملة في لبنان إذا ما استمر الخلاف بين واشنطن وطهران، قال عباس زلزلي الباحث اللبناني وأستاذ الإعلام بالجامعة اللبنانية الدولية لـ"صوت الأمة" إلى إن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها استمرار الجمود، وهو السيناريو الأرجح برأيه، حيث لا حرب شاملة في الأفق، بل بقاء الوضع على حاله، مع توترات سياسية واقتصادية مستمرة وربما متقطعة الحدة لكنها قائمة.
أما السيناريو الثاني وفق رأي الباحث اللبناني، فيتمثل في إدارة الصراع دون انفجار كبير، وهو كما يؤكد يعكس رغبة معظم الأطراف في تجنب الحرب المفتوحة، والاكتفاء بضبط الاشتباك ضمن حدود محسوبة.
في حين أن السيناريو الثالث وفق زلزلي يقوم على تصعيد محدود، أي عبر توترات أمنية أو رسائل ميدانية مدروسة إن صح التعبير ما يعني استخدام لبنان كساحة ضغط غير مباشرة، ولكن دون الانزلاق إلى فقدان السيطرة أو اندلاع حرب واسعة.
وفيما يخص سيناريو التصعيد الواسع، شدد عباس زلزلي على أنه يبقى الأقل احتمالًا، ولا يمكن أن يتحقق إلا إذا توسع الصراع الإقليمي بشكل كبير، وعندها قد يصبح لبنان جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع، مع ما يحمله ذلك من مخاطر جدية بفقدان القدرة على ضبط التوتر داخليًا.
الباحث اللبناني عباس زلزلي
وبين كل هذه السيناريوهات، يجد لبنان نفسه أمام تحدي الحفاظ على سيادته، في ظل قرارات كبرى تتجاوز حدوده وتفرض عليه من الخارج.
وحول دمج الملف اللبناني في مفاوضات إيران والولايات المتحدة، يقول الباحث اللبناني علي يحيى إن هذا المسار تحاول العديد من الأطراف دعمه عبر جهود عربية، إلى جانب محاولات دولية أخرى، مشيرًا إلى أن هذه الجهود قد تبدو مؤثرة نظريًا، لكنها عمليًا لا تحقق نجاحًا واضحًا حتى الآن، خاصة في ظل الاتجاه نحو جولات تصعيد جديدة، لافتاً إلى أنه فيما يتعلق بالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، فهي تجري بوساطة أمريكية، وهذه الوساطة بحد ذاتها تثير جدلًا داخل لبنان، نظرا لاعتبار بعض الأطراف أن الولايات المتحدة ليست وسيطا محايدا، بل طرفا منخرطا في الصراع.
من جانبه، يرى عباس زلزلي أن منطق الأمور يشير إلى أن نجاح الولايات المتحدة في فصل مسارات الملفات، إن تحقق، سيكون جزئيًا لا كاملًا، ويشير إلى أن واشنطن قد تتمكن من الدفع نحو هذا الفصل دبلوماسيا، أي على مستوى الخطاب الإعلامي أو المفاوضات، لكنها تصطدم بواقع ميداني مختلف، إذ تتعامل إيران مع المنطقة كمنظومة مترابطة، وقد أثبتت التجربة أنها لن تفرط في حلفائها في لبنان.
واشار أن دعم إيران لحزب الله في لبنان واستمرار الاحتلال الإسرائيلي والتفاف المزاج الشعبي الشيعي حول خيار دعم الحزب، بالإضافة إلى حصول ثنائي أمل وحزب الله على كل النواب الشيعة في البرلمان يجعل المكون الشيعي بلوكا صلبا ومقررا في الداخل اللبناني ولا يمكن تخطيه، إضافة إلى القوة العسكرية لحزب الله، وهذه العوامل تجعل الفصل الكامل صعبا، لأن أي تفاوض إقليمي كبير غالبًا ما يتأثر بتوازن القوى على الأرض، موضحاً أن الانعكاس الأساسي لإدراج لبنان ضمن المقترحات الإيرانية هو أن لبنان يتحول من طرف مستقل في التفاوض إلى جزء من ميزان تفاوضي أوسع وأن ذلك سيخلق تقلصًا في هامش القرار المستقل لأن معظم عناصر القوة داخل لبنان مرتبطة بمحاور خارجية.
وأضاف من جهة الدور الإقليمي فإن تضمين لبنان في المفاوضات بين إيران وأمريكا قد يُكسبه وزنًا تفاوضيًا غير مباشر وسندا إقليميا، موضحا أن نظريا الدولة اللبنانية تملك حق الرفض السياسي، لكن عمليا قدرتها محدودة بسبب الانقسام الداخلي، وتعدد مراكز القوة داخل الدولة، وارتباط بعض الفاعلين المحليين بمحاور إقليمية، وأكد أن لبنان يستطيع الاعتراض سياسيًا، لكنه لا يستطيع دائمًا فرض حياد كامل في المعادلات الإقليمية الكبرى.
في ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الولايات المتحدة انتزاع الملف اللبناني من طاولة التفاوض، أم أن إيران ستنجح في تكريس ربطه ببقية ملفات الصراع؟ الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل المفاوضات، بل شكل التوازنات في المنطقة بأسرها.