العالم على حافة صدمة بترولية جديدة

السبت، 09 مايو 2026 11:50 م
العالم على حافة صدمة بترولية جديدة
محمد فزاع

 

سيناريو الوصول إلى 150 دولارًا للبرميل يتقرب.. وتخوفات ضغوط على الموازنات ورفع الأسعار والتضخم

خبير اقتصادى لـ"صوت الامة": السيناريو المتوقع "كارثى" ولن يتمكن المستهلكين من تحمل النتائج

 

يقف سوق النفط العالمي حاليًا عند نقطة تحول شديدة الحساسية، مع وصول الأسعار إلى نحو 112.39 دولارًا للبرميل، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، وتحديدًا مع استمرار تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما ترتب عليها من اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.

هذا الوضع أعاد إلى الأذهان سيناريوهات الصدمات النفطية الكبرى، وفتح الباب أمام تساؤلات حاسمة حول ما قد يحدث إذا قفزت الأسعار إلى مستويات 150 دولارًا، أو حتى 200 دولار للبرميل، في ظل تعثر الحلول السياسية، وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.

ولا تأتي هذه المخاوف من فراغ، إذ شهدت الأسواق سبعة ارتفاعات يومية متتالية، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ مطلع أبريل، مدفوعة بتعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، واستمرار القيود على الملاحة في مضيق هرمز، ما أدى إلى تقليص الإمدادات الفعلية رغم إعلان تحالف «أوبك+» زيادة الإنتاج بنحو 188 ألف برميل يوميًا، غير أن هذه الزيادة تبدو نظرية إلى حد كبير، في ظل عدم قدرة المنتجين على تصدير النفط بشكل طبيعي، وهو ما يعكس فجوة حقيقية بين المعروض والمعلن.

ويزيد من تعقيدات المشهد انسحاب الإمارات من «أوبك» و«أوبك+»، وهو تطور يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد خروج عضو من التكتل، ليطرح تساؤلات حول قدرة المنظمة على الاستمرار في لعب دور «صانع التوازن» في سوق النفط العالمي، خاصة في ظل الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة، ومع تراجع قدرة التكتل على التنسيق الفعال بين المنتجين، تصبح الأسواق أكثر عرضة للتقلبات الحادة، ما يدفع الأسعار نحو مستويات غير مسبوقة.

في هذا السياق، لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على الدول المنتجة أو المستهلكة بشكل منفصل، بل يمتد ليشكل ضغطًا واسعًا على الاقتصاد العالمي بأكمله، من خلال رفع تكاليف النقل والإنتاج، وزيادة معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، وهو ما يهدد بدخول الاقتصاد العالمي في موجة ركود جديدة.

كما أن الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها مصر، تواجه تحديات إضافية في تدبير احتياجاتها من العملة الصعبة، خاصة مع القفزات الكبيرة في فاتورة الاستيراد، التي ارتفعت من 1.2 مليار دولار إلى نحو 2.5 مليار دولار خلال شهرين فقط. ومن هنا، يصبح التساؤل الرئيسي: ماذا لو وصلت أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل؟ وما هي التداعيات المحتملة على الشرق الأوسط والعالم؟ وهل يمثل انسحاب الإمارات من «أوبك» بداية لتفكك منظومة ضبط السوق؟ أم مجرد إعادة تموضع داخل خريطة الطاقة العالمية؟

 

صدمة اقتصادية عالمية محتملة

يمثل وصول أسعار النفط إلى مستوى 150 دولارًا للبرميل نقطة تحول خطيرة في مسار الاقتصاد العالمي، حيث يدخل العالم في ما يمكن وصفه بـ"صدمة تكلفة شاملة"، تتجاوز تأثيراتها قطاع الطاقة لتضرب جميع مفاصل النشاط الاقتصادي، وتاريخيًا، كل قفزة كبيرة في أسعار النفط كانت مرتبطة إما بركود اقتصادي أو تباطؤ حاد في النمو، وهو ما يجعل هذا السيناريو مصدر قلق حقيقي لصناع القرار في مختلف الدول.

في هذا المستوى السعري، ترتفع تكلفة الإنتاج في معظم القطاعات الصناعية، خاصة الصناعات كثيفة الطاقة مثل الحديد والأسمنت والبتروكيماويات، وهو ما يؤدي إلى موجة تضخم واسعة النطاق، فارتفاع سعر النفط لا ينعكس فقط على الوقود، بل يمتد إلى تكاليف النقل والشحن، وبالتالي أسعار الغذاء والسلع الأساسية، وهو ما يخلق ما يُعرف بـ"التضخم المستورد" في الدول غير المنتجة للطاقة.

وبحسب تقارير اقتصادية، فإن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر النفط قد ترفع معدلات التضخم العالمية بنحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية، ما يعني أن القفز من 100 إلى 150 دولارًا قد يدفع التضخم إلى مستويات يصعب السيطرة عليها، خاصة في الاقتصادات الناشئة، وهنا تتدخل البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة، ما يؤدي بدوره إلى تباطؤ الاستثمار وزيادة تكلفة الاقتراض، وبالتالي الدخول في دائرة مفرغة من التضخم والركود.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي د. وليد جاب الله، في تصريحات خاصة لـ«صوت الأمة» أن الوصول إلى سقف 150 دولارًا "ليس في مصلحة أحد"، مشيرًا إلى أن هذا المستوى سيؤدي إلى "إفقار العالم" نتيجة ارتفاع معدلات التضخم بشكل حاد، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين في مختلف الدول، موضحا أن ارتفاع الأسعار بهذا الشكل سيدفع المنتجين إلى مواجهة أزمة طلب، حيث لن يتمكن المستهلكون من تحمل هذه الأسعار، ما يؤدي في النهاية إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي.

كما يحذر «جاب الله» من أن هذا السيناريو قد يدفع العالم إلى مرحلة «ركود كبير»، في ظل ارتفاع مستويات الدين العالمي، وتزايد الضغوط على الحكومات لتوفير التمويل اللازم لتغطية احتياجاتها الأساسية، فمع ارتفاع تكلفة الطاقة، ترتفع أيضًا تكلفة الدعم الحكومي في العديد من الدول، ما يضغط على الموازنات العامة، ويزيد من عجز الميزانيات.

ومن زاوية أخرى، فإن ارتفاع أسعار النفط إلى هذا المستوى قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات العالمية، خاصة في ظل حالة عدم اليقين، حيث تتجه الشركات إلى تقليل الإنفاق وتأجيل خطط التوسع، وهو ما ينعكس سلبًا على معدلات النمو والتوظيف، كما قد يتأثر قطاع الطيران بشكل خاص، مع توقعات بنقص وقود الطائرات وارتفاع تكلفته، ما ينعكس على أسعار تذاكر السفر وحركة السياحة العالمية.

وأوضح جاب الله أنه في حالة الوصول إلى صيغة من صيغ السلام والتفاهم ما بين البلايات المتحدة الأمريكية وإيران، يمكن النزول بسقف أسعار البترول إلى تحت مستوى 90 دولار للبرميل وربما تدور ما بين 75 و85 دولار للبرميل أما في حالة اشتعال الأوضاع مرة أخرى واتجاه الأسعار النفط إلى مستويات كبيرة فإن هذا الأمر سيعمق من المشكلة الاقتصادية العالمية وسيرفع من ليس فقط أسعار النقل ولكنه سيمتد إلى أسعار كافة السلع والخدمات في العالم.

وبذلك، فإن سيناريو 150 دولارًا لا يمثل مجرد ارتفاع في الأسعار، بل يعكس تحولًا هيكليًا في الاقتصاد العالمي، قد يعيد ترتيب أولويات الدول، ويدفعها إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة، وتقليل الاعتماد على النفط، كوسيلة لتقليل التعرض لمثل هذه الصدمات في المستقبل.

 

سيناريوهات الأسعار وتأثيرها المباشر على الشرق الأوسط

في ظل المعطيات الحالية التي تشير إلى وصول سعر النفط إلى نحو 112.39 دولار للبرميل، تظل الأسواق العالمية في حالة ترقب لعدة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين الاستقرار النسبي أو التصعيد الحاد نحو مستويات 150 للبرميل، ويُعد هذا النطاق السعري المرتفع نقطة تحول خطيرة، خاصة لدول الشرق الأوسط التي تعتمد بشكل كبير على إيرادات الطاقة أو على استيرادها في الوقت نفسه.

فعلى مستوى الدول المصدّرة للنفط، قد يبدو ارتفاع الأسعار في البداية مكسبًا ماليًا، حيث ترتفع الإيرادات الحكومية بشكل كبير، إلا أن هذه المكاسب قد تكون مؤقتة، لأن استمرار الأسعار المرتفعة يؤدي إلى تراجع الطلب العالمي، وبالتالي انخفاض حجم الصادرات على المدى المتوسط، أما الدول المستوردة، فتواجه ضغوطًا مزدوجة، تتمثل في ارتفاع فاتورة الاستيراد وزيادة عجز الموازنة، وهو ما ينعكس مباشرة على مستويات التضخم وسعر العملة المحلية.

وفي الحالة المصرية، تتضح هذه الضغوط بشكل كبير من خلال القفزة في فاتورة استيراد المواد البترولية، التي ارتفعت من 1.2 مليار دولار قبل الأزمة إلى 2.5 مليار دولار خلال شهر واحد فقط، أي بزيادة تتجاوز 100%، وهو ما يمثل عبئًا مباشرًا على موارد النقد الأجنبي، وإذا ما ارتفعت الأسعار إلى 150 دولارًا، فمن المتوقع أن تتضاعف هذه الفاتورة مرة أخرى، ما يضع الحكومة أمام خيارات صعبة تشمل ترشيد الاستهلاك، أو إعادة هيكلة الدعم، أو البحث عن مصادر تمويل إضافية.

كما أن تأثير ارتفاع النفط لا يقتصر على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، بدءًا من النقل والشحن، وصولًا إلى الصناعة والغذاء، حيث تدخل الطاقة كمكون أساسي في تكلفة الإنتاج، وبالتالي، فإن أي زيادة في أسعار النفط تؤدي تلقائيًا إلى موجة تضخمية شاملة، ترفع أسعار السلع والخدمات، وتؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي هذا السياق، يصبح ترشيد استهلاك الطاقة ليس خيارًا بل ضرورة اقتصادية، خاصة في الدول التي تعاني من فجوة بين الإنتاج والاستهلاك، كما تبرز أهمية تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على النفط وتقلباته.

أما على المستوى الإقليمي، فإن استمرار التوترات في منطقة الخليج، خاصة مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، يزيد من تعقيد المشهد، حيث يمر عبر هذا المضيق نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملًا مباشرًا في دفع الأسعار نحو مستويات قياسية.

وبالتالي، فإن الوصول إلى سعر 150 دولارًا للبرميل يعكس حالة من الاختلال العميق في توازنات السوق العالمية، ويطرح تحديات غير مسبوقة أمام الحكومات، سواء في الشرق الأوسط أو على مستوى العالم.

 

ماذا يعني انسحاب الإمارات من أوبك؟

يمثل انسحاب الإمارات من تحالف «أوبك» تحولًا استراتيجيًا في خريطة سوق النفط العالمية، خاصة في توقيت يتسم باضطرابات جيوسياسية حادة وارتفاعات متتالية في الأسعار، فالإمارات لم تكن مجرد عضو عادي داخل التحالف، بل واحدة من الدول القليلة القادرة على زيادة الإنتاج بسرعة، ما يجعل خروجها عاملًا مؤثرًا في معادلة العرض والطلب.

فعلى المستوى الكمي، يؤدي انسحاب الإمارات إلى تقليص القدرة الفعلية للتحالف على ضبط الإنتاج، حيث كانت تمثل جزءًا من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية التي يعتمد عليها السوق في أوقات الأزمات، أما على المستوى الاستراتيجي، فإن هذا الانسحاب يفتح الباب أمام نمط جديد من السياسات النفطية، حيث قد تتجه أبوظبي إلى اتباع سياسة إنتاج أكثر مرونة، تستهدف تعظيم الإيرادات بغض النظر عن التزامات خفض الإنتاج الجماعي، وهذا بدوره قد يؤدي إلى زيادة التنافس داخل السوق، ويضعف من قدرة «أوبك» على الحفاظ على سقف سعري مستقر.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا التحول قد يعكس تغيرًا أعمق في توازنات القوى داخل التحالف، خاصة مع تزايد الفجوة بين الحصص الإنتاجية المعلنة والإنتاج الفعلي لبعض الدول، فمثلًا، رغم تحديد حصة السعودية عند نحو 10.291 مليون برميل يوميًا، فإن إنتاجها الفعلي كان أقل بكثير عند 7.76 مليون برميل، ما يعكس صعوبة الالتزام بالحصص في ظل الظروف الحالية.

وبالنسبة للأسواق، فإن انسحاب الإمارات يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين، حيث لم يعد هناك ضمان لالتزام جميع المنتجين بسياسات موحدة، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مزيد من التقلب، خاصة إذا تزامن ذلك مع استمرار التوترات الجيوسياسية أو تعطل سلاسل الإمداد.

 

موجة تضخم جديدة مدفوعة بالطاقة

توقع البنك الدولي أن تشهد أسعار السلع العالمية موجة ارتفاع جديدة خلال عام 2026، بزيادة تُقدَّر بنحو 16%، في أول صعود سنوي منذ عام 2022، لتظل الأسعار أعلى بنحو 25% مقارنة بالتقديرات الصادرة في يناير الماضي.

وتعكس هذه التوقعات استمرار الضغوط على الأسواق العالمية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تعطل سلاسل الإمداد، وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط.

ويستند هذا السيناريو إلى فرضية استمرار اضطرابات الإمدادات، خصوصًا في أسواق الطاقة والأسمدة، حيث يُرجح أن ترتفع أسعار الطاقة بنحو 24% خلال العام، فيما تقفز أسعار الأسمدة بنسبة تصل إلى 31%، ما ينذر بآثار ممتدة على تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي على حد سواء.

وبحسب تقرير «آفاق أسواق السلع» الصادر عن البنك الدولي، من المتوقع أيضًا ارتفاع أسعار المعادن والموارد الطبيعية بنسبة 17% مدفوعة بالطلب العالمي القوي، في حين قد تسجل المعادن النفيسة قفزة أكبر تصل إلى 42%، لتلامس مستويات قياسية باعتبارها ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات.

وعلى الجانب الآخر، يُتوقع تراجع أسعار السلع الزراعية بنحو 6%، نتيجة انخفاض أسعار بعض السلع مثل الكاكاو والقهوة، بما يفوق تأثير الزيادة في أسعار الغذاء الأساسية.

وشهدت أسواق السلع خلال الربع الأول من عام 2026 تقلبات غير مسبوقة، مدفوعة بمخاوف نقص الإمدادات نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، وكانت أسواق الطاقة الأكثر تأثرًا، حيث قفز سعر خام «برنت» من نحو 72 دولارًا للبرميل في نهاية فبراير إلى 118 دولارًا بنهاية مارس، مسجلًا واحدة من أكبر الزيادات الشهرية في تاريخه.

كما أدى تراجع صادرات الطاقة من المنطقة إلى اشتداد المنافسة على الغاز الطبيعي المسال، ما دفع الأسعار للارتفاع بشكل حاد، خاصة في آسيا وأوروبا، حيث سجلت زيادة بنسبة 94% في الأسواق الآسيوية و59% في الأسواق الأوروبية خلال شهر واحد فقط.

ورغم هذه الاضطرابات، حافظت أسعار السلع الزراعية على قدر من الاستقرار النسبي، إذ ساهم انخفاض أسعار بعض المحاصيل في موازنة الارتفاع في أسعار الغذاء، وهو ما حدّ جزئيًا من الضغوط التضخمية على هذا القطاع.

وأشار البنك الدولي إلى أن بعض العوامل ساهمت في تهدئة الأسواق نسبيًا، مثل التخفيف المؤقت للعقوبات على صادرات إيران وروسيا وفنزويلا، إلى جانب الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطات الاستراتيجية، ومع ذلك، ظل السعر بنهاية مارس أعلى بنحو 65% مقارنة ببداية أبريل من العام السابق، ما يعكس استمرار حالة عدم الاستقرار في السوق.

ورغم هذه التقلبات، يتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 86 دولارًا للبرميل خلال عام 2026، قبل أن يتراجع إلى 70 دولارًا في 2027، وذلك بشرط تحسن أوضاع الإمدادات خلال النصف الثاني من العام، وهو سيناريو لا يزال مرهونًا بتطورات المشهد الجيوسياسي.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق