الحروب أم مقامرات

الأحد، 10 مايو 2026 09:00 ص
الحروب أم مقامرات
حمدي عبد الرحيم يكتب:

من الذي يضمن أن سوق المراهنات ليس هو الذي يقود العالم الآن وليس هو الذي يتحكم في سياسات الدول وتوجهات الجيوش

مسخ المعاني الجليلة، بحيث تصبح سيناء مثل سونيا، وطنطا مثل فرنسا، وطول الأمور كعرضها، هو أمر مؤلم غاية الألم للذين يعرفون مكانة المعاني الجليلة، ولهؤلاء كتب العبقري صلاح جاهين رباعيته التي قال فيها:

"يا حزين يا قمقم تحت بحر الضياع

حزين أنا زيك وإيه مستطاع

الحزن ما بقالهوش جلال يا جدع

الحزن زي البرد.. زي الصداع".

هل تدرك فداحة أن يصبح الحزن كأنه نوبة برد وعطس وسعال، أو يصبح صداعًا تذهبه حبة دواء وكوب شاي أو فنجان قهوة؟.. أن كنت تعرف جلال الحزن وقدره فأنت حقًا تعرف معنى الحروب، حيث الدماء والأشلاء والأوطان الممزقة، والقوة التي لا تحترم المعنى ولا تقيم للرمز ميزانًا، الرقيب أول كين فان دايك، الأمريكي الجنسية والجندي في القوات الخاصة الأمريكية الذي يعيش فترة فتوة الشباب ونضجه فهو دون الأربعين بسنتين فقط، قدم دليلًا عمليًا على مسخ المعاني الجليلة، فعندما كان وطن ينهار وجثث تتمزق كان الرقيب أول يراكم مكاسبه المادية، لقد جعل أمر الحرب بكل ما تعنيه كلمة الحرب من معاني مجرد حفل قمار!

سيادة الرقيب أول جانون كين فان دايك، كان عضوًا فاعلًا في العملية التي عرفناها باسم "العزم المطلق" والتي كانت تستهدف غزو دولة فنزويلا واعتقال رئيسها وقلب نظام حكمها، العملية كانت في غاية السرية وكان التخطيط لتنفيذها يجري قبل بدء التنفيذ بأشهر، وفي قلب غرفة العمليات كان الرقيب أول لا يراقب العدو ولكن يراقب تحركات جيش بلاده ويفضح خططه.

في اللحظة التي تأكد فيها الرقيب أول من أن اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو هو هدف رئيس من أهداف العملية أدرك أنه قد عثر على كنز سيفتح لها بوابات الثراء الخرافي!

بدأ السعي خلف الثروة ففتح حسابًا على منصة مراهنات عالمية، وقام بتزوير بياناته بحيث يبدو كأنه يراهن من خارج الولايات المتحدة الأمريكية.

هنا لا بد من كلمة عن نهج منصات المراهنات، المنصات لا تراهن على غيب مطلق ولا على أمر بديهي، فلا توجد ولن توجد منصة تراهن على تحديد يوم القيامة ولن تجد منصة تراهن على هل الشمس تشرق من الشرق أم من الغرب، المنصات تراهن على أمور جدلية بطبيعتها فكما هي قابلة للوجود فهي قابلة للغياب، العالم كله أيامها كان في شك من أمر العملية وهل سيتم حقًا اعتقال رئيس فنزويلا أم الأمر مجرد حصار سيفرضه الأمريكان وستستلم فنزويلا له فيحصل الأمريكان على ما يريدون بدون طلقة رصاص واحدة، هذه الشكوك هي ملعب المنصات وهى التي جعلت الرقيب أول يراهن بجسارة لأنه يمتلك المعلومة، فقد راهن على أن العملية ستبدأ وتنتهي في ليلة واحدة ويكون حدثها الضخم ظهور مادورو معتقلا في شوارع نيويورك.

قالت التحقيقات التي خضع لها الرقيب أول: إنه شارك فعلياً في تنفيذ المداهمة الليلية في كاراكاس في 3 يناير 2026، بل والتقطت له صور بالزي العسكري وهو يحمل بندقية على متن سفينة حربية.

بالفعل حدث كل ما راهن عليه الرقيب أول، فقد بدأت العملية وانتهت في ساعات، تمزقت جثث حراس مادورو وظهر معتقلًا برفقة زوجته في شوارع نيويورك، وربح الرقيب أول جانون كين فان دايك أربعمئة ألف دولار أمريكي، في لحظة واحدة دون أن تسقط من جبهته نقطة عرق واحدة!

من الواضح أن أحدهم قد وشى به، فتم القبض عليه واعترف بتفاصيل كارثة مسخ المعاني الجليلة، فهو في نظر القانون الأمريكي قد خان بلاده لأنه أفشي أسرارًا عسكرية حساسة لكي يربح مئات ألوف الدولارات بدون وجه حق.

هو الآن رهن المحاكمة التي ستعاقبه حتمًا لإفشائه أسرار عمله العسكري الخطير، ولكنها ستقف عاجزة أمام البُعد الأعمق للكارثة، بُعد مسخ المعاني الجليلة، هذه سيفلت منها سيادة الرقيب أول فلا وجود لعقوبة على مسخ المعاني في مواد قانون العقوبات لأي بلد!

من الذي يضمن لنا أن سوق المراهنات ليس هو الذي يقود العالم الآن وليس هو الذي يتحكم في سياسات الدول وتوجهات الجيوش، هل لدى أحد ضمانة؟

من الذي يضمن لنا أن كرة اللهب التي تجتاح الآن كل منطقة الشرق الأوسط لا يقف خلفها إلا أمثال الرقيب أول جانون كين فان دايك؟

نعرف تاريخيًا أثرياء الحرب، ونعرف أن المجتمعات كانت تنبذهم وتعايرهم بمكاسبهم التي حققوها من خلال تخزين السلع والبضائع وطرحها في الأسواق السوداء، ولكن أن يصلح الأمر إلى المقامرة على مستقبل بشر وبلدان لكي يحقق أهدهم أرباحًا فهذا مؤشر خطير جدًا على انحطاط قد أصاب الحضارة الإنسانية!

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة