كيف يتم التسوية بين الأبن والبنت في الهبة حال الحياة؟ دار الإفتاء تجيب

الإثنين، 11 مايو 2026 11:48 ص
كيف يتم التسوية بين الأبن والبنت في الهبة حال الحياة؟ دار الإفتاء تجيب
منال القاضي

أجابت دار الإفتاء على سائل يقول: امرأةٌ لها أولادٌ ذكورٌ وإناث، وتريد أن تهب لهم جزءًا من مالها في حياتِها، فهل إذا أرادت أن تسوي بينهم في الهبة تعطي الذكر كالأنثى، أو تعطي الذكر مثل حظ الأنثيين كقسمة الميراث؟ وهل يجوز لها أن تفاضل بينهم في الهبة؟

الجواب:
يجوز شرعًا للمرأة المذكورة أن تهب جزءًا من مالها في حياتها لأولادها، والأصل أن تسوي بينهم في الهبة إذا كانوا في الحاجة أو عدمها سواء، وتتحقق هذه التسوية بأن تهب الذكر كالأنثى كما هو قول جمهور الفقهاء، أو تهب الذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قول جماعة من الفقهاء، وبأيٍّ من الرأيين عملَت فلا إثم عليها ولا حرج.
 
فإن كان هناك معنًى معتبرٌ في بعض أولادها يقتضي التفضيل، كالاشتغال بالعلم، أو الحاجة، أو المرض، أو كثرة العيال، أو المكافأة على البر، أو نحو ذلك، فإن التفضيل جائز حينئذٍ من غير إثم عليها في ذلك ولا حرج.
 
حث الشرع الشريف على التسوية بين الأولاد في الهبات
الأصل المقرر شرعًا أنَّ الإنسانَ حرُّ التَّصرُّف فيما يدخل تحت ملكه، ببيعه أو هبته أو وقفه أو إجارته أو غير ذلك من التصرفات الشرعية التي هي فرع عن الملك، فعن حِبَّان بن أبي جَبلة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِن وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ» أخرجه الإمامان: البيهقي، والدارقطني.
 
ومع ذلك فقد طلب الشَّرع الشريف من المُكلَّف أن يُسَوِّيَ بين أولاده في خصوص هبته لهم؛ لئلَّا يورث بينهم العداوة والبغضاء أو يفتح لهم بابًا إلى قطيعة الرحم.
 
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، اشهَد أنِّي قد نَحَلتُ النعمانَ كذا وكذا من مالي، فقال: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَد نَحَلتَ مِثلَ ما نَحَلتَ النُّعمَانَ؟» قالَ: لَا، قَالَ: «فَأَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَن يَكُونُوا إِلَيكَ فِي البِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا» أخرجه الإمام مسلم.
 
وعن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَاوُوا بَينَ أَولَادِكُم فِي العَطِيَّةِ، وَلَو كُنتُ مُؤثِرًا أَحَدًا لَآثَرتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ» أخرجه الإمام سعيد بن منصور.
 
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (6/ 127، ط. دار الكتب العلمية) عند ذكره حكم التسوية بين الأولاد في الهبة: [ولأنَّ في التسوية تأليف القلوب، والتفضيل يورث الوحشة بينهم، فكانت التسوية أولى] اهـ.
 
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (6/ 52، ط. مكتبة القاهرة) في سياق حديثه عن التسوية بين الأولاد في الهبة: [ولأنَّ تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوةَ والبغضاءَ وقطيعةَ الرحم، فمنع منه] اهـ.

حكم المفاضلة بين الأولاد في الهبات
الفقهاء متفقون على أنَّ محلَّ الأمر بالتسوية بين الأولاد في الهبة إنَّما هو عند استوائهم في الحاجة أو عدمها، أمَّا إذا وُجد معنًى معتبرٌ في بعضهم يقتضي التفضيل، كالاشتغال بالعلم، أو الحاجة، أو المرض، أو كثرة العيال، أو المكافأة على البر، فإنَّه يخرج عن محلِّ الأمر بالتسوية والنهي عن المفاضلة، وكذلك يخرج عن ذلك حرمانُ بعض الأولاد من الهبة حال الحياة لمعنىً معتبرٍ شرعًا، كالسَّرَف، أو العقوق، أو الفسق، أو إتلاف المال، أو نحو ذلك.
 
واستدلَّ الفقهاء على ذلك بما ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من أنَّهم فضَّلوا بعض أبنائهم دون نكير عليهم من باقي الصحابة، فقد فَضَّل أبو بكر عائشةَ رضي الله عنهما، وكذلك فَضَّل عُمرُ رضي الله عنه ابنَه عاصمًا بشيء أعطاه إيَّاه، وفَضَّل عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رضي الله عنه ولدَ أمِّ كلثوم.
 
قال الإمام المُزَني في "المختصر" (1/ 696-697، ط. دار مدارج): [قد فضَّلَ أبو بكر عائشة بنخلٍ، وفضَّلَ عمرُ عاصمًا بشيءٍ أعطاه إيَّاه، وفضَّلَ عبد الرحمن بن عوف ولدَ أمِّ كلثوم] اهـ.
 
وقال الإمام البيضاوي معلِّقًا على ذلك -كما نقله عنه الإمام المُناوي في "فيض القدير" (1/ 127، ط. المكتبة التجارية الكبرى)-: [وقُرِّرَ ذلك ولم ينكر عليهم، فيكون ذلك إجماعًا] اهـ.
 
وقال العلامة شيخي زاده الحنفي في "مجمع الأنهر" (2/ 358، ط. دار إحياء التراث العربي): [وإن كان بعض أولاده مشتغلًا بالعلم دون الكسب: لا بأس بأن يفضِّله على غيره، وعلى جواب المتأخِّرين: لا بأس بأن يعطي مِن أولاده مَن كان عالمًا متأدِّبًا، ولا يعطي منهم من كان فاسقًا فاجرًا] اهـ.
 
وقال الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (6/ 94، ط. مطبعة السعادة): [في "العتبية" عن مالك في الرجل يكون له الولد فيبره بعضهم، فيريد أن يعطيه عطية من ماله دون غيره: لا بأس بذلك] اهـ.
 
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (3/ 567، ط. دار الكتب العلمية): [محل الكراهة عند الاستواء في الحاجة أو عدمها، وإلَّا فلا كراهة، وعلى ذلك يحمل تفضيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيما مرَّ، ويستثنى العاق والفاسق إذا علم أنَّه يصرفه في المعاصي، فلا يكره حرمانه] اهـ.
 
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (6/ 53): [فإن خَصَّ بعضهم لمعنًى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زَمَانة، أو عمًى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك] اهـ.
 
ثم اختلف الفقهاء في حكم المفاضلة بين الأولاد في الهبة إذا لم يكن هناك معنًى معتبرٌ يقتضي التفضيل، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى كراهة المفاضلة، واستثنى المالكيةُ -في رواية- هبةَ الأقل من المال من الكراهة، إذ خصُّوا الكراهة بما إذا كانت الهبة لجميع المال أو أكثره.
 
قال العلامة ابن نُجَيم الحنفي في "البحر الرائق" (7/ 288، ط. دار الكتاب الإسلامي): [يُكرَه تفضيل بعض الأولاد على البعض في الهبة حالة الصحة] اهـ.
 
وقال الإمام أبو الوليد بن رشد المالكي في "البيان والتحصيل" (13/ 401، ط. دار الغرب الإسلامي): [لا اختلاف أنَّه يكره للرجل أن يهَبَ لبعض ولده دون بعضٍ جُلَّ ماله، ويختلف في هبة الرجل الأقلَّ من ماله لبعض ولده دون بعض، فقيل: إنَّه جائز لا بأس به، وهو قوله في هذه الرواية] اهـ.
 
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (2/ 483، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(يُكره) للوالد وإن عَلَا (أن يهب لأحد ولديه أكثر) من الآخر (ولو ذكرًا)] اهـ.
 
وإنَّما حمل جمهور الفقهاء نهي الشارع عن المفاضلة على الكراهة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا النعمان رضي الله عنهما بإشهاد غيره عليها، ولا يُباح الإشهاد إلَّا على أمرٍ جائز، فلو كانت الهبة حينئذٍ محرَّمةً أو باطلةً لما أمره بذلك، وأما امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الشهادة إنما هي على وجه التنزه لترك بشيرٍ رضي الله عنه الأفضلَ.
 
قال الإمام ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (2/ 154، ط. مطبعة السنة المحمدية): [وربَّما استدل على ذلك بالرواية التي قيل فيها: «أَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي» فإنها تقتضي إباحة إشهاد الغير، ولا يباح إشهاد الغير إلا على أمرٍ جائز، ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الشهادة على وجه التنزه] اهـ.
 
وقال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (5/ 2009، ط. دار الفكر): [«فَأَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي»، ولو كان حرامًا وباطلًا لما قال هذا] اهـ.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق