مصر تعيد رسم التوازنات داخل القارة السمراء
السبت، 16 مايو 2026 06:01 م
أهمية تشجيع صادرات الدول النامية إلى الأسواق الخارجية.. ودعم تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية بسلاسل الإمداد بين دول القارة
من العاصمة الكينية، نيروبي، أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسى رسم خريطة التوازنات في القارة الأفريقية، محدداً السلام الهدف الإستراتيجى التي تسعى له الدولة المصرية، خاصة تجاه الأشقاء الأفارقة، من خلال سياسة تقوم على صنع السلام والاستقرار وعدم الانخراط في الحروب والصراعات، بالتوازى مع وضع رؤية واستراتيجية ناجحة لتنمية أفريقيا ودولها من خلال تقديم كافة أشكال الدعم لتحقيق تنمية مستدامة تحقق أهداف الشعوب الأفريقية في عيش كريم وتنمية طموحة لغد أفضل وأكثر أشراقا.
لم تكن المشاركة الرئاسية في قمة إفريقيا – فرنسا، التي حملت شعار "أفريقيا إلى الأمام"، مجرد تواجد بروتوكولى، بل حملت أهداف واضحة، تقود إلى إصلاح الأوضاع التنموية والاقتصادية في أفريقيا، ارتباطاً بالعمل على إصلاح النظام المالي العالمي. واختتمت القمة بإعلان مشترك يوقعه نحو 30 رئيس دولة وحكومة، تضمن مبادئ جديدة للشراكة، مع التركيز على الاستثمار والتنمية المستدامة وتعزيز السيادة الاقتصادية للدول الأفريقية.
ففي جلسة العمل التي خصصت لمناقشة إصلاح الهيكل المالي الدولي وتعزيز وصول الدول الأفريقية إلى التمويل المستدام، أكد الرئيس السيسي أن اضطراب مشهد الاقتصاد العالمى، وتراجع تدفقات المساعدات الإنمائية وتزايد المشروطيات، فضلا عن تداعيات تغير المناخ يجعل من إصلاح النظام المالي الدولي ضرورة حتمية لتحقيق السلام والتنمية، مشدداً في الوقت نفسه على أنه "لا تنمية بدون سلام.. ولا سلام بدون تنمية"، مؤكداً "أن التوترات الجيوسياسية المتنامية، بما فيها فى الشرق الأوسط، يترتب عليها آثار تقوض استقرار سلاسل الإمداد الدولية، وتؤثر سلباً على أمن الطاقة والغذاء وبشكل أشد وطأة على دولنا الإفريقية، التى تبذل مساعى مضنية في سبيل تحقيق أهداف التنمية لشعوبها في الوقت الذي تسعى فيه أيضا إلى الحفاظ على انضباطها المالى، وكبح جماح مستويات الدين بها".
وفى أشارته إلى ما تحدث به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والكينى وليام روتو، بإنها تشكل أساسا لإصلاح الهيكل المالى العالمى، بما يراعى شواغل الدول النامية، ويلبى طموحات شعوبها فى تحقيق التنمية المنشودة، جدد الرئيس السيسى تأكيده على أن اضطراب مشهد الاقتصاد العالمى، وتراجع تدفقات المساعدات الإنمائية وتزايد المشروطيات، فضلا عن تداعيات تغير المناخ يجعل من إصلاح النظام المالى الدولى ضرورة حتمية لتحقيق السلام والتنمية، وتبنى رؤية شاملة تعالج معضلة تمويل التنمية من خلال تعزيز فاعلية آليات التمويل، واستحداث آليات جديدة؛ مثل مبادلة الديون بمشروعات تنموية، والتوسع فى إصدار السندات الخضراء؛ لتنفيذ مشروعات صديقة للبيئة مع تطوير سياسات البنوك متعددة الأطراف، وحشد التمويل من المصادر العامة والخاصة.
ودعا الرئيس السيسى إلى "ضرورة كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون السيادية، خاصة فى الدول الإفريقية التي بات ينفق عدد كبير منها على خدمة الدين، أكثر مما ينفق على الصحة والتعليم معا"، لافتاً إلى أنه في مسار تحقيق الأهداف التنموية لدولنا، تبرز أهمية تشجيع صادرات الدول النامية إلى الأسواق الخارجية، ودعم فرص نمو الصناعات الوليدة في القارة الإفريقية، وكذا ضرورة التعاون لدعم تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية من خلال دعم سلاسل الإمداد بين الدول الإفريقية، وبناء القدرات والمهارات للشباب الأفريقي.
وأضاف الرئيس السيسى أنه "برغم تعاقب الأزمات الإقليمية والدولية، استطاعت مصر أن تواصل برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادي من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات، لضبط السياسات المالية والنقدية، وتطوير البيئة التشريعية، وتقديم حوافز جاذبة للاستثمار بالتوازى مع تطوير بنيتها التحتية في مجالات الطرق والاتصالات والنقل واللوجستيات بما يجعل مصر بوابة للقارة الإفريقية، بكل ما تمتلكه هذه القارة الشابة من فرص وإمكانيات واعدة للمستقبل"، معربا في الوقت ذاته عن تطلع إلى تعزيز التعاون مع فرنسا، وكافة الشركاء الدوليين والإقليميين، لمواصلة برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى مصر والدول الإفريقية، كما شدد على أن التعامل مع المشهد الاقتصادي العالمي المضطرب يتطلب التكاتف لتعزيز حوكمة الاقتصاد العالمي، وإحداث نقلة نوعية فى تطوير مؤسساته، "بحيث تمكننا من وضع حلول منصفة للإشكاليات القائمة على نحو يلبى طموحات شعوبنا لتحقيق التنمية المنشودة".
وشهدت قمة نيروبي، تحولات لافتة في الخطاب الفرنسي–الأفريقي، مع إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن حزمة استثمارات ضخمة موجهة للقارة، ستبلغ نحو 23 مليار يورو (ما يعادل 27 مليار دولار)، سيتم توجيهها إلى قطاعات رئيسية تشمل الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والزراعة، بالتوازي مع تأكيد الرئيس الكيني وليام روتو على أن مستقبل الشراكات مع أوروبا يجب أن يقوم على مبدأ "المساواة السيادية" وليس المساعدات أو التبعية، وإعلان ما
وأوضح ماكرون أن 14 مليار يورو ستأتي من شركات فرنسية، بينما ستسهم جهات أفريقية بنحو 9 مليارات يورو، في إطار شراكة اقتصادية مشتركة تهدف إلى تعزيز النمو داخل القارة، مؤكداً أن القمة تمثل "تحولًا ماليًا" في طبيعة العلاقات بين فرنسا والدول الأفريقية، بما في ذلك الدول التي كانت سابقًا ضمن نفوذها الاستعماري، مشددًا على أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على شراكات أكثر توازنًا.
كما أشار ماكرون إلى ضرورة منح أفريقيا مقعدا دائما داخل مجموعة العشرين، مؤكدا أن ذلك يعكس حجم القارة ودورها المتنامي في الاقتصاد العالمي، ويعزز من عدالة التمثيل في المؤسسات الدولية.
ومنذ تولّي الرئيس السيسي المسؤولية في يونيو 2014، بدا واضحًا أن القاهرة قررت إعادة تموضعها الإفريقي على أسس جديدة، لا تقوم فقط على استدعاء التاريخ، بل على تحويل الانتماء الإفريقي إلى مسار عمل سياسي واقتصادي وأمني وتنموي متكامل، فلم تعد إفريقيا في الخطاب المصري مجرد "دائرة" من دوائر السياسة الخارجية، بل أصبحت ساحة مركزية للأمن القومي، ومجالًا لتوسيع المصالح، وبناء الشراكات، وتكريس مبدأ "التنمية والتكامل الإقليمي" كعنوان رئيسي للحركة المصرية في القارة.
وإذا كان هذا التحول قد ظهر في الزيارات الرئاسية المكثفة، واستقبال القادة الأفارقة في القاهرة، فقد تجلى بوضوح أكبر في مشاركة الرئيس السيسي في قمم الاتحاد الإفريقي، وقمم الكوميسا، والمنتديات الإفريقية التي استضافتها مصر؛ حيث جرى الربط بين السلم والأمن، وإعادة الإعمار، والبنية التحتية، والتجارة البينية، وتمكين الشباب والمرأة، بوصفها مكونات مترابطة لمقاربة مصرية أوسع تجاه القارة.
واستندت رؤية الرئيس السيسي تجاه إفريقيا إلى عدة مرتكزات ثابتة، في مقدمتها الاعتزاز بالهوية الإفريقية لمصر، واعتبار القارة جزءًا أصيلًا من الأمن القومي المصري، وتوسيع التواصل السياسي مع مختلف الأقاليم الإفريقية، وتبني شعار "التنمية والتكامل الإقليمي"، والرهان على بناء القدرات والتعاون الفني، باعتبارهما مدخلًا لتثبيت الشراكة لا مجرد تقديم مساعدات عابرة، كما أكدت هذه الرؤية أهمية مواجهة التحديات المشتركة، مثل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والأوبئة وتدهور البيئة؛ وذلك من خلال تنسيق إفريقي أوسع.
وخلال رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي في 2019، طرح الرئيس السيسي أجندة متكاملة ربطت بين تطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتسريع إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية، وخلق فرص العمل للشباب، ومكافحة الإرهاب، وإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، وإطلاق منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة.
والشاهد ان قمم إفريقيا لم تكنبالنسبة لمصر مجرد ساحة لإعلان المواقف، بل منصة لعرض مشروعات محددة مثل طريق القاهرة–كيب تاون، والربط بين المتوسط وفيكتوريا، ومركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد النزاعات الذي تستضيفه القاهرة.
وفي منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة، قدّم الرئيس طرحًا أكثر نضجًا للعلاقة بين الأمن والتنمية، مؤكدًا أن السلام المستدام لا يتحقق إلا ببناء الدولة الوطنية، ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية والوساطة، مع تحويل إعادة الإعمار بعد النزاعات إلى مسار مؤسسي إفريقي.
أما في قمة الكوميسا 2021، ربطت مصر بين التعافي من جائحة كورونا والتكامل الصناعي والتجاري، وأطلقت رؤية "صنع في الكوميسا"، ودعت إلى إزالة العوائق الجمركية، ودعم سلاسل القيمة الإقليمية، والتحول الرقمي، بما يجعل التكامل الاقتصادي الإفريقي أداة عملية للنمو لا شعارًا سياسيًا فقط.
واتسعت مجالات التعاون المصري-الإفريقي في عهد الرئيس السيسي، لتشمل التنسيق السياسي في المحافل الدولية، ودعم السلم والأمن، ومكافحة الإرهاب، والتدريب الشرطي والقضائي، وبناء القدرات الدبلوماسية والإعلامية، والتبادل التجاري، والاستثمارات، والزراعة، والصحة، والري، والكهرباء، والبنية التحتية، ومكافحة الفساد، كما لعبت المؤسسات الدينية والثقافية المصرية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، دورًا كبيرًا في نشر خطاب الاعتدال والتواصل المعرفي مع المجتمعات الإفريقية.
وفي الإطار الاقتصادي، ربطت مصر بين التعاون الثنائي وبين العمل داخل التكتلات الإقليمية، خاصة الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية، وركزت على سلاسل القيمة، والتصنيع الإقليمي، والربط اللوجستي، وتخفيف العوائق أمام التجارة البينية، بما يجعل التعاون مع إفريقيا قائمًا على المصالح المتبادلة لا على الصيغة التقليدية للمساعدات فقط.
وأطلقت مصر الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في قمة مالابو عام 2014، عبر دمج الصندوق المصري للتعاون الفني مع إفريقيا مع صندوق التعاون الفني مع دول الكومنولث، لتصبح الذراع التنموية الرئيسية للدولة المصرية في إطار تعاون جنوب-جنوب، ونقل الخبرة، وبناء القدرات، والاستجابة للاحتياجات العاجلة للدول الإفريقية، وتوضح الإحصاءات أن حجم هذا التحرك، تمثل في تنظيم 700 دورة تدريبية، حضرها أكثر من 18 ألف متدرب، وإيفاد أكثر من 120 خبيرًا إلى إفريقيا والدول الإسلامية، وإرسال 20 قافلة طبية، و195 حاوية مساعدات لوجستية وإنسانية وطبية إلى إفريقيا، إلى جانب وجود عشرات الطلاب الدارسين في الجامعات المصرية على نفقة الوكالة.
وتكشف الحصيلة العامة عن أن التحرك المصري تجاه إفريقيا في عهد الرئيس السيسي جمع بين ثلاثة مسارات متوازية، أولها استعادة الحضور السياسي في الاتحاد الإفريقي والمحافل القارية، وثانيها توسيع العلاقات الثنائية عبر الزيارات المتبادلة، وثالثها نقل العلاقة إلى مستوى الشراكة العملية من خلال التدريب والمشروعات والبنية التحتية والتجارة.
ويؤكد التحرك المصري تجاه إفريقيا في عهد الرئيس السيسي، أن القاهرة لم تعد تتحدث عن إفريقيا فقط باعتبارها "عمقًا استراتيجيًا"، بل نظرت لها باعتبارها ساحة عمل يومي، وملفًا حاضرًا في القمم، والزيارات، والمبادرات والمشروعات.
وخلال سنوات حكم الرئيس السيسي، أعادت مصر نسج خيوط علاقتها بإفريقيا على نحو أكثر كثافة وواقعية، فمن قمة مالابو إلى رئاسة الاتحاد الإفريقي، ومن منتدى أسوان إلى الكوميسا، ومن الخرطوم وأديس أبابا إلى دار السلام وكيجالي ولوساكا، بدا واضحًا أن التحرك المصري لم يكن موسميًا ولا رمزيًا، بل سعى إلى تأسيس حضور ممتد يقوم على الشراكة والتنمية والمصالح المتبادلة.
وفي ظل ما تشهده القارة من تحولات كبرى، يبدو أن رؤية القاهرة الأساسية لم تعد فقط "العودة إلى إفريقيا"، بل "ترسيخ مكانة مصر كفاعل إفريقي دائم" داخل معادلات السياسة والاقتصاد والتنمية في القارة.
وعلى هامش المشاركة الرئاسية، حضر الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية في الاجتماع الوزاري حول إصلاح مجلس الأمن، بمشاركة عدد من وزراء خارجية الدول الأفريقية ووزير خارجية فرنسا، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، حيث اكد عبد العاطى موقف مصر الثابت والداعم لمسألة إصلاح وتوسيع مجلس الأمن، باعتبارها أولوية أفريقية مُلحة لتصحيح هيكل الحوكمة الدولية، بما يعكس بصورة أكثر عدالة التوازنات السياسية الدولية المعاصرة، مشدداً على تمسك مصر الكامل بتوافق أزولويني وإعلان سرت، مؤكدًا ضرورة رفع الظلم التاريخي الواقع على القارة الأفريقية جراء استمرار حرمانها من التمثيل الدائم داخل مجلس الأمن.
وأشاد وزير الخارجية بالدور المهم الذي تضطلع به لجنة العشرة الأفريقية C10، لا سيما الجهود التي تبذلها سيراليون بصفتها رئيسًا للجنة، من أجل الحفاظ على وحدة الموقف الأفريقي والدفاع عن المصالح الأفريقية في المفاوضات الجارية بشأن إصلاح مجلس الأمن، مشددًا على أن عملية الإصلاح يجب أن تفضي إلى حصول أفريقيا على تمثيل دائم وعادل داخل مجلس الأمن، بما يشمل جميع الحقوق والامتيازات الممنوحة للأعضاء الدائمين، بما في ذلك حق النقض (الفيتو).