قنصل مصر بجدة يكشف لـ«صوت الأمة» تفاصيل خطة الطوارئ لخدمة الحجاج المصريين
السبت، 16 مايو 2026 07:42 م
السفير أحمد عبد المجيد: لا نجلس خلف المكاتب.. وأبواب المسؤولين السعوديين مفتوحة على مدار الساعة.. والتنسيق يتم بروح "البيت الواحد"
"لا حج بدون تصريح".. وتحرك مبكر لمواجهة التأشيرات المخالفة.. ووحدات قنصلية متنقلة للتدخل الفوري
نعمل بنظام "الإنذار المبكر" لحماية العمالة المصرية والتدخل قبل تفاقم الأزمات.. والتسوية الودية عبر منصة «قوى» الأسرع لاسترداد حقوقهم
تنسيق عملياتي بين القاهرة والرياض لتأمين الملاحة وحماية العمق الاستراتيجي للبلدين
تصوير / محمد سعودي
في الوقت الذي تُكثف فيه الدولة استعداداتها لموسم الحج، عبر منظومة متكاملة تشارك فيها مختلف مؤسسات الدولة، تتواصل الجهود على مدار الساعة لضمان خروج الموسم بصورة تليق بالحاج المصري، بداية من عمليات التفويج والسفر، وصولًا إلى المتابعة الميدانية داخل الأراضي المقدسة.
وتلعب وزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، من خلال بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية في المملكة العربية السعودية، دورًا محوريًا في دعم بعثات الحج المصرية وتقديم الرعاية الكاملة للحجاج، بالتنسيق المستمر مع السلطات السعودية والجهات المنظمة للحج في مصر، سواء بعثة القرعة أو السياحة أو الجمعيات الأهلية.
وفي هذا الإطار، أجرت «صوت الأمة» حوارًا موسعًا مع السفير أحمد عبد المجيد، قنصل مصر العام في جدة، للحديث عن كواليس إدارة موسم الحج هذا العام، وآليات التنسيق اللحظي مع الجهات السعودية، وخطط التعامل مع الطوارئ، وجهود القنصلية في مواجهة ظاهرة الحج غير النظامي، إلى جانب ملف رعاية الجالية المصرية، والتطورات في الخدمات القنصلية والتحول الرقمي، فضلًا عن رؤيته لمستوى العلاقات المصرية السعودية.. وإلى نص الحوار..
نحن الآن في قلب المعركة اللوجستية وتفويج الحجاج.. كيف تصف لنا شكل التنسيق اللحظي بين القنصلية ووزارة الحج السعودية والجهات الأمنية؟
نحن الآن نعيش ما يُمكن تسميته بـ "مرحلة الصفر"، حيث يتحول العمل من التخطيط المكتبي إلى الإدارة الميدانية على مدار الساعة. التنسيق في هذه اللحظات ليس مجرد مراسلات، بل هو غرفة عمليات رقمية موحدة تعمل بنبض واحد. وهناك ضباط اتصال من القنصلية موجودون في الميدان بصفة دائمة مع مكتب شئون حجاج جمهورية مصر العربية وفي المشاعر المقدسة، أنا ومعي فريق العمل بالقنصلية لا نجلس خلف المكاتب الآن، بل نتواجد في نقاط الاتصال الأمامية بمشعر عرفات ومزدلفة، لتذليل العقبات. فإذا واجهت أي بعثة مصرية، سواء حج القرعة أو السياحة أو الجمعيات، مشكلة تقنية في الخيام أو التغذية، يتم التواصل "لحظيًا" مع مندوبي بعثات الحج ووزارة الحج السعودية الموجودين معنا في الميدان لحلها مباشرة.
كم وصل عدد الحجاج المصريين إلى جدة حتى الساعة؟ وما أبرز التحديات الميدانية التي واجهتكم هذا العام مقارنة بالمواسم السابقة؟
مكتب شئون حجاج جمهورية مصر العربية ووزارة التضامن الاجتماعي ووزارة السياحة هي الجهات المنظمة للحج، والقنصلية تحرص على دعمهم بالتسهيلات اللازمة وتحسين بيئة الاتصال بالمسئولين والجهات الرسمية والخاصة ذات العلاقة، والإجراءات تمت هذا العام بحمد الله وفق الحدود الزمنية المحددة من السلطات السعودية الشقيقة، والقنصلية لا تدخر جهدًا في سبيل تحقيق الدعم المطلوب.
تتكرر أزمات "تأشيرات الزيارة" كل عام.. ما هي الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها القنصلية هذا العام لتقليل هذه الظاهرة وحماية المواطن من الوقوع تحت طائلة القانون؟
تعمل القنصلية العامة في جدة منذ موسم الحج للعام الماضي 2025، على الإعداد المُبكّر لموسم الحج للعام الحالي 2026، وفي إطار الحرص على ضمان أداء ضيوف الرحمن مناسكهم في طمأنينة ويُسر، استبقت القنصلية العامة موسم الحج بالتجاوب مع مبادرة الحكومة السعودية "لا حج بدون تصريح"، وقامت القنصلية منذ نهاية موسم عمرة رمضان للعام الجاري بالتنسيق مع السلطات السعودية وبعثة الحج المصرية وشركات السياحة المصرية لإعداد كافة الترتيبات الخاصة بالموسم الحالي، وناشدت المواطنين المصريين الزائرين والمعتمرين بضرورة الالتزام بقرار السلطات السعودية بالخروج من مكة قبل الموعد المحدد لبدء ترتيبات حج 2026، وهو تاريخ 18 أبريل 2026 الموافق 1 ذو القعدة 1447.
كما أطلقت البعثة عدة تنبيهات وقواعد إرشادية بالتنسيق مع قطاع الشئون القنصلية بوزارة الخارجية والتعاون الدولي، لحث المواطنين الراغبين في أداء فريضة الحج على الحصول على تصريح للحج وتأشيرة خاصة تخول حاملها أداء الفريضة من خلال القنوات الشرعية، واستيفاء كافة الاشتراطات الصحية والإدارية، وكذلك بالنسبة للجالية المقيمة.
وما هي الخدمات التي تعمل على مدار 24 ساعة لخدمة الحالات الصحية والطوارئ؟
السعودية تعتمد نظام التأمين الصحي للمعتمر والحاج والزائر والمقيم، ومن هنا فإن القنصلية تقدم الدعم القانوني والقنصلي بشكل ودي ورسمي للتأكد من الحصول على الخدمة الصحية، وتتدخل بالقدر المناسب لتنسيق دخول الحالات للمستشفيات ونقلها بالتعاون مع الجهة الأصيلة والمناط بها ذلك، وهي المرفق الصحي السعودي في القطاعين الحكومي والخاص.
كما أصدرت توجيهات لقسم شؤون المواطنين بالقنصلية العامة منذ بداية موسم الحج، برفع حالة الاستعداد القصوى، والجاهزية التامة للتعامل مع كافة الحالات التي تتكرر في كل موسم، وذلك من خلال آليات التدخل السريع والتواجد المستمر لمندوبي القنصلية العامة في مكة المكرمة والمدينة المنورة على مدار الساعة، مزودين بوثائق سفر ووسائل الاستجابة الفورية لبلاغات وشكاوى الحجاج من خلال الخط الساخن الخاص بالبعثة على مدار 24 ساعة، وكذلك تفعيل خدمة "واتساب" للتيسير على الحجاج مهمة إرسال صور المستندات، فضلًا عن البريد الإلكتروني الخاص بالبعثة وخطوط تليفونات البعثة.
كما يوجد عدد كاف من الموظفين بغرفة العمليات الخاصة بالحج بمقر القنصلية العامة في جدة، في مناوبات على مدار الساعة، إضافة إلى تكثيف تواجد مندوبي القنصلية العامة في مجمع خدمات "الشميسي" بمكة المكرمة خلال موسم الحج، وتعزيز مكتب القنصلية بعدد إضافي من الموظفين لإنجاز معاملات الحجاج والمقيمين.
السعودية تطبق "الحج الذكي".. كيف واكبت القنصلية هذا التطور التكنولوجي لتسهيل تجربة الحاج المصري؟
قمنا بتجهيز وحدات قنصلية متنقلة مزودة بأجهزة اتصال حديثة في المشاعر المقدسة، خاصة في منى وعرفات، للتدخل الفوري في حال فقدان جوازات السفر أو الحاجة لإصدار وثائق مرور مؤقت، وكذلك لتنسيق حالات المرضى والمفقودين.
تضم السعودية أكبر جالية مصرية.. كيف توازن القنصلية في جدة بين دورها في موسم الحج وبين رعاية شؤون المقيمين؟
حقيقة الأمر أن هذا يمثل التحدي الأبرز الذي تنجح فيه القنصلية العامة في جدة بامتياز كل عام، ولله الحمد، لضمان موسم حج آمن وتيسير أداء ضيوف الرحمن لمناسكهم، من خلال فريق عمل القنصلية العامة الذي يعمل طوال الموسم على مدار الساعة برئاستي لغرفة عمليات الحج، وبعضوية جميع أعضاء وموظفي البعثة، مقسمين إلى خلايا عمل موزعة بين العمل الميداني والعمل من داخل مقر البعثة.
وقد حرصت هذا العام، بالتنسيق مع وزارة الحج السعودية، على زيادة عدد حاملي تصاريح دخول المشاعر المقدسة من أعضاء وموظفي البعثة تحسبًا لأي طارئ، بما يمكن البعثة من التدخل السريع.
كما حرصت على مضاعفة الجهود في قسم شؤون المواطنين والشؤون القانونية ومكتب التمثيل العمالي وقسم الوفيات، لضمان عدم تأثر الخدمات المقدمة للمواطنين بأعمال موسم الحج، واستمرار تقديم الخدمات والعمل على حل المشكلات التي قد تواجه الجالية المقيمة خلال الموسم بالدقة والسرعة اللازمتين.
ما هي آخر مستجدات التنسيق مع مكتب العمل السعودي لتسريع حل النزاعات العمالية؟
تبذل القنصلية المصرية في جدة جهودًا كبيرة لمواكبة التطورات التشريعية والتقنية في المملكة العربية السعودية، بهدف تعزيز حماية العمالة المصرية وتسهيل وصول الخدمات للمواطنين في شتى المناطق.
فقد شهد عام 2026 تعزيزًا في آليات الربط المباشر بين القسم العمالي بالقنصلية ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية، وأبرزها تفعيل التسوية الودية بحضور ممثلي القسم العمالي، قانونيًا أو استشاريًا، في جلسات التسوية الودية التي تتم عبر منصة "قوى"، مما يسرع من وتيرة استرداد المستحقات دون الحاجة للتصعيد القضائي الطويل.
كما تتابع القنصلية بدقة التزام المنشآت بشروط التعاقد مع العمالة المصرية، حيث تعمل على التدخل الاستباقي بمجرد إبلاغ العمالة عن تأخر الرواتب لأكثر من شهرين، ويأتي في هذا السياق تفعيل المكتب العمالي للخط الساخن وكافة قنوات الاتصال الفورية لاستقبال بلاغات الاحتجاز أو سوء المعاملة، مع سرعة التنسيق مع الجهات الأمنية والعمالية السعودية لمعالجتها.
من موقعك كقنصل عام في جدة.. كيف توصّف مستوى التنسيق الدبلوماسي بين القاهرة والرياض في اللحظة الراهنة؟
التوصيف الأدق لمستوى التنسيق السياسي بين القاهرة والرياض في اللحظة الراهنة هو أنه انتقل من "التشاور التقليدي" إلى مرحلة "الشراكة الاستراتيجية الشاملة".
ومن خلال موقعي هنا في جدة، أستطيع أن ألمس هذا التطور في التناغم السياسي والأمني والتطور المؤسسي والشراكة الاستراتيجية، فلا يخفى على المراقب أن البلدين يعيشان حالة من التوافق التام تجاه الأزمات الإقليمية.
وقد شهدت الأشهر القليلة الماضية، مارس وأبريل 2026، كثافة غير مسبوقة في الاتصالات الرفيعة والمؤتمرات التشاورية في الرياض والقاهرة لبحث خفض التصعيد في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. التنسيق بين البلدين ليس مجرد بيانات صحفية، بل هو "تنسيق عملياتي على الأرض" يهدف لتأمين الملاحة وحماية العمق الاستراتيجي للبلدين، وهو ما نلمسه في سلاسة التنسيق مع الأشقاء في السعودية لتأمين بعثاتنا وحجاجنا.
ومن ناحية أخرى، وقّع البلدان مؤخرًا، في مارس 2026، اتفاقية تاريخية للإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة والمهمة، وهذا الإجراء ليس بروتوكوليًا فحسب، بل يعد محركًا لتسريع وتيرة تبادل الوفود الفنية والخبراء، مما ينعكس مباشرة على سرعة إنجاز الملفات الاقتصادية والقنصلية.
أما على الصعيد الاقتصادي، وباعتبار جدة البوابة الاقتصادية واللوجستية الكبرى للمملكة، فإننا نرى أن التنسيق تجاوز التبادل التجاري التقليدي إلى "الاستثمار التنموي المباشر" في إطار تكامل رؤى البلدين لمستقبل أفضل لشعبيهما.
وأخيرًا، فإن التنسيق الدبلوماسي وصل إلى مرحلة من النضج تسمح بحل أي تحديات عابرة بروح "البيت الواحد"، وهو ما انعكس بوضوح في نجاح مبادرات "الحج الذكي" وتسهيل إجراءات الجالية المصرية التي تتجاوز المليون ونصف المليون في نطاق اختصاص القنصلية.
كنت مسؤول الملف الليبي في الخارجية المصرية.. ما الخبرات التي نقلتها من الملف الليبي إلى إدارة شؤون المصريين بالسعودية؟
لقد كان الانتقال من إدارة الملف الليبي في ديوان عام الخارجية بالقاهرة إلى رئاسة البعثة القنصلية في جدة انتقالًا من بيئة إدارة الأزمات والتقاطعات السياسية الوعرة إلى "بيئة الإدارة الاستراتيجية لأكبر كتلة بشرية مصرية في الخارج". والخبرات التي نقلتها من الملف الليبي ليست مجرد مهارات إدارية، بل هي عقيدة عمل فرضتها طبيعة الساحة الليبية، وطبقتها هنا في السعودية برؤية تناسب استقرار ونمو المملكة.
تعلمت من الملف الليبي أن "المعلومة المتأخرة هي معلومة ميتة"، ونقلت هذا المبدأ إلى عملي في جدة عبر تعزيز نظام للإنذار المبكر، فبدلًا من انتظار وقوع مشكلة لعامل مصري، أصبحنا نتابع من خلال القسم العمالي أي مؤشرات لتعثر شركات أو تغيرات في قوانين العمل، مثل أنظمة نطاقات أو توطين المهن، ونقوم بتحليلها وتوعية الجالية بها قبل أن تتحول إلى أزمات قانونية.
كما أن إدارة ملف العمالة في ليبيا تطلبت إنشاء قواعد بيانات دقيقة في ظروف صعبة لضمان سلامة المواطنين، وهنا في جدة قمت بتوظيف هذه الخبرة في تسريع مشروع الأرشفة الرقمية والربط الإلكتروني، بهدف ألا يكون المواطن مجرد "رقم ملف"، بل بيانات حية تسمح لنا بالوصول إليه في المناطق البعيدة مثل القنفذة أو بيشة، وتقديم الخدمة له عبر المنصات الرقمية دون تكبده عناء السفر.
وفي الملف الليبي كنت أتفاوض مع أطراف دولية ومحلية متباينة الأهداف، وفي السعودية استخدمت هذه المهارة في بناء شراكات مؤسسية مع جهات سعودية متعددة، مثل وزارة الموارد البشرية والجوازات والغرف التجارية، فانتقلنا من صيغة "المخاطبات الرسمية" إلى "فرق عمل مشتركة" تحل المشكلات وديًا وبسرعة، وهو ما انعكس في سرعة إنهاء قضايا الترحيل والنزاعات العمالية.
وأهم الدروس المستفادة من الملف الليبي كان خطورة المسارات غير الشرعية، ولذلك ركزت في جدة على مبدأ شرعية التعاقد، فنحن نكثف الجهود حاليًا لضمان أن كل عامل مصري يدخل المملكة يدرك قيمة اتباع قنوات التعاقد الشرعية عبر وزارة العمل المصرية، لضمان حصوله على عقد عمل موثق، لأن العقد هو الحصن القانوني الذي ندافع به عن مواطنينا.
كما أن الخبرة في إدارة تدفقات العمالة والنازحين عبر الحدود الليبية منحتني الأدوات اللازمة للتعامل مع موسم الحج والعمرة، من حيث القدرة على العمل تحت ضغط هائل وتوزيع المهام على فرق ميدانية، وهو ما طبقناه داخل غرفة عمليات الحج بالقنصلية لضمان عدم ضياع أي حاج أو تعثره تقنيًا.