تجار الدم الحرام.. الإخوان الإرهابية تتاجر بأرواح الإبرياء لإشعال فتنة عربية

السبت، 16 مايو 2026 11:30 م
تجار الدم الحرام.. الإخوان الإرهابية تتاجر بأرواح الإبرياء لإشعال فتنة عربية
محمد الشرقاوي

الإخوان الإرهابية تتاجر بأرواح الإبرياء لإشعال فتنة عربية

لجان الجماعة الإلكترونية تقود حملات ممنهجة وموثقة ضد القاهرة لضرب علاقاتها مع الأشقاء

المخطط شمل حملة لتزييف للوقائع وتشوية للحقائق ونشر شعارات كاذبة لاستهداف العلاقات المصرية العربية

 

بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 لم تنتظر جماعة الإخوان الإرهابية طويلًا حتى مارست لعبتها القديمة؛ وهي: المتاجرة بالأزمات، والتحريض على الدول العربية، ومحاولة ضرب العلاقة بين مصر ومحيطها العربي عبر حملات منظمة من الأكاذيب والتشويه والتعبئة العاطفية.

وطالما رأت الجماعة الإرهابية التي فقدت نفوذها السياسي في المنطقة العربية، في الدم والفوضى والانفجار الإقليمي فرصة مثالية لإعادة إنتاج نفسها، ليس عبر مشروع سياسي حقيقي، بل بنشر الغضب، وتأليب الشعوب، وتشويه مواقف الدول التي تحاول حماية استقرار الإقليم ومنع انهياره الكامل.

ومنذ اللحظة الأولى للحرب الإسرائيلية، دفعت الجماعة الإرهابية بأذرعها الإعلامية والإلكترونية لتوجيه نيرانها نحو مصر والدول العربية، عبر حملات منظمة حملت شعارات مثل "افتحوا رفح"، واتهامات مباشرة للقاهرة بـ"المشاركة في الحصار" و"منع المساعدات"، في واحدة من أوسع حملات التحريض التي استهدفت تشويه الدور المصري عربيًا.

ولم تكتفِ الجماعة بالمزايدة والمتاجرة بالقضية الفلسطينية، بل تعمدت التلاعب بالحقائق المرتبطة بمعبر رفح والمساعدات الإنسانية، وإغراق منصات التواصل بسيل من المقاطع المجتزأة والوسوم التحريضية والمعلومات المضللة، بهدف صناعة رواية زائفة تُحمّل مصر والدول العربية مسؤولية المأساة داخل القطاع، بينما تتجاهل عمدًا القصف الإسرائيلي لمحيط المعبر، وتعقيدات إدخال المساعدات، والاعتبارات الأمنية والسيادية المرتبطة بإدارة الأزمة.

وكما جرت العادة لم يكن الهدف دعم الفلسطينيين بقدر ما كان استغلال معاناتهم كأداة لإشعال الخصومة بين الشعوب العربية ودولها، وضرب العلاقات بين الأشقاء العرب، وهو ما لوحظ بالتزامن مع اتساع دائرة التوتر في المنطقة، من البحر الأحمر إلى التصعيد الأمريكي الإيراني في 2026.

واصلت الجماعة النهج ذاته؛ تحويل كل أزمة إلى منصة للهجوم على الدول العربية، وخلط الأوراق بين دعم الاستقرار و"الخيانة"، وبين حماية الأمن القومي و"التواطؤ"، في خطاب تحريضي لا يبحث عن حل بقدر ما يسعى لإبقاء المنطقة في حالة اشتعال دائم، وفي هذا السياق، لم تعد القضية مجرد خلاف سياسي مع جماعة فقدت شعبيتها، بل باتت مواجهة مفتوحة مع ماكينة منظمة تستثمر الأزمات الإقليمية لضرب التماسك العربي، واستنزاف العلاقات بين الدول الشقيقة، وإعادة إنتاج خطاب الفوضى والانقسام الذي ارتبط دومًا بمشروع الإخوان في المنطقة.

 

غزة كبوابة للعودة

وجدت جماعة الإخوان الإرهابية في حرب غزة فرصة استثنائية للعودة إلى المشهد بعد سنوات من التراجع السياسي والانكشاف الشعبي، فاندفعت منذ الساعات الأولى للأزمة إلى استغلال الدم الفلسطيني والمأساة الإنسانية لإعادة تشغيل ماكينة التحريض ضد مصر والدول العربية، عبر خطاب يقوم على المزايدة والتضليل وتفخيخ الوعي العام العربي، فالجماعة التي فقدت قدرتها على الحشد السياسي المباشر، حاولت استعادة نفوذها من بوابة العاطفة، عبر احتكار الحديث باسم القضية الفلسطينية، وتقديم نفسها باعتبارها "الصوت الحقيقي" المدافع عن غزة، بينما كانت في الواقع تستخدم الحرب لإعادة إنتاج مشروعها القائم على الفوضى والاستقطاب وضرب العلاقات بين الدول العربية.

ومنذ أكتوبر 2023، ركّزت الجماعة بشكل مكثف على ملف معبر رفح، ليس باعتباره ممرًا إنسانيًا معقدًا تحكمه اعتبارات أمنية وسيادية وتشابكات ميدانية، وإنما باعتباره أداة مثالية لإشعال الغضب ضد القاهرة.

وسرعان ما امتلأت منصات الجماعة وكتائبها الإلكترونية بوسوم ومنشورات تتهم مصر بـ"المشاركة في الحصار" و"إغلاق المعبر" و"منع المساعدات"، مع تداول مقاطع مجتزأة وصور خارج سياقها لتأجيج الغضب العربي ضد القاهرة؛ رغم أن الوقائع على الأرض كانت أكثر تعقيدًا، في ظل القصف الإسرائيلي المتكرر لمحيط المعبر، وتعطل حركة الشاحنات، واشتراطات التفتيش والضغط الدولي المرتبط بإدخال المساعدات إلى القطاع، لكن الإرهابية تعمدت تجاهل كل تلك التفاصيل، كونها تبحث عن رواية سهلة وقابلة للتسويق شعبويًا: "مصر تغلق رفح".

وهنا بدأت أخطر مراحل التحريض؛ إذ لم يقتصر الأمر على مهاجمة الدولة المصرية داخليًا، بل جرى توجيه الخطاب إلى الشارع العربي كله، عبر حملات إعلامية مكثفة هدفت إلى خلق حالة احتقان ضد القاهرة، وتصويرها باعتبارها طرفًا في معاناة الفلسطينيين.

ومع تصاعد الأزمة الإنسانية داخل القطاع، تحولت منصات محسوبة على الجماعة إلى غرف تعبئة مفتوحة تبث مقاطع مجتزأة، وصورًا خارج سياقها، وشعارات انفعالية تستهدف إثارة الرأي العام العربي ضد مصر والدول المتحالفة معها، وهو ما كان متصل بضرب صورة التنسيق المصري العربي، وإحداث شرخ نفسي وسياسي بين الشعوب العربية والدول التي تتحرك لمنع اتساع الحرب.

ولم تتوقف الجماعة عند حدود معبر رفح، بل حاولت استغلال كل مشهد إنساني داخل غزة لتغذية خطابها العدائي، فكل أزمة غذاء أو دواء أو نزوح كانت تتحول فورًا إلى مادة تعبئة ضد القاهرة والدول العربية، ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تقود مسارات التهدئة، وتستقبل المصابين، وتدفع بقوافل الإغاثة، كانت الجماعة تعمل على تشويه هذه الجهود، لأن نجاح الدور المصري كان يعني سقوط روايتها بالكامل؛ لذلك تعمدت تجاهل أي تحركات دبلوماسية أو إنسانية مصرية، مقابل تضخيم أي تعثر أو أزمة ميدانية لتقديمه باعتباره "دليل إدانة".

والأخطر هنا أن الجماعة تحركت عبر شبكة واسعة من المنصات العابرة للحدود، والحسابات المجهولة، واللجان الإلكترونية التي عملت بشكل متزامن على منصات مثل "إكس" و"تيك توك" و"تليجرام"، بهدف صناعة موجات غضب مستمرة، وإبقاء مصر في مرمى الاتهامات على مدار الساعة.

ومع الوقت، بدا واضحًا أن الجماعة لا تسعى إلى دعم الفلسطينيين بقدر ما تسعى إلى توظيف القضية الفلسطينية كسلاح سياسي لإعادة اكتساب الشرعية الشعبية التي فقدتها، حتى ولو كان الثمن إشعال الاحتقان العربي ضد مصر.

 

شيطنة التحالفات العربية

لم يكن الهدف من استغلال جماعة الإخوان الإرهابية لحرب غزة الهجوم على مصر، بل كان هناك هدف أوسع لضرب فكرة التوافق العربي نفسها، وتحويل أي تنسيق بين الدول العربية إلى مادة للشك والغضب والعداء الشعبي.

وتحركت الجماعة في حملتها المشبوهة انطلاقاً من قناعة تقول إن صعود نمط جديد من التنسيق الإقليمي بين مصر والسعودية والإمارات والأردن، قائم على حماية الدولة الوطنية ومنع انهيار مؤسساتها ومواجهة التنظيمات العابرة للحدود هو أحد أبرز أسباب تراجعها؛ لذلك تعاملت مع أزمات المنطقة الأخيرة باعتبارها فرصة لتفجير هذا التماسك من الداخل، عبر خطاب تحريضي يستهدف نسف الثقة بين الشعوب العربية ودولها.

ومنذ اندلاع الحرب، شنت المنصات المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية هجومًا متزامنًا على مصر والسعودية والإمارات والأردن، عبر حملات منظمة اتهمت هذه الدول بـ"الصمت" و"التخاذل" و"بيع القضية" و"التواطؤ" و"التخلي عن غزة"، في محاولة لتصوير أي تنسيق عربي باعتباره تحالفًا ضد الفلسطينيين.

ولم يكن هذا الخطاب مجرد حالة انفعال سياسي أو دعاية موسمية مرتبطة بالحرب، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف شيطنة أي محور عربي يسعى إلى إدارة الأزمة أو منع اتساعها إقليميًا، رغم أن هذه الدول كانت تتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا وإنسانيًا لاحتواء الانفجار ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.

واعتمدت الجماعة في هذا السياق على خطاب شعبوي حاد يقوم على تفكيك المواقف السياسية المعقدة وتحويلها إلى شعارات انفعالية سهلة التداول، فكل حديث عربي عن التهدئة أو منع اتساع الحرب جرى تصويره باعتباره "استسلامًا"، وكل تحذير من خطورة الانفجار الإقليمي قُدِّم باعتباره "تخليًا عن المقاومة"، بينما تحوّل أي تنسيق أمني لحماية الحدود أو الملاحة أو استقرار المنطقة على منصات الجماعة إلى "تواطؤ مع الاحتلال" و"خدمة للمصالح الغربية".

وبهذه الطريقة، لم تعد الجماعة تناقش السياسات بقدر ما كانت تعمل على نزع الشرعية المعنوية عن الدول العربية نفسها، ودفع الشارع العربي إلى النظر بعين الشك والكراهية تجاه أي تحرك عربي مشترك.

والأخطر أن الجماعة لعبت بصورة مكثفة على البعد الديني والعاطفي، مستغلة رمزية القضية الفلسطينية في الوعي العربي، لتحويل الخلافات السياسية إلى حالة غضب شعبي عابر للحدود، فبدلًا من توجيه الغضب نحو الاحتلال الإسرائيلي وحده، سعت الجماعة إلى إعادة توجيهه نحو العواصم العربية، عبر حملات إلكترونية وإعلامية ضخمة تعتمد على المقاطع المجتزأة، والصور الصادمة، والخطاب العاطفي الحاد، بهدف خلق انطباع دائم بأن "الأنظمة العربية تقف ضد شعوبها وضد فلسطين".

ومع كثافة هذا المحتوى، بدأت بالفعل تتشكل حالة احتقان سياسي وشعبي ضد عدد من الدول العربية، وهو ما مثل أحد أخطر أهداف الجماعة؛ تفجير العلاقة النفسية بين المواطن العربي ودولته، وفي هذا السياق، تحولت هذه اللجان الإلكترونية إلى غرفة عمليات متكاملة لإدارة معركة التأثير.

وعملت الحسابات المجهولة والمنصات المرتبطة بالإخوان على إنتاج خطاب موحد، يعيد تكرار المفردات نفسها يوميًا: "الخيانة"، و"الحصار"، و"بيع القضية"، و"الصمت العربي"، في محاولة لصناعة وعي جمعي قائم على فقدان الثقة في التحالفات العربية، كما تعمدت منصات الجماعة تجاهل القمم العربية والتحركات الدبلوماسية وقوافل المساعدات والجهود المبذولة لاحتواء الأزمة والدفع نحو التهدئة، مقابل تضخيم أي تعثر ميداني أو مشهد إنساني أو تصريح قابل للتأويل، بهدف تثبيت رواية واحدة لدى الرأي العام العربي: أن الدول العربية "خذلت غزة"، فكل تحرك دبلوماسي جرى تشويهه، وكل تنسيق عربي تم تصويره باعتباره "تواطؤًا"، بينما قُدِّم أي حديث عن الأمن القومي أو منع اتساع الحرب كأنه تخلي عن القضية الفلسطينية.

وفي جوهر الأمر، لم تكن الجماعة تستهدف موقفًا سياسيًا بعينه، بل كانت تستهدف ضرب فكرة الدولة الوطنية العربية نفسها، خصوصًا التحالفات القائمة بين مصر والسعودية والإمارات والأردن، فهذه التحالفات مثلت خلال السنوات الماضية أحد أهم أسباب تراجع نفوذ الإخوان في المنطقة، لذلك حاولت الجماعة استغلال حرب غزة لإحداث شرخ بين الشعوب العربية ودولها، وتحويل الغضب الشعبي إلى أداة لضرب العلاقات بين العواصم العربية.

 

الإرهابية توسع مساحة الاشتباك

وجدت جماعة الإخوان الإرهابية فرصة جديدة لتوسيع خطابها التحريضي مع انتقال التوتر من غزة إلى البحر الأحمر، ونقل حالة الاستقطاب من الملف الفلسطيني إلى ملفات الأمن الإقليمي والملاحة الدولية؛ فبدلًا من التعامل مع هجمات الحوثيين على السفن التجارية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة واقتصاداتها، سعت الجماعة إلى استغلال الأزمة لإعادة مهاجمة الدول العربية، خصوصًا تلك التي دعمت حماية الملاحة أو حذرت من خطورة اتساع دائرة التصعيد.

ومع تصاعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، روجت المنصات المحسوبة على الجماعة لفكرة أن حماية الملاحة الدولية تمثل "خدمة مباشرة لإسرائيل"، وأن أي تحرك عربي أو دولي لتأمين البحر الأحمر هو "اصطفاف ضد غزة"، في محاولة متعمدة لخلط الملفات ببعضها، وتصوير الأمن الإقليمي وكأنه يتناقض مع دعم القضية الفلسطينية، رغم أن استمرار الفوضى في الممرات البحرية كان يهدد بصورة مباشرة مصالح الدول العربية واستقرار المنطقة واقتصاداتها.

وبهذا الخطاب، حاولت الجماعة دفع الشارع العربي إلى النظر لأي إجراءات لحماية الممرات البحرية باعتبارها "خدمة للمصالح الغربية" أو "حماية لإسرائيل"، متجاهلة أن استمرار الفوضى في البحر الأحمر كان يهدد بشكل مباشر اقتصادات الدول العربية، وسلاسل الإمداد العالمية، وحركة التجارة والطاقة.

ولم تتوقف الجماعة عند هذا الحد، بل ربطت بصورة متعمدة بين غزة والبحر الأحمر، سعيًا لإبقاء الشارع العربي في حالة استقطاب وغضب دائم. فمع كل هجوم على سفينة أو تصعيد في الممرات البحرية، كانت المنصات الإخوانية تعيد الترويج لروايات مثل "العرب يحاربون من يدعم غزة" و"الأنظمة العربية تحمي الاحتلال"، في محاولة لتحويل أي ملف أمني أو اقتصادي إلى معركة سياسية مفتوحة ضد الدول العربية، ودفع الرأي العام إلى النظر لأي تحرك لحماية الاستقرار الإقليمي باعتباره موقفًا معاديًا للقضية الفلسطينية.

وحاولت الجماعة تصوير أي تنسيق عربي لحماية الملاحة أو منع اتساع الصراع باعتباره "تواطؤًا"، رغم أن كثيرًا من الدول العربية كانت تخشى من انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تضرب الأمن والاستقرار والاقتصاد في الشرق الأوسط بالكامل؛ لكن الإخوان تعمدوا تجاهل هذه الحسابات، لأن بقاء التوتر مشتعلاً يخدم خطابهم أكثر من أي تهدئة أو استقرار.

وفي هذا السياق، لعبت اللجان الإلكترونية دورًا محوريًا في تضخيم الأزمة، عبر نشر مقاطع مجتزأة وتصريحات خارج سياقها وشعارات عاطفية تربط بين غزة والبحر الأحمر والملاحة الدولية في سردية واحدة قائمة على التخوين والتحريض؛ فكلما اتسعت الأزمة إقليميًا، وسّعت الجماعة خطابها، وكلما ظهرت محاولات لاحتواء التصعيد، دفعت بمنصاتها نحو مزيد من التشكيك وإثارة الغضب الشعبي.

 

حرب إيران وضرب النسيج العربي

ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تتعامل الجماعة مع التصعيد باعتباره خطرًا يهدد استقرار المنطقة، بل تعاملت معه كفرصة جديدة لإشعال الانقسام داخل العالم العربي، وضرب ما تبقى من التماسك بين الدول العربية وشعوبها.

فمع كل تصعيد عسكري أو توتر سياسي، دفعت الجماعة الإرهابية بمنصاتها الإعلامية واللجان الإلكترونية نحو خطاب تحريضي مباشر يستهدف العواصم العربية، عبر اتهامها بالانحياز لواشنطن و"التآمر على قضايا الأمة"، في محاولة لإشعال الشارع العربي ضد دوله وتحويل المنطقة إلى ساحة غضب مفتوح.

ومنذ اللحظة الأولى للتصعيد، تحركت المنصات المحسوبة على الجماعة لإعادة إنتاج خطاب التخوين نفسه الذي استخدمته منذ حرب غزة، لكن بصورة أكثر حدة واتساعًا، فكل دولة عربية دعت إلى التهدئة أو رفضت الانجرار إلى الحرب تعرضت لحملات تخوين منظمة، تتهمها بـ"حماية المصالح الأمريكية" و"التخلي عن الأمة" و"الوقوف ضد محور المقاومة".

وبهذا الخطاب، حاولت الجماعة دفع الشعوب العربية إلى الاصطدام سياسيًا ونفسيًا مع حكوماتها، وضرب الثقة في أي موقف عربي يسعى إلى منع الانفجار الإقليمي، والأخطر أن الجماعة تعمدت خلط كل الملفات ببعضها؛ الولايات المتحدة، وإيران، وغزة، والخليج، والبحر الأحمر، لإنتاج حالة فوضى ذهنية داخل الشارع العربي، يصبح فيها أي حديث عن الأمن القومي أو استقرار المنطقة أو حماية الاقتصاد والطاقة "خيانة"، بينما يتحول خطاب التحريض والانفعال إلى معيار "الوطنية" و"الدفاع عن الأمة".

وهنا تحديدًا كانت الجماعة تضرب النسيج العربي بصورة مباشرة، عبر تحويل الخلافات السياسية إلى حالة عداء شعبي بين الشعوب والدول العربية، وإعادة إنتاج الانقسام داخل الإقليم على أسس عاطفية ومذهبية وسياسية.

كما دفعت المنصات الإخوانية بوسوم وخطابات تحريضية تصور الدول العربية الرافضة للحرب باعتبارها جزءًا من "محور معادٍ للشعوب"، في محاولة لإشعال غضب شعبي ضد العواصم العربية.

ولم يكن الهدف من هذه الحملات مناقشة السياسات أو نقدها، بل دفع المواطن العربي إلى فقدان الثقة في دولته، والنظر إلى العلاقات العربية والتحالفات الإقليمية باعتبارها "تحالفات ضد الأمة"، في استكمال واضح لمحاولات الجماعة المستمرة لضرب أي توافق عربي قائم.

وفي هذا السياق، لم تعد الجماعة تتحرك بمنطق المعارضة السياسية، بل بمنطق التنظيم الذي يعيش على تفكيك المجتمعات وإشعال الخصومات داخل الإقليم. فكلما اقتربت الدول العربية من موقف مشترك، تصاعد خطاب الإخوان، وكلما ظهرت تحركات عربية لاحتواء الأزمة ومنع الحرب، ارتفعت حملات التحريض والتخوين، لأن الجماعة تدرك أن استقرار العلاقات العربية يمثل تهديدًا مباشرًا لمشروعها القائم على الفوضى والانقسام والكراهية السياسية.

وفي النهاية، لم تكن الجماعة معنية بغزة أو إيران بقدر ما كانت معنية بإبقاء العالم العربي في حالة اشتباك دائم؛ شعوب غاضبة ضد دولها، وتحالفات عربية تتآكل تحت ضغط التخوين والتحريض، ومنطقة مفتوحة على الانقسام والفوضى.

 

ماكينات التحريض

أدارت جماعة الإخوان الإرهابية حملاتها ضد مصر والدول العربية عبر ماكينة تحريض إلكترونية منظمة، اعتمدت على اللجان الإلكترونية والحسابات المجهولة والمنصات الإعلامية المرتبطة بها، لتحويل مواقع التواصل إلى ساحة هجوم مفتوحة على العواصم العربية، ومع كل أزمة أو تصعيد إقليمي، كانت هذه المنظومة تدفع بالرسائل نفسها والاتهامات ذاتها بصورة متزامنة، بهدف توجيه الرأي العام العربي وإشعال موجات غضب مستمرة ضد الدول العربية.

وخلال حرب غزة، ثم التوترات في البحر الأحمر، ثم التصعيد الأمريكي الإيراني، ظهرت هذه الماكينة بصورة واضحة، عبر حملات متكررة تستخدم الوسوم ذاتها، والمقاطع نفسها، والخطاب نفسه القائم على التخوين والتشكيك، فخلال ساعات من أي تطور ميداني، كانت عشرات الحسابات تبدأ في الترويج لروايات مثل "العرب خذلوا غزة"، و"الأنظمة تحمي الاحتلال"، و"الدول العربية تتواطأ ضد الشعوب"، في محاولة لفرض رواية واحدة على الشارع العربي ودفعه نحو الغضب والاصطفاف العاطفي.

واعتمدت الجماعة على أساليب تقوم على الصدمة والانفعال، لا على الوقائع أو التحليل. فجرى اجتزاء التصريحات، وإعادة تدوير المقاطع القديمة، واستخدام الصور الصادمة والمحتوى العاطفي لإثارة التفاعل السريع، مع تبسيط الأزمات المعقدة في صورة شعارات حادة مثل: "خيانة أو مقاومة"، و "مع غزة أو ضدها"، وبهذه الطريقة، سعت إلى إلغاء أي مساحة للنقاش العقلاني، وتحويل الرأي العام العربي إلى حالة تعبئة مستمرة ضد الدول العربية وتحالفاتها.

كما استخدمت الجماعة منصات مثل "إكس" و"تيك توك" و"تليجرام" لإغراق الفضاء الإلكتروني بحملات منظمة تدفع بالرواية الإخوانية إلى الواجهة، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى القصير وقدرته على إثارة الانفعال الجماهيري، وهنا تجاوز الهدف التأثير الإعلامي، إلى خلق حالة إنهاك نفسي وسياسي داخل المجتمعات العربية، يصبح معها الشك والغضب وفقدان الثقة حالة دائمة تجاه الدول ومؤسساتها.

وفي هذا السياق، تحولت وسائل التواصل بالنسبة للجماعة إلى أداة لضرب العلاقات العربية من الداخل، عبر تصوير أي تنسيق سياسي أو أمني عربي باعتباره "تواطؤًا"، وأي دعوة للتهدئة باعتبارها "خيانة"، وأي حديث عن الأمن القومي العربي باعتباره "انحيازًا ضد الشعوب".

وهكذا لم تعد الجماعة تتحرك كتنظيم سياسي تقليدي، بل كشبكة تحريض عابرة للحدود، تدير معاركها عبر الفوضى الرقمية، وتستثمر الأزمات لإشعال الانقسام داخل العالم العربي، وضرب الثقة بين الشعوب ودولها.

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة