مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (1)

الأحد، 17 مايو 2026 07:31 ص
مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (1)
حمدي عبد الرحيم

في العام 1926 قرر عميد الأدب العربي، الأستاذ الدكتور طه حسين نشر كتابه "في الشعر الجاهلي"، ومن يومها وإلى يوم الناس هذا والكتاب، محل أخذ ورد، وغالب التعامل معه صفري، فجماعة يتعصبون للكتاب وكاتبه ويرفعونهما إلى درجة التقديس وجماعة لا يطيقون لا الكتاب ولا كاتبه.
 
مرت مئة سنة على ظهور الكتاب ولكن ذكره لم يخمد وناره لم تنطفئ وفتنته ما تزال قائمة على رأس موضوعات الأدب العربي وأبوابه.
 
ما الذي جعل لهذا الكتاب كل هذا الأثر.
 
هي فقرات خطها العميد وكانت هي صلب الكتاب ورسالته منها قوله في أول كتابه: "أول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك، أو قل ألح عليّ الشك، فأخذت أبحث أفكر وأقرأ وأتدبر، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين. ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين ميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على أي شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي. وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النتيجة، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء; وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين".
 
ثم قال العميد: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللـقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها؛ ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى".
 
كلام العميد خطير جدًا، فهو ينسف ركنًا ركينًا من حياة العرب والمسلمين ويتهم ولو بالتلميح كل الرواة بالتواطؤ على الكذب والوضع والانتحال، والذي يكذب في أمر نملة سيكذب في أمر فيل، فالكذب كالكفر ملة واحدة!
 
ثم حشد العميد فقرات أخر تحدث فيها في غير احتشام عن السياسة التي انتهجها المسلمون في عهد النبوءة للتقريب بينهم وبين يهود الجزيرة العربية.
 
فورًا تحرك الأزهر الشريف ورفع شيخه، الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، تقريراً رسمياً إلى النائب العام يتهم فيه طه حسين بـ "تكذيب القرآن صراحة".
ووصف الكتاب بأنه "معول لهدم الدين". لم يكتفِ الأزهر بالبيانات، بل قدم بلاغاً رسمياً للنيابة العامة في يونيو 1926، مطالباً بمحاكمة طه حسين ومعاقبته جنائياً بتهمة إهانة الإسلام.
 
ثم توالت الكتب التي نقدت بل نقضت كتاب العميد، نذكر الآن كتب الأستاذ مصطفى صادق الرافعي (تحت راية القرآن) والأستاذ الشيخ محمد الخضري وكتابه (محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي) وعاد الشيخ الخضري ليكتب مجددًا تحت (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) ونشر الأستاذ محمد فريد وجدي كتابه (نقد كتاب الشعر الجاهلي). أما الكتاب الخامس فكان للدكتور محمد لطفي جمعة ونشره تحت عنوان (الشهاب الراصد) والكتاب السادس والأخير كان للدكتور محمد أحمد الغمراوي (النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي).
 
ثم هناك عشرات المقالات الكبيرة التي كتبها أمثال أمير البيان الأستاذ شكيب أرسلان وحارس العربية الشيخ الأستاذ محمود محمد شاكر، وبخصوص الأستاذ شاكر فقد كان شاهد عيان على أحداث تلك الفتنة منذ أول اندلاعها.
 
كان الأستاذ شاكر من تلامذة العميد المقربين، فهو أولًا ابن الشيخ الأستاذ محمد شاكر عالم زمانه ووكيل شيخ الأزهر وثانيًا هو شقيق القاضي الجليل والمحدث الكبير أحمد شاكر، والاثنان كان بينهما وبين العميد ما يكون بين الأدباء والعلماء من روابط ومعرفة، وثالثا: كان الشيخ الأستاذ سيد بن علي المرصفي أستاذهما معًا وعلى يديه تتلمذا، ورابعًا: كان العميد هو الذي توسط للأستاذ شاكر لكي يلتحق بكلية الآداب فسم اللغة العربية مع أنه كان من الحاصلين على الثانوية العلمية وليس الأدبية!
 
كان شاكر من طلاب كلية الآداب الذين يلقي عليهم العميد بمحاضراته عن الشعر الجاهلي، وقبل أن يسمع شاكر كلام أستاذه كان قد قرأ البحث الذي نشره البريطاني ديفيد صامويل مرجليوث في مجلة الجمعية الآسيوية الملكية عن " أصول الشعر العربي" لم يتوقف شاكر عند بحث المستشرق مرجليوث فهو لم يكن يظن بالمستشرقين خيرًا ولم يكن ينتظر منهم إنصافًا، ودائمًا ما أشار إلى أنهم في غالبهم جماعة من عملاء مخابرات الاحتلال.
 
تفاجأ شاكر بما سمعه من أستاذه، العميد كان يقوم بدور صدى صوت المستشرق، فما يقوله تحت قبة جامعة القاهرة قاله مرجليوث. في المجلة!
 
تجرع شاكر الغيظ لشهور، فأدبه يمنعه من مواجهة أستاذه صاحب الفضل عليه، ولكن الحديث الشريف القائل "ألَا لا يَمنَعَنَّ أحَدَكم رَهْبةُ النَّاسِ أنْ يقولَ بحَقٍّ إذا رَآهُ أو شَهِدَه؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجَلٍ، ولا يُباعِدُ من رِزْقٍ؛ أنْ يقولَ بحَقٍّ أو يُذكِّرَ بعَظيمٍ". كان يطارده.
 
تحدث شاكر إلى بعض رفاقه وأعلن بينهم أن العميد يسطو على كلام المستشرق الأعجمي مرجليوث.
 
عن تلك الفترة قال شاكر: "دخلتُ الجامعة، وسمعتُ ما يقوله الدكتور طه في كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي رجّ حياتي رجّاً شديداً زلزل نفسي.. فُوجئنا جميعاً بالدكتور طه، وبصوته الجهير، وبألفاظه العذبة، وبحسن تعبيره عن مقاصده، ثم بإنكاره صحةَ الشعر الجاهلي.. وأنا وحدي من بين جميع زملائي تجرّعتُ الغيظ بحتاً، ووقعتُ في ظلامٍ يُفضي إلى ظلام، وفي حيرةٍ تجرّني إلى حيرة، وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمّتي، وفي رُواتها، وفي نُحاتها، وفي مفسّري القرآن ورُواة الحديث، وبقيتُ أتلدّد يميناً وشمالاً زمناً متطاولاً".
 
طبعًا قامت القيامة، لأن شاكرًا تحدث إلى بعض رفاقه بما في نفسه، كان شاكر يومئذ تحت العشرين والعميد أستاذ ذائع الصيت تحت الأربعين بقليل، لا تكافؤ بين الرجلين من أي وجه من الوجوه، بعدها أقدم شاكر على أهم خطوات عمره، لقد قرر ترك الجامعة والذهاب إلى جزيرة العرب ليستيقن أمر أمته كلها وليس شعرها الجاهلي فحسب، سيودع شاكر دنياه القديمة بكلمات تقطر حزنًا وألمًا قال: "فارقتها (الجامعة) ومعي ذل العجز، يومئذ على مواجهته (طه حسين) برأي في تفاصيل "سنة السطو" التي سنها لتلاميذه من بعده، وإن عجزي عن مواجهته بلساني.. كان يهدم نفسي هدماً، وينسف آدابي نسفاً، ويترك في ضميري غصة تأبى أن تزول".. 
 
نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق