تعرف على فضائل العشر الأوائل من شهر ذي الحجة وحكم صيامها
الثلاثاء، 19 مايو 2026 11:53 ص
منال القاضي
أجابت الاوقاف على سائل يقول ما سر تميز العشر الأول من ذي الحجة عن بقية أيام العام؟ بامتيازها لاجتماع أمهات العبادة فيها، وقَسَم الله بها، ووجود يومي عرفة والنحر، مما يجعل العمل الصالح فيها أحب وأعظم أجرًا عند الله.
سُنَّة التفضيل بين المخلوقات حكمة إلهية
من سُنة الله - تعالى - في مخلوقاته التفضيل بينها، فهي حكمة إلهية تتجلى في الكون؛ حيث فاوت – سبحانه – بين مخلوقاته في الدرجات والمنازل والخصائص، فكرَّم الإنسان وميزه على سائر الكائنات بالعقل والإرادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٧٠]، واختار من البشر أفضلهم؛ بناء على درجة الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
من سُنة الله - تعالى - في مخلوقاته التفضيل بينها، فهي حكمة إلهية تتجلى في الكون؛ حيث فاوت – سبحانه – بين مخلوقاته في الدرجات والمنازل والخصائص، فكرَّم الإنسان وميزه على سائر الكائنات بالعقل والإرادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٧٠]، واختار من البشر أفضلهم؛ بناء على درجة الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
كذلك فضل الله – سبحانه وتعالى - بعض الأزمنة والأمكنة على بعض؛ لمضاعفة الأجور وتنافس العباد في الطاعات، فجعل أفضل الأماكن المساجد، وأفضل المساجد على الإطلاق البيت الحرام، ومن الأزمان كان من أفضلها العشر الأُول من شهر ذي الحجة.
فضل العشر الأول من شهر ذي الحجة:
وتتجلى فضائل العشر الأُول من ذي الحجة في أمور كثيرة، منها:
أقسم الله - عز وجل – بليالي هذه العشر في قوله: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ * وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ﴾ [الفجر: ١-٢]، قال ابن كثير وآخرون: "المراد بها: عشر ذي الحجة" [تفسير ابن كثير: ٨/٣٩٠].
وقد جعل الله – جل وعلا - للعشر الأول من ذي الحجة فضلًا عظيمًا، ويدل على ذلك ما بيَّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في قوله: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [صحيح البخاري: ٩٦٩]، وقوله: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ» [المسند للإمام أحمد: ٥٤٤٦]، فقد دلت هذه الأحاديث على أن العمل في العشر الأُول من ذي الحجة أحب إلى الله من العمل في بقية الأيام، أيًّا كان نوع العمل، باستثناء عمل قدَّم فيه صاحبه نفسه وماله للجهاد في سبيل الله، ولم يرجع بشيء منهما.
ومن أدلة تفضيله - جل وعلا - لهذه الأيام على غيرها مضاعفته لأجر العمل فيهن بسبعمائة ضعف؛ لأنها من الأشهر الحرم، كما روي عن ابن عباس – رضي الله عنه [شعب الإيمان: ٥/٣٤١ ط الرشد].
ومن تعظيم الله - تعالى - لها أن أتم بها ثلاثين موسى - عليه السلام؛ إذ هي المقصودة من قوله تعالى: ﴿وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِینَ لَیۡلَةࣰ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرࣲ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
ومن أدلة تفضيل الله - تعالى - لهذه العشر وجود عبادات مخصوصة مرتبطة بها هي من أجلِّ العبادات، ومنها: أن فيها يوم عرفة، وفيها ويوم النحر، وكلاهما من أفضل أيام العام، فالأول لأن صيامه يكفر سنتين، والثاني لما صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» [المسند للإمام أحمد: ١٩٠٧٥].
ومنها أن الله – تعالى – أكمل فيها لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ففي يوم عرفة اكتمل الدين، قال تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣]، وقد جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آية؟ قال قوله: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی﴾. فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والساعة التي نزلت فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزلت عَشية عَرَفَة في يوم جمعة" [تفسير ابن كثير، ٣/٢٦، ٢٧].
ومنها: اجتماع أمهات العبادات فيها، قال ابن حجر: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره" [فتح الباري لابن حجر: ٢/ ٤٦٠].
أرجى الأعمال في العشر الأول من شهر ذي الحجة
من جميل رحمة الله - تعالى - أن أكرم الأمة المحمدية بنفحات ومناسبات تطيل أعمارها بمضاعفة أجورها فيها، وفي مثل هذه الأيام الجليلة ينبغي أن نتحرى من الأعمال ما يساعدنا على اغتنامها والفوز بها، ومن هذه الأعمال:
التوبة الصادقة: فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فوز للعبد في الدنيا والآخرة؛ يقول تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
مجاهدة النفس: فينبغي على المسلم أن يحرص على عمارة هذه الأيام بالصالحات من الأعمال والأقوال، ومن حرص على شيء؛ أعانه الله، وهيأ له الأسباب التي تعينه عليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
إصلاح ذات البين: كل من يرغب الفوز في العشر الأول من ذي الحجة وهو قاطع لرحمه، أو مخاصم أخاه، أو مؤذ لجاره، أو مشاحن، أو غير ذلك، نقول له: كيف تأمل الفوز بمثل هذه الأيام وأنت على هذا الحال؟ لا تنس تحذير رسول الله – صلى الله عليه وسلم - من ذلك كله، فقال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [رواه مسلم].
التقرب إلى الله بالأضحية، فإنها مِن أعظم الشعائر، قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤].
التكبير والتحميد والتهليل والذكر: كان الصحابة يُكبرون في الأسواق في العشر الأول من ذي الحجة، ويكبر المسلمون معهم، فكان عمر يكبر في قبته بمنى، ويكبر أهل المسجد، ويكبر أهل السوق، حتى ترتج منى تكبيرًا" [فتح الباري، لابن حجر: ٢/٤٦٢]، وهذه الأيام هي المقصودة في قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الْحَجِّ: ٢٨]، قال ابن عباس - رضي الله عنهما: "هي أيام العشر"، وذِكْرُه - سبحانه - فيها من أفضل القُرُبات.
وغير ذلك من الأعمال الجليلة التي ينبغي أن يحرص عليها كل من يريد الفوز بهذه الأيام الفاضلة، كقراءة القرآن وتعلمه، والاستغفار، وبر الوالدين، وصلة الأرحام والأقارب، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإكرام الضيف، وإماطة الأذى عن الطريق، وزيارة المرضى، وقضاء الحوائج.
حكم صيام العشر الأول من شهر ذي الحجة:
من أفضل الأعمال التي ينبغي أن يتحراها المسلم في الأيام العشر الأول من ذي الحجة صيام الأيام التسع الأولى منها؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – حث عليها، فذهب غير واحد من العلماء إلى استحبابها، فعن أم سلمة – رضي الله عنها – قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» [سنن أبي داود].
ومن هذه الأيام العشر يوم عرفة، يوم الرحمة والمغفرة والبركة من الله – تعالى - فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ»، قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» [موطأ مالك - رواية يحيى: ١/ ٤٢٢]، وصيامه يكفر ذنوب سنتين؛ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [صحيح مسلم ٣/١٦٧].
الخلاصة
تتجلى عظمة العشر الأول من شهر ذي الحجة في قسم الله – تعالى – بها، فالعظيم لا يقسم بشيء من مخلوقاته إلا لعظمته، واجتماع أمهات العبادات فيها؛ مما يجعلها ميدانًا للتوبة الصادقة، والذكر، والصيام، وللفوز بها يجب على المسلم مجاهدة نفسه بعمارة الوقت بالطاعات والعمل الصالح، وإصلاح ذات البين، والتقرب إلى الله بكل برٍّ عسى أن ينال المغفرة والرضوان.