وزارة الأوقاف تجيب عن: لماذا نالت أيام العشر من ذي الحجة مكانة عالية؟
الثلاثاء، 19 مايو 2026 02:35 م
منال القاضي
طرحت وزارة الأوقاف في مستهل تقريرها عن “حج القلوب” تساؤلاً جوهريا "لماذا نالت أيام العشر من ذي الحجة هذه المكانة العالية، وكيف يستفيد منها من لم يكتب الله له الحج؟"، لتجيب بأن هذه الأيام نالت مكانتها المرموقة لأنها موسم اجتماع أمهات العبادة، حيث تجتمع فيها أصول العبادات الكبرى التي لا تجتمع في غيرها معًا، ولفتت الأوقاف إلى أنه يجب على من فاته الحج بجسده، أن يغتنم هذه الأيام بكثرة الطاعات كالتكبير والصيام والصدقة وقراءة القرآن.
وحول تربع "العشر" على عرش الزمان، بينت وزارة الأوقاف أن حكمة التشريع سر من أسرار العليم الحكيم؛ فتارة تراها ظاهرة ماثلة للعيان، وتارة تراها خفية لا يدركها إلا أهل العلم، وتارة تكون مجهولة تمامًا حتى للراسخين في العلم. وأشارت إلى أن أهل العلم قد تكلموا في حكمة تفضيل العشر الأوائل من ذي الحجة، وذهبوا فيها مذاهب شتى، ولكنها في مجملها ترجع إلى حكمة كلية رئيسة مستقاة من قوله -تعالى-: ﴿وَرَبُّكَ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُ وَیَخۡتَارُۗ﴾ ، فالاصطفاء والاختيار والتفضيل من أعلى خصوصيات الخالق، مؤكدة أن هذا الكلام يقودنا إلى إعادة طرح السؤال نفسه: بم تفوقت أيام العشر ونالت المكانة السامقة في الفضل والخير؟
وأضافت الأوقاف: "حتى نلم بالحديث عن الأيام العشر من جميع جوانبه لا بد أن نُبحر في عباب التاريخ منذ آثار النبوة الأولى، وبناء خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- الكعبة المشرفة، وأمر الله -عز وجل- له بالتأذين في الناس بالحج، وبداية شعيرة الحج السنوية في شهر معين، ولكرم وعظم الفريضة فيه أطلق عليه العرب شهر (ذي الحجة)".
وتابعت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أنه منذ أن تشرفت تلك الأيام بركن الإسلام الأعظم؛ الحج، صارت منبع الخيرات وموئل البركات وموسم النفحات، وفضلت عن سواها بأمور لا تجتمع في سواها، ومنها:
أولاً: أنها أفضل أيام العام على الإطلاق؛ فقد ورد عن سيدنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولُ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
ثانياً: أنها الأيام المعلومات التي شرع الله فيها ذكره؛ قال تعالى: ﴿لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامٍ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامٍ مَّعۡعُدُودَٰتٍۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِی یَوۡمَیۡنِ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّكُمۡ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾
.ونوهت الأوقاف بما قاله الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: إن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي أيام العشر، والأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي أيام التشريق".
ثالثاً: أنها الأيام المتمِّمات؛ قال تعالى: ﴿وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِینَ لَیۡلَةً وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٍ فَتَمَّ مِیقَٰتُ رَبِّهِۦۤ أَرْبَعِینَ لَیۡلَةًۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِی فِی قَوۡمِی وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾.
واستشهدت المنصة بما قاله الإمام القرطبي: "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمَسْرُوقٌ: هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ الشَّهْرَ، وَيَنْفَرِدَ فِيهِ بِالْعِبَادَةِ، فَلَمَّا صَامَهُ أَنْكَرَ خَلُوفَ فَمِهِ فَاسْتَاكَ، قِيلَ: بِعُودِ خَرْنُوبٍ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْشِقُ مِنْ فِيكَ رائحة الْمِسْكِ فَأَفْسَدْتَهُ بِالسِّوَاكِ، فَزِيدَ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ".
كما ذكرت الأوقاف ما أورده الإمام الرازي من عدة أقوال لهذه الآية، منها: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰۤ﴾ [البقرة: ٥١]، مَعْنَاهُ وَاعَدْنَا مُوسَى انْقِضَاءَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، كَقَوْلِهِمْ: الْيَوْمُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُنْذُ خَرَجَ فُلَانٌ، أَيْ: تَمَامُ الْأَرْبَعِينَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ.
وأبرزت الأوقاف لفتة الحافظ ابن رجب الحنبلي لـ "القاعدين" حيث قال: "والقاعدين؛ فمن عجز عن الحج في عام، قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج" ،
كما أوضحت الأوقاف عبادات بديله عن الحج وليتكسب بها المسلم اجر فى واطنه لمن لم يستطع الحج عبر منصتها الرقمية، في إطار تواصلها الدعوي والتوعوي مع جماهير المسلمين بالتزامن مع نفحات ذي الحجة، خطة إيمانية متكاملة تحت عنوان "حج بقلبك"، موجهة خطابها السامي إلى أولئك الذين لم يكتب الله لهم الحج هذا العام، ليعيشوا أجواء مكة المشرفة بقلوبهم وأرواحهم وهم في أوطانهم.