أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة له وليس "سداح مداح"
السبت، 23 مايو 2026 01:37 م
يوسف أيوب
على وقع اشتعال المنطقة من حولنا، يظل أمن البحر الأحمر قضيةً محورية لا تنفصل عن أمننا القومي، باعتباره أحد أهم دوائر الأمن الاستراتيجي لمصر، ومن هنا تتواصل التحركات المصرية لصياغة رؤية جديدة تقوم على مبدأ اساسى لا تراجع عنه، وهى أن حوكمة وأمن البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، باعتباره ممراً استراتيجياً يرتبط بشكل مباشر بالأمن القومي لتلك الدول، ولا يجوز لأي أطراف غير مشاطئة الانخراط في ترتيبات أو تفاهمات تخصه، فهذه المنطقة ليست "سداح مداح" لمن يشاء، بل هي حق أصيل لدوله.
وهذه الرؤية ليست وليدة اليوم، ولكنها لصيقة الصلة بالأمن القومى المصرى، وموجودة في كل التحركات المصرية، ولم تنشغل عنها للحظة، فهى على الدوام تعمل بالقول والفعل على تأكيد أن أمن وإدارة البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق.
والسبت الماضى، قام الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية، والفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل، بزيارة إلى دولة إريتريا والتقيا الرئيس أسياس أفورقي، وحملت هذه الزيارة التأكيد المصرى الواضح بشأن أمن واستقرار البحر الأحمر، وفى نفس الوقت دعم مصر للرؤية الإريترية بشأن إدارة البحر الأحمر، وما تضمنته من التأكيد على وحدة وسيادة الدول المطلة عليه.
والمهم في هذه الزيارة إنها حملت جددت التأكيد على الرؤية المصرية، فأمن البحر الأحمر لن يتحقق الا باستقرار الدول المشاطئة له، وهذا بدوره يتطلب مزيد من التنمية، وهنا جاءت الزيارة التي حملت أولاً تأكيداً مصرية على الدعم الكامل لدولة إريتريا من أجل الحفاظ على سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها، والحرص على تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري معها في مختلف المجالات بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين من خلال إقامة مشروعات تعاون ثنائي، واللافت هنا كان اصحطاب عدد من رجال الأعمال وممثلي القطاع الخاص، بما يسهم في تعزيز الشراكة في عدد من القطاعات ذات الأولوية، وعلى رأسها التعدين والنقل، والصناعات الدوائية، والثروة السمكية، فضلاً عن دعم برامج بناء القدرات والتدريب لتأهيل الكوادر الإريترية في مختلف القطاعات، حيث تم التوقيع على اتفاقية للتعاون في مجال النقل البحري، وهى تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الربط اللوجستي بين البلدين، ودعم حركة التجارة والاستثمار، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتنموي، بما يعكس حرص القيادة السياسية في البلدين على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أرحب، وتعظيم الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلدين على البحر الأحمر.
كما أكد الفريق مهندس كامل الوزير، الحرص على تعزيز التعاون مع إريتريا في مجالات النقل والبنية التحتية واللوجستيات، مشيراً إلى استعداد الجانب المصري لنقل خبراته في مجالات السكك الحديدية، والموانئ، والنقل البحري، بما يسهم في دعم جهود التنمية وتعزيز الربط الاقتصادي بين البلدين، مثمناً التوقيع على اتفاقية التعاون في مجال النقل البحري، وتسيير خط ملاحي للشحن يربط بين الموانئ المصرية والإريترية عبر البحر الأحمر والتي ستسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وخلال الزيارة عُقدت فعاليات منتدى الأعمال المصري–الإريتري، الذى شهد نقاشاً موسعاً بين ممثلي الشركات المصرية والإريترية حول فرص الاستثمار المتاحة، وسبل تدشين مشروعات مشتركة، وآليات تذليل العقبات أمام مجتمع الأعمال، حيث أكد وزير الخارجية حرص الدولة المصرية على تقديم كافة أوجه الدعم للشركات المصرية وتعزيز التواصل مع الجهات الإريترية المعنية، بما يسهم في ترسيخ الشراكة الاقتصادية بين البلدين وتحقيق التكامل الاقتصادي في منطقة القرن الأفريقي.
الرؤية المصرية هنا واضحة، التنمية هي المدخل الرئيسى للاستقرار، وهو ما يتطلب التعاون بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر.
وارتباطاً بهذه الرؤية أيضاً، تواصل القاهرة تحركاتها الدولية والإقليمية بهدف الحفاظ على أمن الملاحة بالممرات المائية الدولية كركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية، فالبحر الأحمر بكل تأكيد وأمنه لا ينفصل عن الحرب الإيرانية، وما يشهده مضيق هرمز من مناوشات بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران، ورغبة كل منهما في فرض ارادته على الأخر، فالدبلوماسية المصرية لم تتوقف للحظة واحدة فى سبيل دعم المسار التفاوضي الامريكى - الايرانى والدفع بالحوار والحلول الدبلوماسية، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وفى نفس الوقت الحفاظ على أمن واستقرار دول الخليج، والوقوف بجانبهم في مواجهة أية ممارسات تستهدف المساس بأمنها واستقرارها.
كل هذه التحركات والروئ المصرية تستهدف تحقيق هدف واحد، وهو أمن واستقرار المنطقة، وهذا لن يتحقق الا بتحديد القواعد الحاكمة، وهو ما تؤكده القاهرة اليوم.