مشروع القرن الزراعي.. مصر تفتح بوابة الأمن الغذائي من الصحراء بـ"الدلتا الجديدة"

السبت، 23 مايو 2026 06:45 م
مشروع القرن الزراعي.. مصر تفتح بوابة الأمن الغذائي من الصحراء بـ"الدلتا الجديدة"
أحمد سامي

الرئيس السيسي: المشروع حكاية كبيرة صنعتها إرادة المصريين.. وتنمية لا تتحقق إلا بالعمل والإخلاص
2.2 مليون فدان تغير خريطة الاقتصاد الزراعي وتصنع المستقبل بـ800 مليار جنيه
محطة «نبع» منظومة مياه عملاقة بطول 300 كيلومتر تزرع الحياة في قلب الرمال
مركز سفنكس لتجارة المحاصيل أكبر سوق زراعي في الشرق الأوسط ومنصة لتعزيز الصادرات المصرية 
 
تتجلى المشروعات الكبرى في قيمتها بما تُحدثه من تحولاتٍ جذرية في حياة الشعوب، لا بما تُسجله من أرقامٍ وإحصاءات فقط، وبين الطموح والإنجاز، يبرز مشروع «الدلتا الجديدة» بوصفه واحدًا من أهم المشروعات القومية التي تنفذها الدولة المصرية في تاريخها الحديث، فهو ليس مجرد توسعٍ زراعي أو إضافةٍ جديدة إلى الرقعة المنزرعة، بل رؤية شاملة لإعادة صياغة مفهوم التنمية في مصر، وبناء مستقبل يقوم على الإنتاج والاكتفاء والاستدامة.
 
وفي مشهد يعكس حجم التحول الذي تشهده الدولة المصرية، شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأحد الماضى، افتتاح مشروع «الدلتا الجديدة» بمحور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، في خطوة وُصفت بأنها نقطة انطلاق جديدة نحو بناء اقتصاد إنتاجي متكامل قائم على الزراعة الحديثة والتصنيع والتنمية المستدامة، وترسيخ مفهوم الدولة القادرة على تحويل التحديات إلى فرص تنموية حقيقية تعيد رسم ملامح الخريطة الاقتصادية لمصر.
 
ويأتي هذا المشروع في إطار رؤية الدولة المصرية لبناء "الجمهورية الجديدة"، التي لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تعمل على تغييره جذريًا عبر تنفيذ مشروعات قومية كبرى تستهدف توسيع الرقعة الزراعية، وتعزيز الأمن الغذائي، وخلق مجتمعات إنتاجية متكاملة تمتد خارج نطاق الوادي والدلتا التقليديين.
 
المشروع الذي يمتد على مساحة ضخمة تصل إلى 2.2 مليون فدان، لا يُعد مجرد مشروع لاستصلاح الأراضي، بل يمثل مدينة إنتاجية متكاملة، تجمع بين الزراعة الذكية، والصناعات الغذائية، والبنية التحتية العملاقة، ومجتمعات عمرانية حديثة، بما يعكس تحولًا استراتيجيًا في فلسفة التنمية، يقوم على التكامل بين الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية في منظومة واحدة مترابطة
 
التنمية طريق البقاء
منذ اللحظة الأولى لافتتاح المشروع، بدت رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي واضحة وحاسمة؛ فالدولة لا تبني مشروعًا زراعيًا فحسب، بل تؤسس لقدرة مصر على الصمود في عالم تتزايد فيه الأزمات الدولية المرتبطة بالغذاء والطاقة والمياه.
 
وأكد الرئيس السيسي أن مشروع الدلتا الجديدة "يدعو للفخر والسعادة لأنه مشروع عملاق بأيدي المصريين"، مشددًا على أن ما تحقق هو نتيجة تضافر مؤسسات الدولة كافة، إلى جانب مشاركة فعالة من القطاع الخاص، ومؤكدًا أن الشعب المصري هو صاحب الإنجاز الحقيقي.
 
وقال الرئيس السيسي خلال كلمته: "افرحوا بأنفسكم وببلادكم لأن ما حدث بالدلتا تم بيد المصريين"، مضيفًا أن المشروع لم يكن ليتحقق إلا بفضل الله ثم بإرادة المصريين الذين نجحوا في تحويل الصحراء إلى مناطق إنتاج وتنمية.
 
ولم تكن كلمات الرئيس مجرد إشادة بالمشروع، بل حملت أيضًا رسائل توعية للرأي العام، حيث طالب الدكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بشرح تفاصيل المشروع كاملة للمواطنين والإعلاميين والمستثمرين، حتى يدرك الجميع حجم ما تم إنجازه، قائلًا: "مش عايزك تستعجل.. عاوزين الناس تعرف التفاصيل كاملة، لأن اللي اتعمل ده حكاية كبيرة"، مشيراً إلى أن تكلفة البنية التحتية للفدان الواحد بالمشروع تتراوح بين 350 و400 ألف جنيه، وهو ما يجعل إجمالي تكلفة المشروع يقترب من 800 مليار جنيه، مؤكدًا أن الدولة أنفقت هذه الأموال لبناء مستقبل آمن للأجيال القادمة.
وأوضح الرئيس السيسي أن المشروع اعتمد على فكرة عبقرية تتمثل في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي التي كانت تُهدر في البحر المتوسط، ثم معالجتها معالجة ثلاثية ونقلها لمسافات طويلة داخل الصحراء، في واحدة من أعقد منظومات نقل المياه في المنطقة، وقال: "هذه المياه كانت تُهدر في البحر المتوسط، وتم الاستفادة منها في الزراعة بعد معالجتها"، موضحًا أن الدولة أنشأت مسارات مائية بطول يتجاوز 300 كيلومتر، إضافة إلى 19 محطة رفع عملاقة تعمل عكس الميل الطبيعي للأرض.
 
وأضاف الرئيس أن المشروع احتاج إلى إنشاء شبكات كهرباء ضخمة ومحطات طاقة بقدرات تصل إلى 2000 ميجاوات، فضلًا عن آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة، مؤكدًا أن ما جرى تنفيذه يُعد "حكاية كبيرة جدًا" يجب أن يعرفها الشعب المصري بكل تفاصيلها.
 
رؤية زراعية جديدة لإدارة الموارد
ولأن الدولة لا تنظر إلى الزراعة باعتبارها نشاطًا تقليديًا فقط، كشف الرئيس السيسي عن رؤية متكاملة لإدارة المحاصيل الزراعية بما يحقق أعلى إنتاجية ممكنة، موضحًا أن الأراضي الطينية القديمة ستُخصص للمحاصيل الأعلى إنتاجية مثل القمح والذرة، بينما تُزرع الأراضي الصحراوية بالمحاصيل التي تحقق جودة وإنتاجًا أفضل في هذه البيئة، مثل بنجر السكر.
 
وأكد الرئيس أن مشروع الدلتا الجديدة يوفر نحو مليوني فرصة عمل مستدامة، وليس مجرد وظائف مؤقتة، موضحًا أن أكثر من 150 شركة من القطاع الخاص تشارك بالفعل في أعمال الزراعة والإنتاج داخل المشروع، وقال: "عملية التنمية محتاجة جهد وعمل وإخلاص.. والأمل وحده لا يكفي"، مؤكدًا أن التنمية الحقيقية لا تتوقف، وأن الدولة مستمرة في تنفيذ مشروعات قومية كبرى لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
 
كما تحدث الرئيس بصراحة عن قضية الاكتفاء الذاتي، موضحًا أن الوصول إلى اكتفاء كامل من جميع المحاصيل أمر بالغ الصعوبة في ظل الزيادة السكانية الضخمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الدولة تعمل على تقليل الفجوة الاستيرادية وتعظيم الإنتاج المحلي، وأضاف: "مفيش دولة تقدر تحقق اكتفاء ذاتي كامل لكل المحاصيل، لكن المهم إننا نشتغل ونزود إنتاجنا ونفهم حجم التحدي"، وشدد الرئيس كذلك على أن التنمية الحقيقية ترتبط بالسلام والاستقرار، مؤكدًا أن التوترات الإقليمية والدولية تؤثر بصورة مباشرة على أمن الغذاء والطاقة، وهو ما يتطلب بناء قدرات ذاتية قوية تحمي الدولة المصرية من التقلبات العالمية.
 
جولة الرئيس داخل المشروع
وخلال فعاليات افتتاح مشروع «الدلتا الجديدة»، تابع الرئيس عبد الفتاح السيسي عرضًا تفصيليًا لمراحل تنفيذ المشروع، كما تفقد محطة رفع المياه «نبع»، واطلع على نماذج من منظومة التشغيل والتحكم الحديثة، إضافة إلى تفقده مناطق حصاد القمح وإنتاج بنجر السكر.
 
واستمع الرئيس إلى شرح حول معدلات إنتاجية الفدان وجودة المحاصيل، مؤكدًا أهمية مواصلة تطوير القطاع الزراعي والتوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة بمختلف مراحل الإنتاج، بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق الاستدامة، كما حرص الرئيس على لقاء العاملين بالمشروع والتقاط الصور التذكارية معهم، في رسالة تقدير لكل الجهود التي ساهمت في تنفيذ هذا المشروع القومي العملاق.
 
وكان في استقبال الرئيس لدى وصوله إلى موقع المشروع كل من الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، والدكتور حسين عيسى نائبا رئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية، والفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وحسن عبد الله محافظ البنك المركزي، والفريق مهندس كامل الوزير وزير النقل، والدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، والدكتور شريف فاروق وزير التموين، وعلاء فاروق وزير الزراعة، والدكتور بهاء الغنام المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
 
بوابة لبناء اقتصاد إنتاجي مستدام
وخلال فعاليات الافتتاح، أكد الدكتور بهاء الغنام المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، أن المشروع يمثل "العمود الفقري الزراعي لمصر وأيقونة التنمية الشاملة"، موضحًا أن ما تحقق في المنطقة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج رؤية استراتيجية متكاملة قادتها الدولة خلال السنوات الماضية، بدأت بمحاربة الإرهاب وانتهت ببناء مشروعات تنموية عملاقة غير مسبوقة، موضحاً أن "الدلتا الجديدة" تمثل العمود الفقري الزراعي لمصر ونموذجًا متكاملًا للتنمية الشاملة، حيث تعتمد على بنية تحتية عملاقة ومحاور تنموية حديثة، مؤكدًا أن المشروع تطور من مساحة 450 ألف فدان تعتمد على المياه الجوفية إلى مشروع ضخم يعتمد على منظومة متطورة لنقل ومعالجة المياه.
 
وأشار الغنام إلى أن المشروع يضم أكثر من 12 ألف كيلومتر من الطرق، ومحطات كهرباء بقدرات تتجاوز 2000 ميجاوات، إلى جانب شبكات مياه وكهرباء عملاقة، مؤكدًا أن "الدلتا الجديدة" ليست مجرد مشروع زراعي، بل مركز متكامل للزراعة والتصنيع والخدمات اللوجستية والتنمية العمرانية.
وشدد على أهمية الشراكة مع القطاع الخاص، موضحًا أن الدولة تعمل على جذب الاستثمارات وتدريب كوادر بشرية قادرة على التعامل مع مفاهيم الزراعة الحديثة والتكنولوجيا المتطورة، بما يدعم بناء اقتصاد إنتاجي قوي يحقق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.
 
أكبر مشروع زراعي في تاريخ مصر
ويُعد مشروع الدلتا الجديدة واحدًا من أهم المشروعات التي ينفذها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الذي يقود حاليًا منظومة متكاملة من المشروعات القومية الزراعية والإنتاجية بالتعاون مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
 
ويستهدف الجهاز بناء نموذج تنموي حديث يعتمد على تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وتحقيق التكامل بين الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية، مع الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة والتحول الرقمي في مختلف مراحل الإنتاج.
 
ويقع مشروع الدلتا الجديدة في موقع استراتيجي غرب الدلتا القديمة، على امتداد محور الشيخ زايد "الضبعة سابقًا"، ليربط بين محافظات الجيزة والبحيرة ومطروح والفيوم، وهو ما يمنحه ميزة لوجستية كبيرة لقربه من الموانئ البحرية والجوية وشبكات الطرق الحديثة.
 
ويتميز المشروع بقربه من ميناء الإسكندرية وميناء الدخيلة وميناء دمياط، بالإضافة إلى مطاري سفنكس وبرج العرب، ما يسهل عمليات نقل وتصدير الحاصلات الزراعية والمنتجات الغذائية، كما يرتبط المشروع بشبكة طرق قومية ضخمة تضم محور الضبعة وطريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي وطريق وادي النطرون ـ العلمين، بما يجعله مركزًا تنمويًا متكاملًا يسهل الوصول إليه من مختلف أنحاء الجمهورية.
 
أرقام تكشف حجم المشروع
يعكس مشروع الدلتا الجديدة حجمًا غير مسبوق من الاستثمارات والبنية التحتية، حيث تستهدف الدولة إضافة نحو 2.2 مليون فدان جديدة للرقعة الزراعية، بما يمثل زيادة تقارب 15% من إجمالي الأراضي الزراعية في مصر.
 
كما تعمل الدولة بالتوازي على استصلاح ما يصل إلى 4.5 مليون فدان ضمن مشروعات الدلتا الجديدة ومستقبل مصر وسيناء وتوشكى وشرق العوينات.
وتصل الاستثمارات المخصصة للمشروع إلى نحو 800 مليار جنيه، تشمل إنشاء شبكات الكهرباء والطرق ومحطات المعالجة ومحطات الرفع والبنية اللوجستية.
 
ويضم المشروع 19 محطة رفع رئيسية لنقل المياه، إضافة إلى مسارات مائية بطول يتجاوز 300 كيلومتر لنقل المياه المعالجة إلى عمق الصحراء.
كما جرى إنشاء محطات كهرباء بقدرات تصل إلى 2000 ميجاوات، فضلًا عن تنفيذ آلاف الكيلومترات من الطرق الداخلية والخارجية وشبكات الكهرباء والمحولات.
 
وتشارك في تنفيذ المشروع مئات الشركات الوطنية في مجالات البنية التحتية والزراعة والطاقة والتصنيع، بما يجعله واحدًا من أكبر المشروعات التي تعتمد على التكامل بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.

الزراعة الذكية.. مستقبل الإنتاج الزراعي
ويعتمد المشروع على منظومة متطورة للزراعة الذكية تشمل الري المحوري والري بالتنقيط، وأنظمة التحكم الرقمي والاستشعار عن بُعد، بما يضمن رفع كفاءة استخدام المياه والطاقة وتحقيق أعلى معدلات الإنتاج.
 
وتسعى الدولة من خلال هذا النموذج إلى تحقيق نقلة نوعية في إدارة القطاع الزراعي، عبر الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في الري والتسميد والمتابعة والإنتاج.
 
كما يتم استخدام نظم مراقبة رقمية متقدمة لقياس جودة التربة والمحاصيل، إلى جانب تطبيقات الذكاء الاصطناعي في متابعة الإنتاج الزراعي وترشيد استهلاك الموارد.
 
ويستهدف المشروع إنتاج محاصيل استراتيجية على رأسها القمح والذرة وبنجر السكر والمحاصيل الزيتية، إلى جانب التوسع في الزراعات التصديرية التي تحقق قيمة اقتصادية مرتفعة.
 
منظومة المياه.. معركة الحياة في الصحراء
وتُعد منظومة المياه داخل المشروع من أكبر منظومات نقل ومعالجة المياه في الشرق الأوسط، حيث يتم توفير المياه من خلال ثلاثة مصادر رئيسية تشمل المياه السطحية، ومياه الصرف الزراعي المعالجة، والمياه الجوفية وفق ضوابط الاستدامة.
 
ويتم نقل المياه لمسافات طويلة عبر مسارات وقنوات عملاقة جرى تنفيذها بأحدث النظم الهندسية، في واحدة من أعقد عمليات نقل المياه في المنطقة.
وشهد المشروع تنفيذ مئات الكيلومترات من القنوات المفتوحة وخطوط المواسير، وإنشاء عشرات محطات الرفع، إضافة إلى شبكات كهرباء عملاقة ومحطات محولات وطرق داخلية حديثة.
 
كما تم إنشاء نظم تشغيل وتحكم رقمية متطورة تتيح متابعة تدفق المياه وضغط الشبكات وكفاءة التشغيل بصورة لحظية.
 
محطة «نبع».. قلب منظومة الري
ومن أبرز المشروعات المرتبطة بالدلتا الجديدة محطة الرفع الرئيسية رقم 3 «نبع»، التي تُعد أحد أهم مكونات منظومة نقل المياه داخل المشروع، حيث تقوم برفع نحو 9.75 مليون متر مكعب من المياه يوميًا.
 
وتخدم محطة «نبع» نحو 470 ألف فدان، وتم تصميمها وفق أحدث النظم التكنولوجية العالمية، مع ربطها بمنظومة تحكم وتشغيل رقمية متكاملة تتيح المراقبة الفورية لكفاءة التشغيل.
 
وتضم المحطة 11 مضخة عملاقة، منها 9 مضخات رئيسية و2 احتياطية، إلى جانب منظومة متكاملة للتحكم والتشغيل ومحولات كهربائية وأنظمة إنذار ومكافحة حريق.
 
كما جرى تصميم المحطة لتعمل بكفاءة حتى في حالات الطوارئ أو تغيرات شبكة الكهرباء، باستخدام أحدث تقنيات الحماية والتحكم.
 
من الحقل إلى التصدير
ولا يقتصر مشروع الدلتا الجديدة على الزراعة فقط، بل يمتد ليشمل التصنيع الزراعي والصناعات الغذائية، من خلال إنشاء مدينة «مستقبل مصر الصناعية»، التي تضم مصانع للعصائر والخضروات المجمدة والسكر والنشا والجلوكوز والأعلاف والصناعات الغذائية المختلفة.
 
وتهدف هذه المدينة الصناعية إلى تعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعي، وتقليل الفاقد، وزيادة الصادرات المصرية، وتحويل المشروع إلى قاعدة إنتاج وتصدير إقليمية كبرى.
 
وتضم المدينة بنية تحتية متطورة تشمل محطات تعبئة وتغليف وثلاجات تبريد ومناطق لوجستية وشبكات نقل حديثة.
 
كما تسعى الدولة من خلال هذا النموذج إلى ربط الزراعة بالصناعة بشكل مباشر، بما يضمن تحقيق أعلى استفادة اقتصادية من المحاصيل المنتجة.
 
مركز سفنكس.. بورصة زراعية عملاقة
كما يشمل المشروع إنشاء «مركز سفنكس لتجارة المحاصيل»، الذي يُعد أكبر سوق متكامل للحاصلات الزراعية في الشرق الأوسط، ويضم أسواقًا متخصصة ومخازن مبردة ومحطات تعبئة وتغليف وبورصة للحاصلات الزراعية.
 
ويهدف المركز إلى تنظيم حركة تداول المحاصيل وتقليل الفاقد وتحسين منظومة التسويق الزراعي، بما يضمن وصول المنتجات للمستهلك بجودة عالية وأسعار مستقرة.
 
كما يمثل المركز منصة رئيسية للتصدير، مستفيدًا من الموقع الاستراتيجي للمشروع وقربه من الموانئ وشبكات النقل الحديثة.

التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر
ويعكس المشروع توجه الدولة نحو تطبيق مفاهيم التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر، من خلال إعادة استخدام المياه، وترشيد استهلاك الطاقة، وتقليل الانبعاثات، والتوسع في المجتمعات الإنتاجية الذكية منخفضة التأثير البيئي.
 
كما تعتمد الدولة على الطاقة الحديثة ونظم الإدارة الذكية في تشغيل العديد من مكونات المشروع، بما يحقق أعلى كفاءة تشغيلية ممكنة.
 
ويُنظر إلى المشروع باعتباره نموذجًا متقدمًا للتنمية المستدامة في المنطقة، يجمع بين الأمن الغذائي والحفاظ على الموارد الطبيعية في آن واحد.
 
ويأتي مشروع الدلتا الجديدة ضمن سلسلة مشروعات قومية كبرى تنفذها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، تشمل مشروعات توشكى ومستقبل مصر وسيناء وشرق العوينات، في إطار خطة شاملة لإضافة ملايين الأفدنة الجديدة إلى الرقعة الزراعية.
 
وتستهدف الدولة من خلال هذه المشروعات تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات الزراعية، وخلق مجتمعات عمرانية وإنتاجية جديدة خارج الوادي الضيق.
 
كما تسعى الدولة إلى تحقيق تكامل حقيقي بين الزراعة والتصنيع والخدمات اللوجستية، بما يضمن تحقيق أعلى قيمة اقتصادية ممكنة من الإنتاج الزراعي.
ويمثل المشروع أيضًا نموذجًا متقدمًا للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، حيث تشارك مئات الشركات في أعمال الزراعة والبنية التحتية والتصنيع والخدمات المختلفة.
 
ويؤكد هذا النموذج أن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق إلا بتكامل أدوار الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، في إطار رؤية وطنية موحدة تستهدف بناء مستقبل أفضل للمواطن المصري.

الأمن الغذائي.. معركة المستقبل
وفي ظل التحديات الاقتصادية العالمية الراهنة، يكتسب مشروع الدلتا الجديدة أهمية مضاعفة، باعتباره أحد أهم أدوات الدولة المصرية لتعزيز قدرتها على مواجهة أزمات الغذاء والطاقة والتغيرات المناخية.
 
فالعالم اليوم يشهد اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء، وهو ما يجعل امتلاك قاعدة إنتاج زراعي قوية مسألة أمن قومي لا تقل أهمية عن أي ملف استراتيجي آخر.
 
ومن هنا، تبدو «الدلتا الجديدة» أكثر من مجرد مشروع تنموي، بل خطوة استراتيجية لحماية مستقبل مصر الغذائي والاقتصادي، وبناء دولة قادرة على الإنتاج وتحقيق التنمية المستدامة.
 
ومع استمرار العمل في المشروع ومراحله المختلفة، تتشكل على أرض الصحراء ملامح «دلتا جديدة» تحمل معها آمال ملايين المصريين في مستقبل أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات.
 
إن ما يحدث اليوم في «الدلتا الجديدة» ليس مجرد إضافة أفدنة جديدة إلى الخريطة الزراعية، بل إعادة صياغة لفكرة التنمية نفسها، عبر الانتقال من مفهوم التنمية المحدودة إلى مفهوم الدولة المنتجة القادرة على استثمار مواردها بكفاءة وبناء مستقبلها بإرادة أبنائها.
 
وبينما كانت الصحراء يومًا عنوانًا للجفاف والعزلة، تتحول اليوم في قلب مشروع «الدلتا الجديدة» إلى رمز للحياة والعمل والإنتاج، في مشهد يلخص حكاية وطن قرر أن يصنع مستقبله بيده، وأن يزرع الأمل في أرضه مهما كانت التحديات.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق