هل يتحول التمويل الإستهلاكي إلى قنبلة موقوتة فى وجه المستهلكين والاقتصاد؟
الأحد، 24 مايو 2026 11:00 ص
هبه جعفر
خبراء يحذرون من تحويلها إلى قنوات لـ "إعادة تدوير السيولة المصرفية" خارج رادار الرقابة النقدية البنك المركزى يطالب بمراجعات وتحريات ميدانية والاستعلام عن عينات من العملاء ومطابقة بياناتهم مع I score
الرقابة المالية: 2532 شركة تقدم خدمات لـ64 مليون عميل.. وجميعها ملزمة بتوفير تغطية تأمينية لعملائها
الرقابة المالية: 2532 شركة تقدم خدمات لـ64 مليون عميل.. وجميعها ملزمة بتوفير تغطية تأمينية لعملائها
"التمويل الاستهلاكي"، عبارة أصبحت منتشرة بقوة في مصر، بمجرد التجول على مواقع التواصل الاجتماعي ستجد شعارات جذابة مثل "قسّط بدون فوائد" و"اشترِ الآن وادفع لاحقاً"، وشهدت تطبيقات التمويل وشركات التقسيط طفرة قياسية، لتتحول من ظاهرة استثمارية ناشئة إلى "غول" ائتماني ينافس بقوة أدوات الادخار والاقتراض التقليدية، ومن مجرد آلية لتسهيل الشراء إلى محرك أساسي لحركة الأسواق، وعصب نابض لحياة الملايين من المواطنين الراغبين في ملاحقة قطار الأسعار المتسارع، ومع هذا النمو المتسارع تظهر المخاوفات وتتعالي الاصوات بالتحذيرات من تحول شركات التمويل الاستهلاكي إلى "قنبلة موقوتة" تهدد الأوضاع الاقتصادية المستقرة لبرامج الاقتراض بالبنوك، وتزيد من التعثر المالي للمستهلكين خاصة مع استغلال حاجة المواطنين إلى مبالغ مالية سائلة للوفاء بالتزمات المادية في ظل الأوضاع الاقتصادية المضطربة.
الهيئة العامة للرقابة المالية برئاسة الدكتور إسلام عزام، أصدرت الأسبوع الماضى، تقريراً يرصد لأنشطة القطاع المالي غير المصرفي في مصر الخاضعة لرقابة الهيئة، وكشفت الإحصائيات أن قيم التمويلات الممنوحة من الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة بنهاية عام 2025 بلغت نحو 1.4 تريليون جنيه، بما يعادل حوالي 54% من إجمالي التمويلات الممنوحة من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والعائلي والأفراد الطبيعيين، ويضم القطاع المالي غير المصرفي حاليًا نحو 2532 شركةً وجهةً خاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية تخدم ما يزيد على 64 مليون عميل، حيث تنتشر الشركات والجهات العاملة بالقطاع وفروعها في جميع أنحاء الجمهورية، بما في ذلك المناطق الأكثر احتياجًا.
وارتفعت المخاوف من شركات التمويل الاستهلاكي بعد التحذيرات التى اطلقته هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي لـ"البنك التجاري الدولي"، من توسع الأفراد في الاقتراض من شركات التمويل غير المصرفي بدلاً من البنوك، نظراً لما يمثله ذلك من مخاطر على الدورة الاقتصادية في البلاد، وقال عز العرب، إن بعض العملاء الذين لا يستطيعون الحصول على تمويل من البنوك يلجأون إلى شركات التمويل غير المصرفي بتكلفة مرتفعة، رغم ضعف قدرتهم على السداد، مبدياً شكوكه في التزام بعض تلك المؤسسات بسياسات التقييم الائتماني المنضبطة المطبقة في القطاع المصرفي.
وكشفت الإحصائيات بنهاية عام 2025 أن حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي بلغ حوالي 417 مليار جنيه، وتجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، أما نسب التعثر فقد سجلت أقل من 3%، أوضح الدكتور إسلام عزام أن هذه التطورات الإيجابية تحققت على ضوء ممارسة الهيئة لدورها الرقابي بصورة صارمة لضمان سلامة واستقرار هذا القطاع الحيوي والموازنة بين حقوق ومكتسبات المواطنين والمستثمرين، مما يعزز ثقة جميع الأطراف واستقرار السوق وتعميقها، مشيراً إلى إلزام جميع الشركات والجهات بمختلف الأنشطة المالية غير المصرفية بتطبيق المعايير الدولية "بازل 3" Basel III في حساب معيار كفاية رأس المال والرافعة المالية ومعايير السيولة ونسب التركز الفردي والقطاعي، وذلك بموجب قرار مجلس إدارة الهيئة رقم (137) لسنة 2025، حيث ألزم القرار ذاته شركات التمويل غير المصرفي باتباع أسس الجدارة الائتمانية قبل منح التمويل، والتي تهدف إلى التحقق من التزام الشركات بالمعايير الفنية التي تضمن جودة المحفظة الائتمانية والجدارة الائتمانية للعملاء قبل المنح والملاءة المالية التي تضمن القدرة على السداد، كما تتضمن مراجعة سياسات المنح والاستعلام الائتماني على العملاء وفحص الجدارة الائتمانية وتحليل المخاطر وفحص حدود ونسب التركز.
قرارات البنك المركزى لضبط سوق التمويل الاستهلاكي
ومن جانبه شدد البنك المركزي المصري الضوابط المنظمة لتعامل البنوك مع شركات التمويل بالبلاد، في خطوة تأتي وسط حالة جدل متصاعدة بشأن توسع نشاط التمويل غير المصرفي ومعايير التقييم الائتماني المطبقة في القطاع.
وألزمت تعليمات المركزى الجديدة، البنوك بالتأكد من تسجيل شركات التمويل لدى البنك المركزى وشركة «آى سكور» من خلال رقم تعريفى يتيح إدراجها كجهات مانحة للائتمان ضمن التقارير الائتمانية المجمعة للعملاء. كما اشترطت الحصول على تعهد رسمى من العضو المنتدب لكل شركة بالالتزام بالإفصاح الدورى عن البيانات الائتمانية الخاصة بمحافظها التمويلية.
وأوجبت قرارات المركزى على البنوك تنفيذ مراجعات وتحريات ميدانية للتأكد من التزام الشركات بالإفصاح الفعلى، وذلك عبر الاستعلام عن عينات من العملاء ومطابقة بياناتهم مع السجلات المتاحة لدى آى سكور.
تحركات برلمانية ضد شركات التمويل الاستهلاكي
وتقدم النائب حسن عمار عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب بطلب إحاطة موجه إلى رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي ورئيس الهيئة العامة للرقابة المالية بشأن التوسع في نشاط شركات التمويل الاستهلاكي والتقسيط غير المصرفي وما يمثله من مخاطر اقتصادية واجتماعية تهدد الإستقرار المالي للأسر المصرية وتدفع المجتمع نحو الاعتماد المفرط على الديون والاستهلاك ، مشيراً إلي انه خلال السنوات الأخيرة شهدت مصر انتشاراً واسعاً وغير مسبوق لشركات التمويل الإستهلاكي والتقسيط سواء من خلال الفروع المنتشرة بالمولات والأسواق أو عبر التطبيقات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت الديون القدم للمواطن بإعتبارها إسلوب حياة يومي في ظل حملات تسويقية ضخمة الدفع المواطنين نحو الإقتراض والشراء بالأجل بصورة مقلقة.
ولفت إلى أن قيام بنش الشركات بإغراء المواطنين بالحصول على التمويل بسهولة شديدة دون دراسة دقيقة للقدرة الفعلية على السداد الأمر الذي يؤدي إلى دخول آلاف الأسر في دوامة لا تنتهي من الأقساط والديون والفوائد والغرامات، وشدد على عدم امكانية تجاهل التراجع الخطير في معدلات الإدخار داخل مصر والتي انخفضت بصورة مقلقة من %10 إلى 1% من الناتج المحلى الإجمالي في ظل تنامي ثقافة الإستهلاك بالدين فضلاً عن ما يثار بشأن التوسع في عمليات (التوريق) وتحويل الديون إلى أوراق مالية يتم تداولها وهو ما يفتح الباب أمام مخاطر اقتصادية قد تتفاقم مستقبلاً إذا غابت الرقابة الصارمة تشبه الأزمة العالمية في ٢٠٠٨.
وتسائل النائب عن الضوابط التي تحمي المواطنين من الوقوع في فخ الديون المفرطة ؟، وهل هناك رؤية واضحة لمنع تحول المجتمع إلى مجتمع متقل بالديون والتعثرات المالية، وما مدى تأثير التوسع في نشاط التوريق على الاستقرار المالي مستقبلاً.
خبراء الاقتصادي ومخاطر التمويل الاستهلاكي
"صوت الأمة" أستطلعت أراء خبرا اقتصاد حول نشاط التمويل الاستهلاكى في مصر، وقال الخبير الاقتصادي، الدكتور عز حسانين، استاذ التمويل بجامعة القاهرة، إن النظام المالي والمصرفي في مصر يواجه تحولاً جوهرياً يعيد رسم خريطة الائتمان العائلي بالكامل، فبينما يفرض البنك المركزي سياسات نقدية انكماشية صارمة لكبح جماح التضخم عبر رفع أسعار الفائدة وزيادة تكلفة الاقتراض لتجفيف السيولة، انطلقت شركات التمويل غير المصرفي (وعلى رأسها شركات التمويل الاستهلاكي) لتخلق قنوات ائتمانية موازية فائقة السرعة، لافتاً إلى أن هذه الشركات نجحت في تخطي الضوابط التقليدية للتحكم في المعروض النقدي، مما يثير تساؤلات حاسمة حول نشوء ما يُعرف عالمياً بـ "صيرفة الظل"، ومدى تأثيرها على كفاءة القرارات السيادية للبنك المركزي ومنافستها المباشرة للجهاز المصرفي.
وأكد حسانين لـ"صوت الأمة" أن المؤشرات الرسمية الصادرة بنهاية عام 2025 تكشف عن نمو غير مسبوق في حجم التمويلات الممنوحة من الشركات غير المصرفية، حيث استقرت المحفظة الإجمالية لهذه الشركات عند مستوى تاريخي يناهز 417 مليار جنيه، وتكشف المقارنة بين حصص التمويل الموجهة للأفراد (القطاع العائلي) طفرة نوعية لشركات التمويل، التمويل الاستهلاكي وحده: قفز بنسبة 57% ليصل إلى 96 مليار جنيه لخدمة أكثر من 10.8 مليون عميل عبر 48 شركة مرخصة، موضحاً أنه في الوقت الذي تضع فيه البنوك شروطاً ائتمانية بالغة التشدد على قروض الأفراد والقطاع العائلي، تتطلب تحويل راتب، وحسابات معقدة لنسبة عبء الدين، وفترات موافقة تستغرق أياماً، تكتسح شركات التمويل الاستهلاكي الشارع عبر "المرونة الرقمية والسرعة المفرطة"، حيث تصدر الموافقات الائتمانية عبر تطبيقات الهاتف المحمول في دقائق معدودة. هذا الأمر جعلها الخيار الأسرع للقطاع العائلي لتلبية الاحتياجات المعيشية والسلعية، وبالتالي بدأت بسحب حصة سوقية متزايدة من عملاء التجزئة المصرفية، لتصبح منافساً شرساً يتغذى على شريحة الأفراد التي تعزف البنوك عن تمويلها بسبب تشديد الائتمان.
وأكمل حسانين بقوله: الحقيقة الصادمة التي يكشفها التحليل المالي هي أن شركات التمويل لا تنافس البنوك بأموالها الخاصة، بل إنها تنافس البنوك باستخدام أموال البنوك نفسها، إذ يتكون الهيكل التمويلي لشركات التمويل الاستهلاكي من قروض وتسهيلات بنكية مباشرة (تمثل من 60% إلى 70%) من إجمالي مصادر الشركات، بقيم قائمة تتراوح بين 45 إلى 55 مليار جنيه ممنوحة في صورة خطوط ائتمان وقروض مشتركة تقودها أكبر البنوك المصرية، كما ان عمليات التوريق (تمثل نحو 20%): تسييل محافظ الأقساط في سوق رأس المال، موضحاً أن مكمن الخطر في تركيز المخاطر المزدوج، حيث تقوم البنوك التجارية بتمويل هذه الشركات مرتين، الأولى عبر منحها قرضاً مباشراً، والمرة الثانية عندما يعود البنك نفسه عبر صناديقه ومحافظه الاستثمارية ليشتري "سندات التوريق" التي تطرحها نفس الشركة بناءً على عقود المستهلكين، وهو ما يعني تركيزاً مرعباً للمخاطر، فإذا تعثر المستهلك النهائي في الشارع، ينفجر التعثر مزدوجاً داخل ميزانية البنك.
واختتم تصريحاته قائلا:"لا يمكن إنكار أن قطاع التمويل الاستهلاكي يمثل شرياناً حيوياً لتحقيق الشمول المالي وتنشيط حركة التجارة الداخلية؛ إلا أن تحوله إلى قنوات لـ "إعادة تدوير السيولة المصرفية" خارج رادار الرقابة النقدية يهدد بنسف جهود الدولة في كبح التضخم ويخلق فقاعة ائتمانية خفية، إن تفعيل "اللجنة العليا المشتركة للاستقرار المالي" واشتراط حصول هيئة الرقابة المالية على خطاب عدم ممانعة من البنك المركزي قبل تمرير برامج التوريق الضخمة، لم يعد ترفاً تنظيمياً، بل هو حائط الصد الأخير، فالاستقرار المالي الحقيقي يتطلب أن تظل الدفاتر واضحة، وأن تنعكس المخاطر في صلب الميزانيات.. لا في إيضاحاتها الهامشية.
من جانبه قال الخبير الاقتصادى إيهاب سعيد، إن نموذج عمل هذه الشركات يعتمد على بيع محافظها المالية ثم إعادة تمويلها عبر عملية «التوريق»، حيث يتم تحويل الديون إلى سندات تُباع لصناديق النقد والدخل الثابت والبنوك، وهو ما يثير مخاوف من حدوث تأثير متسلسل فى حالة التعثر، مشيراً إلى أن هيئة الرقابة المالية اتخذت عدة إجراءات للحد من هذه المخاطر، منها إلزام الشركات بتقديم تقارير إلكترونية مفصلة عن كل عميل، بحيث تتم مراجعة المحفظة بدقة قبل السماح بتوريقها، ثم تُصنف السندات ائتمانيًا وفق درجات المخاطر، لتُتاح للاستثمار فى أعلى التصنيفات الآمنة، كما شدد على أن هذه الضوابط تضمن استقرار السوق وتقلل من احتمالات التعثر واسع النطاق.
تعليمات الرقابة المالية
وألزمت الهيئة العامة للرقابة المالية الشركات العاملة بنشاط التمويل الاستهلاكي بتوفير تغطية تأمينية لعملائها، في خطوة تستهدف تعزيز حماية المتعاملين مع الأنشطة المالية غير المصرفية، ودعم الاستقرار المالي والاجتماعي، وتعزيز التكامل بين الأنشطة المالية غير المصرفية.
ونص القرار رقم 28 لسنة 2026، على قيام شركات التمويل الاستهلاكي بالتأمين على عملائها الحاصلين على تمويل حتى سن 65 عامًا ضد مخاطر الوفاة لأي سبب والعجز الكلي المستديم، على أن يكون مبلغ التأمين مساويًا لرصيد التمويل المستحق على العميل. كما أجاز القرار إمكانية التأمين على العملاء ممن تجاوزوا هذا السن وفقًا للاتفاق بين شركة التأمين وشركة التمويل.
وألزم القرار شركات تأمينات الأشخاص وتكوين الأموال باستخدام نموذج العقد الموحد لتغطية عملاء شركات التمويل الاستهلاكي، مع إعفاء هذه العقود من مقابل الخدمات المقرر، ومنح شركات التأمين وشركات التمويل مهلة 6 أشهر لتوفيق الأوضاع.
وحدد النموذج الموحد أطراف التعاقد بين شركة التمويل الاستهلاكي بصفتها المتعاقد، وشركة التأمين على الحياة بصفتها المؤمن، على أن يشمل نطاق التغطية جميع العملاء الواردة أسماؤهم بالكشوف المعتمدة، بمبلغ تأمين يعادل الرصيد المتبقي من التمويل وحتى سن 65 عامًا، مع قبول المؤمن عليهم تلقائيًا.
وفي حال تحقق خطر الوفاة أو العجز الكلي المستديم، تلتزم شركة التأمين بسداد مبلغ التأمين، المتمثل في الرصيد المتبقي من التمويل، خلال مدة لا تتجاوز خمسة أيام عمل من تاريخ استلام المستندات المطلوبة، والتي تشمل صورة بطاقة الرقم القومي، وشهادة الوفاة أو التقرير الطبي، وكشف حساب يوضح المديونية القائمة.