أمريكا وأوربا يبدءون مرحلة حرق "الإرهابية"
الأحد، 24 مايو 2026 12:00 م
محمد الشرقاوي
الكونجرس وعواصم غربية تبدأ ملاحقة قيادات إخوانية لتورطهم في أعمال إرهابية
الجماعة تناور بخطة "تغيير الجلد" وعزل قيادات تاريخية والدفع بأسماء جديدة تضم أكاديميين وباحثين
محمود الإبياري مهندس إعادة الهيكلة.. وأحمد حمدي مسؤولًا عن القطاع الأوروبي.. وأدوار جديدة لـ"يحيى سعد فرحات ومحمد عفان"
"صراع الدولار" يسيطر على قيادة التنظيم الدولي.. وتوجيهات بتراجع دور صلاح عبد الحق.. واتجاه لمنح مكتب أفريقيا دورًا أوسع
الجماعة تناور بخطة "تغيير الجلد" وعزل قيادات تاريخية والدفع بأسماء جديدة تضم أكاديميين وباحثين
محمود الإبياري مهندس إعادة الهيكلة.. وأحمد حمدي مسؤولًا عن القطاع الأوروبي.. وأدوار جديدة لـ"يحيى سعد فرحات ومحمد عفان"
"صراع الدولار" يسيطر على قيادة التنظيم الدولي.. وتوجيهات بتراجع دور صلاح عبد الحق.. واتجاه لمنح مكتب أفريقيا دورًا أوسع
تضيق الدائرة يومًا بعد آخر حول جماعة الإخوان الإرهابية، بعدما تحولت من تنظيم يستفيد من ثغرات القوانين الغربية وشعارات الحريات العامة، إلى هدف مباشر لحملات ملاحقة سياسية وأمنية ومالية تقودها الولايات المتحدة وتمتد أصداؤها سريعًا داخل أوروبا.
فالعواصم الغربية التي سمحت لسنوات بتمدّد الجماعة تحت غطاء العمل الخيري والحقوقي والدعوي، بدأت الآن تتعامل معها باعتبارها شبكة دولية عابرة للحدود، تمتلك بنية تنظيمية ومالية معقدة، وترتبط بأذرع وجماعات متهمة بدعم التطرف والإرهاب.
وجاءت العقوبات الأمريكية الأخيرة المرتبطة بما يُعرف بـ«أسطول الصمود» لتؤكد أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخلت مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة مع التنظيم، بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بشبكات محسوبة على الإخوان ومتحالفة مع حركة حماس الفلسطينية، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها جزء من جهود "تجفيف شبكات الدعم المالي العالمية" المرتبطة بالحركة.
ولم تعد المعركة تقتصر على العقوبات، بل امتدت إلى الكونجرس الأمريكي، حيث تتسارع التحركات لتثبيت تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، بالتوازي مع إدراجها رسميًا داخل الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026، إلى جانب تنظيمات مثل القاعدة وداعش باعتبارها جزءًا من البنية الفكرية المغذية للتطرف.
وفي أوروبا، يتصاعد المشهد بالوتيرة نفسها، مع تنامي الدعوات البرلمانية والأمنية لحظر الجماعة وملاحقة أذرعها التنظيمية والمالية، بعد سنوات من التحذيرات الاستخباراتية التي كشفت تغلغل الإخوان داخل مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات والمنظمات غير الربحية.
لكن الجماعة الإرهابية، ذات الخبرة الطويلة في المناورة والعمل السري، تتحرك في المقابل لإعادة تدوير نفسها بواجهات جديدة، عبر تغيير الأسماء، وإخفاء الهياكل التنظيمية التقليدية، والدفع بكيانات بديلة تعمل بعيدًا عن الأضواء، في محاولة للالتفاف على الحصار الدولي المتصاعد والحفاظ على شبكات النفوذ والتمويل التي بنتها لعقود.
واشنطن تنتقل من "المراقبة" إلى "المطاردة"
تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه جماعة الإخوان الإرهابية عن تحول جذري في طريقة تعامل واشنطن مع التنظيم، بعدما انتقلت الإدارة الأمريكية من سياسة الاحتواء والمراقبة إلى استراتيجية تقوم على الملاحقة والتجفيف والتصنيف المباشر، وخلال السنوات الماضية، كانت المقاربة الأمريكية تجاه الإخوان تتسم بالتردد والانتقائية، خاصة مع وجود تيارات داخل المؤسسات الغربية تروّج لفكرة الفصل بين جماعة الإخوان كتنظيم سياسي وبين التنظيمات الإرهابية المسلحة؛ إلا أن التطورات المرتبطة بحرب غزة، وتصاعد المخاوف من شبكات التمويل العابرة للحدود، دفعت إدارة ترامب إلى تبني مقاربة أكثر صدامية مع الجماعة وأذرعها الدولية.
وفي هذا السياق، جاءت العقوبات التي أعلنتها وزارة الخزانة الأمريكية في 19 مايو 2026 ضد أفراد وكيانات مرتبطة بما يعرف بـ"أسطول الصمود" لتؤكد اتساع نطاق الاستهداف الأمريكي لشبكات الإخوان الدولية. فبحسب بيان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية "أوفاك"، فإن العقوبات استهدفت شخصيات مرتبطة بكيانات تصنفها واشنطن ضمن شبكات الدعم المالي والسياسي لحركة حماس، وعلى رأسها "المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج"، الذي تتهمه الولايات المتحدة بالعمل كإحدى الواجهات المرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان.
اللافت في القرار الأمريكي أنه لم يُقدَّم باعتباره إجراءً معزولًا مرتبطًا فقط بالحرب في غزة، بل جرى تسويقه كجزء من استراتيجية أوسع لـ"قطع شبكات الدعم المالي العالمية" المرتبطة بحماس والتنظيمات المتحالفة معها.
وظهر بوضوح في تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي أكد أن بلاده ستواصل استهداف شبكات التمويل التابعة للجماعة "أينما وجدت"، في إشارة تحمل دلالة واضحة على أن واشنطن باتت تنظر إلى الإخوان باعتبارهم جزءًا من بنية دولية داعمة للتطرف، وليست مجرد جماعة سياسية ذات امتداد ديني.
ولم يتوقف هذا التحول عند حدود العقوبات المالية، بل امتد إلى المسار التشريعي والأمني داخل الولايات المتحدة، فخلال الأشهر الأخيرة، كثفت إدارة ترامب خطواتها لتثبيت تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي بصورة مؤسسية طويلة الأمد، بما يضمن استمرار الإجراءات حتى مع تغير الإدارات الأمريكية مستقبلاً.
وفي هذا الإطار، وقّع ترامب الأمر التنفيذي رقم 14362، الذي ألزم المؤسسات الأمريكية بتصنيف فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية أجنبية، وهو القرار الذي بدأت وزارتا الخارجية والخزانة في ترجمته فعليًا مطلع عام 2026.
كما تعكس جلسات الاستماع التي يعقدها مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن نشاط الإخوان داخل الولايات المتحدة مستوى التصعيد غير المسبوق تجاه التنظيم؛ فاللجنة الفرعية القضائية بمجلس الشيوخ، برئاسة السيناتور الجمهوري تيد كروز تحرك حاليًا لدفع تشريعات تُحوّل التصنيف من قرارات تنفيذية قابلة للتغيير إلى إطار قانوني دائم، يتيح توسيع أدوات الملاحقة المالية والقضائية ضد الجماعة وأذرعها.
وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية لأنها تأتي بالتوازي مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026، والتي وضعت جماعة الإخوان رسميًا داخل السياق الفكري والتنظيمي ذاته الذي خرجت منه تنظيمات مثل القاعدة وداعش وحماس، بما يعكس تحولًا نوعيًا في العقيدة الأمنية الأمريكية، بعدما كانت واشنطن تتحاشى سابقًا وضع الجماعة في التصنيف الأيديولوجي نفسه مع التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تراهن في هذه المرحلة على خنق البنية المالية واللوجستية للإخوان أكثر من التركيز فقط على المواجهة الأمنية المباشرة، خاصة أن الجماعة اعتمدت لعقود على شبكات معقدة من المؤسسات المدنية والخيرية والحقوقية كغطاء لتحركاتها الدولية؛ ولذلك، فإن واشنطن تحاول حاليًا تفكيك هذه الشبكات عبر أدوات العقوبات، والملاحقات القانونية، والرقابة المالية، باعتبارها المسار الأكثر فاعلية لتقويض نفوذ التنظيم دوليًا، ومنع قدرته على إعادة إنتاج نفسه تحت مسميات جديدة.
أوروبا تفتح النار
لم يعد التصعيد ضد جماعة الإخوان الإرهابية مقتصرًا على الولايات المتحدة، بل امتدت موجة التشدد سريعًا إلى أوروبا، التي بدأت تعيد النظر بصورة جذرية في طبيعة وجود التنظيم داخل أراضيها، بعد سنوات طويلة استفادت خلالها الجماعة من المساحات القانونية الواسعة والحماية التي وفرتها شعارات الحريات الدينية وحقوق الإنسان والعمل المدني، غير أن التقارير الاستخباراتية المتتالية، وتصاعد المخاوف من تمدد التنظيم داخل المجتمعات الأوروبية، دفعت عدة عواصم إلى التعامل مع الإخوان باعتبارهم تهديدًا طويل الأمد للأمن المجتمعي والسياسي، وليس مجرد تيار ديني أو سياسي تقليدي.
وفي هذا السياق، جاء تصويت البرلمان الهولندي لصالح مقترح يدعو إلى حظر جماعة الإخوان والمنظمات المرتبطة بها ليعكس حجم التحول داخل أوروبا تجاه التنظيم، خاصة أن المقترح استند إلى تقرير فرنسي حذر من النفوذ الأيديولوجي والمؤسسي المتزايد للجماعة داخل القارة.
كما تشهد فرنسا، التي تعد الأكثر صدامًا مع الإخوان أوروبيًا، حالة استنفار سياسي وأمني متصاعدة، في ظل تحذيرات رسمية من اختراق الجماعة للمجتمع الفرنسي عبر الجمعيات والمراكز الدينية والمنظمات المدنية.
ولم تعد النظرة الأوروبية السلبية تجاه الجماعة مقتصرة على التيارات اليمينية أو الأحزاب المحافظة، بل أصبحت قناعة راسخة داخل أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون في معظم الدول الأوروبية.
فالتقارير الأمنية الصادرة في بلجيكا والنمسا والسويد وإسبانيا تتحدث بصورة متكررة عن تنظيم يمتلك بنية دولية سرية، ويعمل على بناء مجتمعات موازية قائمة على العزل والانغلاق، بما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية والاندماج وحقوق الإنسان.
وفي بلجيكا، حذر جهاز "أمن الدولة" من أن أعضاء الجماعة يتغلغلون داخل العديد من المنظمات غير الربحية والكيانات المدنية، بما يمنحهم نفوذًا يتجاوز بكثير حجمهم العددي الحقيقي.
أما الاستخبارات النمساوية، فقد اعتبرت أن الجماعة تسعى إلى تأسيس نظام موازٍ لا يعترف بمبادئ الحرية والمساواة وسيادة الشعب، بينما رأى جهاز الأمن السويدي أن استراتيجية الإخوان في الغرب تقوم على "العزل والانعزال"، بما يتعارض مع الحريات الأساسية داخل المجتمع السويدي.
وفي إسبانيا، كشفت إحدى القضايا القضائية عام 2020 حجم القلق الأوروبي من التنظيم، بعدما رفضت السلطات منح الجنسية لأحد المنتمين للجماعة، استنادًا إلى رأي جهاز الاستخبارات الإسباني الذي وصف الإخوان بأنها منظمة متطرفة تمتلك هيكلًا دوليًا واسع النطاق.
وتعكس هذه الوقائع أن أوروبا لم تعد تنظر إلى الجماعة باعتبارها مجرد أزمة مرتبطة بالشرق الأوسط، بل كتنظيم عابر للحدود قادر على إعادة إنتاج نفسه داخل المجتمعات الغربية بوسائل ناعمة وأدوات أقل صدامًا.
لكن في مقابل هذا التضييق المتصاعد، تتحرك الجماعة بخطة موازية تقوم على المناورة وإعادة التموضع بدلًا من المواجهة المباشرة؛ فالإخوان، الذين يمتلكون خبرة تاريخية طويلة في العمل السري والتنظيمات المرنة، بدأوا بالفعل في تفكيك كثير من الواجهات التقليدية التي أصبحت تحت الرقابة، مع الدفع بكيانات جديدة تحمل أسماء مختلفة وخطابات أكثر نعومة، بعيدًا عن أي ارتباط علني بالتنظيم الدولي.
وتعتمد الجماعة في هذه المرحلة على استراتيجية "الانتشار الشبكي"، أي العمل عبر جمعيات محلية صغيرة، ومنظمات حقوقية وإنسانية، وشخصيات غير معلنة تنظيميًا، بما يسمح بالحفاظ على خطوط التمويل والتأثير السياسي دون الظهور المباشر باسم الإخوان.
كما تحاول استغلال حالة الجدل داخل بعض الأوساط الغربية بشأن حرية العمل المدني والديني، لتصوير أي إجراءات ضدها باعتبارها استهدافًا سياسيًا أو تقييدًا للحريات، رغم أن أغلب التحركات الأوروبية الحالية تستند إلى تقارير استخباراتية وأمنية تتحدث عن مخاطر تتجاوز العمل السياسي التقليدي.
ويبدو أن المعركة دخلت بالفعل مرحلة أكثر تعقيدًا، فبينما تسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى تفكيك البنية التنظيمية والمالية للإخوان، تراهن الجماعة على قدرتها التاريخية في التكيف وإعادة إنتاج نفسها بأسماء وأدوات جديدة؛ ولهذا، فإن المواجهة لم تعد تدور فقط حول قرارات حظر أو عقوبات مالية، بل حول صراع طويل بين دول تحاول منع اختراق مجتمعاتها، وتنظيم عابر للحدود يمتلك خبرة واسعة في التخفي والمناورة والعمل من خلف الواجهات البديلة.
خطة الإرهابية للهروب من الحظر الدولي
وبالتزامن مع التحركات الدولية، تتحرك الجماعة الإرهابية على مسار موازٍ لا يقل خطورة، عنوانه "إعادة التمويه" بدلًا من المواجهة المباشرة، فالتنظيم الذي يواجه ضغوطًا غير مسبوقة في الولايات المتحدة وأوروبا، بدأ فعليًا تنفيذ خطة واسعة لإخفاء بنيته التنظيمية وتفكيك واجهاته التقليدية، في محاولة للالتفاف على موجة الحظر والعقوبات التي تضيق الخناق على شبكاته السياسية والمالية حول العالم.
وبحسب تقارير دولية أقرت قيادة التنظيم الدولي للإخوان خلال اجتماع عقد في مدينة لاهور الباكستانية، في نوفمبر الماضي، خطة شاملة لإعادة هيكلة الجماعة من الداخل، تقوم على تغيير الواجهات المعروفة، وتأسيس كيانات جديدة لا تحمل أي ارتباط مباشر أو معلن بالإخوان، إلى جانب الدفع بقيادات بديلة غير معروفة أمنيًا أو سياسيًا لتصدر المشهد خلال المرحلة المقبلة.
وتكشف هذه التحركات أن الجماعة الإرهابية باتت تدرك أن بقاء الوجوه التقليدية في الواجهة أصبح عبئًا مباشرًا على قدرتها في الحركة والتمويل، خاصة بعد إدراج عدد من أفرعها وشخصياتها على قوائم الإرهاب والعقوبات الدولية؛ ولهذا، بدأت الجماعة ما يشبه عملية "تغيير جلد" كاملة، عبر تقليص ظهور قيادات الصف الأول، والدفع بعناصر من الصفين الثاني والثالث يمتلكون خلفيات أكاديمية وإعلامية وسياسية، بهدف تقديم صورة جديدة أقل ارتباطًا بالإرث التنظيمي القديم وأكثر قدرة على اختراق البيئات الغربية التي أصبحت أكثر حساسية تجاه الجماعة.
وفي قلب هذه التحركات، برز اسم محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم الدولي والمسؤول عن قطاع أوروبا، باعتباره مهندس خطة إعادة الهيكلة الجديدة؛ حيث يعمل على إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل التنظيم، عبر الدفع بقيادات محسوبة عليه إلى مواقع تنفيذية مؤثرة، بما يضمن إحكام سيطرته على مفاصل الإخوان، تمهيدًا لتعزيز فرصه في خلافة صلاح عبد الحق في منصب القائم بأعمال المرشد، المتوقع مغادرته موقعه نهاية العام الجاري.
ولا يبدو أن خطة "تغيير الجلد" مرتبطة فقط بالهروب من الضغوط الأمنية، بل تكشف أيضًا عن صراع داخلي متصاعد على قيادة التنظيم الدولي، خاصة بين التيارات التي تسعى للحفاظ على الشكل التقليدي للجماعة، وأخرى ترى أن بقاء التنظيم بصورته القديمة يعني انهياره تدريجيًا تحت وطأة العقوبات والحظر والمراقبة الأمنية.
ولهذا، دفعت الجماعة خلال الفترة الأخيرة بعدد من الشخصيات الجديدة إلى الواجهة، من بينهم أكاديميون وباحثون في العلوم السياسية والإنسانية، في محاولة لتقديم خطاب أكثر نعومة وأقل صدامًا مع الغرب، ومن أبرز هذه الأسماء يحيى سعد فرحات، أستاذ التربية السياسية، ومحمد عفان، المحاضر في العلوم السياسية بجامعة ابن خلدون في إسطنبول، إلى جانب عدد من الشخصيات التي لم تتول سابقًا مواقع قيادية بارزة داخل التنظيم.
وتراهن الجماعة الإرهابية على أن الوجوه الجديدة، غير المرتبطة مباشرة بتاريخ الصدامات القديمة، ستكون أكثر قدرة على إعادة بناء قنوات التواصل مع المؤسسات الغربية، خاصة في أوروبا، التي تشهد تصاعدًا ملحوظًا في الدعوات السياسية والأمنية لحظر الجماعة وملاحقة أذرعها المدنية والمالية.
وفي المقابل، سيتراجع ظهور قيادات الصف الأول بصورة متعمدة خلال المرحلة المقبلة، بما في ذلك صلاح عبد الحق نفسه، باستثناء حلمي الجزار، الذي سيستمر باعتباره الواجهة السياسية والإعلامية الأساسية للتنظيم، والممثل المحتمل لأي اتصالات أو تفاهمات سياسية مستقبلية، بما يعكس توجهاً محاولة واضحة لعزل القيادات التاريخية عن الواجهة العلنية، دون التخلي فعليًا عن نفوذها داخل دوائر اتخاذ القرار.
ولا تتوقف خطة إعادة التموضع عند حدود تغيير الوجوه فقط، بل تمتد إلى إعادة توزيع النفوذ الجغرافي والمالي للتنظيم، فالجماعة بدأت بالفعل إعادة هيكلة شبكاتها في أوروبا، مع نقل إدارة عدد من المؤسسات والكيانات التابعة لها إلى شخصيات أقل شهرة، بالتوازي مع إعادة ترتيب ملفات التمويل والتحويلات المالية بعيدًا عن الأسماء المعروفة للأجهزة الأمنية الغربية.
وتكشف التغييرات الأخيرة داخل رابطة الإخوان المصريين بالخارج عن حجم الصراع الداخلي المرتبط بإعادة السيطرة على الموارد المالية للتنظيم، فبعد فصل القطاع الأوروبي للرابطة ووضعه تحت إشراف مباشر من محمود الإبياري، بات الأمين العام للتنظيم الدولي ممسكًا بملف شديد الحساسية يتعلق بتحويلات الأموال وشبكات التمويل والأشخاص غير المنتمين تنظيميًا الذين يُستخدمون كوسطاء لنقل الأموال وإدارة الاشتراكات والتبرعات.
كما عين الإبياري القيادي أحمد حمدي مسؤولًا عن القطاع الأوروبي، في خطوة لا تخرج عن كونها جزءًا من عملية إعادة إحكام السيطرة على مفاصل التنظيم المالية والإدارية داخل القارة الأوروبية، التي تعد الساحة الأكثر أهمية والأكثر خطورة بالنسبة للجماعة في الوقت الراهن.
وتتضمن الملفات التي يعاد ترتيبها حاليًا بيانات شديدة الحساسية تتعلق بالحسابات البنكية وآليات تحويل الأموال والأسماء غير المعلنة التي يجري استخدامها كواجهات مالية أو وسطاء في عمليات التمويل، وهو ما يكشف حجم القلق داخل الجماعة من احتمالات تعرض شبكاتها المالية لضربات جديدة خلال الفترة المقبلة.
كما تتحرك الجماعة لتوسيع دوائرها الآمنة خارج أوروبا، عبر البحث عن ملاذات جديدة يمكن استخدامها كنقاط ارتكاز بديلة، وسط حديث متزايد عن محاولات لتعزيز العلاقات مع إيران خلال المرحلة المقبلة، في إطار تقاطع المصالح بين الطرفين، بما يعكس حجم الأزمة التي يعيشها التنظيم، بعدما أصبح وجوده داخل كثير من العواصم الأوروبية محل مراقبة وضغط أمني متزايد.
وفي السياق نفسه، تتجه الجماعة لإعادة بناء نفوذها في القارة الأفريقية، التي تبدو مرشحة للتحول إلى إحدى ساحات النشاط البديلة للتنظيم، في ظل الضغوط الأوروبية والأمريكية المتزايدة؛ ولهذا، تجرى في الوقت الحالي ترتيبات لعقد اجتماعات تنظيمية في تنزانيا، مع اتجاه لمنح مكتب أفريقيا دورًا أوسع داخل الهيكل التنفيذي للتنظيم الدولي، بما يسمح بنقل جزء من الثقل التنظيمي والمالي بعيدًا عن أوروبا.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الجماعة تسعى لبناء نموذج أكثر مرونة وأقل مركزية، يعتمد على الشبكات اللامركزية والواجهات المدنية والأكاديمية والحقوقية بدلًا من الشكل التنظيمي التقليدي الصلب الذي بات أكثر عرضة للاستهداف والملاحقة.
ولا تقتصر الاستراتيجية الإخوانية على تبديل الوجوه، بل تشمل نقل إدارة المؤسسات في أوروبا وأمريكا لشخصيات غير مكشوفة أمنياً، والبحث عن ملاذات آمنة جديدة أبرزها إيران؛ إذ تسعى الجماعة للاستفادة من علاقاتها مع طهران وتوظيف قدراتها الإعلامية لتحسين صورة الأخيرة في الشارع العربي، كجزء من عملية تبادل منافع وتخادم بين الطرفين.
وتكشف هذه التحركات أن جماعة الإخوان لا تتعامل مع الضغوط الدولية باعتبارها أزمة مؤقتة، بل كتهديد وجودي يستهدف بقاءها التنظيمي العالمي، وهو ما يدفعها إلى إعادة إنتاج نفسها بصورة جديدة أكثر سرية ومرونة وقدرة على التخفي؛ غير أن هذه المناورات، رغم ما تمنحه للجماعة من مساحة للحركة، تؤكد في الوقت نفسه أن التنظيم لم يتخل عن مشروعه العابر للحدود، وإنما يسعى فقط إلى تغيير أدواته وواجهاته وأساليب عمله، للهروب من الحصار الدولي المتصاعد وإطالة عمر شبكاته التنظيمية والمالية لأطول فترة ممكنة.