فاضل الزعبي الخبير الدولى في الأمن الغذائي: 320 مليون مواطن يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد عالميا

السبت، 30 مايو 2026 06:40 م
فاضل الزعبي الخبير الدولى في الأمن الغذائي: 320 مليون مواطن يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد عالميا
فاضل الزعبي الخبير الدولى في الأمن الغذائي
حوار محمود علي

الأزمات تضغط على سلاسل الإمداد الحيوي.. وأسعار الأسمدة ارتعفت بنسبة 31% وسعر اليوريا قفز إلى 725 دولارًا للطن
اضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر أعادت تشكيل خريطة التجارة الغذائية العالمية ورفعت أقساط التأمين البحري بنسبة 250%
مؤشرات الفاو تُنذر بكارثة..  وتوقعات بانخفاض إنتاج الحبوب بشمال إفريقيا بنسبة 12% هذا العام 
الوضع في غزة والسودان تخطى الخطوط الحمراء.. وغياب الاستقرار الأمني يدفع ولايات ومناطق كاملة إلى المقبرة الخامسة للمجاعة
 
من قلب واحدة من أعقد الأزمات التي تهدد لقمة عيش ملايين البشر، يواجه ملف الأمن الغذائي العالمي اليوم التحدي الأكثر خطورة منذ عقود؛ حيث تحولت لغة الصواريخ واشتعال الممرات المائية مباشرة إلى مرحلة خطيرة من الجوع تطرق بيوت الفقراء في المنطقة والعالم.
 
ولم تعد الأزمات الغذائية الراهنة مجرد نقص تقليدي في المحاصيل، بل تحولت إلى معادلة شديدة التعقيد تشابكت فيها قفزات أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد الحيوية، مع التراجع الحاد في التمويل الإنساني الدولي، واستمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط من غزة وفلسطين المحتلة بشكل عام إلى السودان ولبنان واليمن، وصولاً إلى ما تشهده إيران من استمرار للمناوشات العسكرية التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز الشريان الأهم لتجارة الطاقة العالمية.
 
ولتسليط الضوء على هذه الأزمة ضمن ملف تداعيات التوترات الأمنية في الشرق الأوسط على المجالات والصناعات الحيوية بالمنطقة، أجرت صوت الأمة حواراً مع الدكتور فاضل الزعبي، الخبير الدولى في الأمن الغذائي، والسفير السابق لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية "فاو"، والذي استعرض بالتفاصيل الأزمة الراهنة، كاشفاً بالبيانات والأرقام الميدانية حجم الكارثة الإنسانية التي تضرب غزة، والسودان، ولبنان، وموضحاً كيف أسهمت اضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر في إشعال أسعار الغذاء والأسمدة، ليضع أمام المجتمع الدولي خريطة طريق واضحة وآليات استجابة عاجلة لإنقاذ أكثر من 320 مليون شخص يهددهم الجوع الحاد حول العالم.. وإلى نص الحوار.

كيف تقيم انعكاسات التوترات الإقليمية الحالية، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية وعدم التوصل لاتفاق دائم لإطلاق النار، على مستقبل الأمن الغذائي العالمي وفي منطقة الشرق الأوسط؟
استمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب الإيرانية وعدم التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار، ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي العالمي، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تُعد مركزًا حيويًا للطاقة والأسمدة. وهذه الصراعات تؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، مما ينعكس على أسعار الغذاء عالميًا ويزيد من هشاشة الدول المستوردة.
في الشرق الأوسط، تتضاعف المخاطر لأن المنطقة تعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب والزيوت النباتية، بينما هي مصدر رئيسي للطاقة والأسمدة، لذلك فإي اضطراب في هذه المعادلة يؤدي إلى حلقة مفرغة: ارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي عالميًا، ويزيد فاتورة الغذاء على الدول الفقيرة، ما يفاقم مستويات الجوع وانعدام الأمن الغذائي.
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي WFP إلى أن استمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب الإيرانية وعدم التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار، قد يرفع عدد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالميا إلى أكثر من 320 مليون شخص في 2026 مقارنة بـ 282 مليون في 2025، ومن هنا فإن هذه الأزمات تضغط على سلاسل الإمداد الحيوية، خصوصًا أن 20% من تجارة النفط العالمية وثلث تجارة الأسمدة البحرية تمر عبر مضيق هرمز، الذي شهد اضطرابات متكررة منذ بداية العام.
في الشرق الأوسط، حيث تستورد الدول العربية أكثر من 65% من احتياجاتها من الحبوب، فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة والأسمدة يضاعف فاتورة الغذاء ويزيد هشاشة الأمن الغذائي، على سبيل المثال، ارتفعت أسعار القمح المستورد في المنطقة بنسبة 18% منذ يناير 2026، وهو ما يفاقم الأعباء على الدول الفقيرة مثل اليمن والسودان ولبنان.

إلى أي مدى أسهمت اضطرابات الملاحة في الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز والبحر الأحمر، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، في إعادة تشكيل حركة التجارة الغذائية العالمية وإيصال الإمدادات للدول الأكثر احتياجًا؟
اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر أحدثت تحولات جذرية في حركة التجارة الغذائية العالمية، هذه الممرات البحرية ليست مجرد خطوط إمداد، بل شرايين رئيسية لنقل الطاقة والسلع الغذائية، أي تعطيل فيها يؤدي إلى إعادة توجيه السفن لمسارات أطول وأكثر تكلفة، ما يرفع أسعار الشحن والتأمين بشكل كبير.
الدول الأكثر هشاشة، مثل اليمن والسودان ولبنان، تتأثر مباشرة لأن ارتفاع تكاليف النقل ينعكس على أسعار الغذاء في الأسواق المحلية، ويحد من قدرة المنظمات الإنسانية على إدخال المساعدات، هذا الواقع يعيد تشكيل خريطة التجارة الغذائية، حيث أصبحت بعض الدول الأقل قدرة على تحمل الكلفة خارج دائرة الإمداد المنتظم، مما يفاقم أزمات الجوع.
ووفقًا لتقرير البنك الدولي (أبريل 2026)، فإن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز أدت إلى زيادة زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا بمقدار 12–18 يومًا، ورفعت تكاليف الشحن بنسبة 40% مقارنة بالعام الماضي، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري بنسبة 250% في بعض الممرات عالية المخاطر.
هذا الواقع انعكس مباشرة على الدول الأكثر هشاشة، حيث ارتفعت أسعار الغذاء في اليمن بنسبة 34% وفي السودان بنسبة 28% خلال الأشهر الثلاثة الماضية، المنظمات الإنسانية نفسها تواجه صعوبة في إدخال المساعدات، إذ تضاعفت تكلفة نقل الطن الواحد من القمح إلى موانئ البحر الأحمر من 70 دولارًا إلى 140 دولارًا.

في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة نتيجة التوترات الإقليمية، كيف انعكس ذلك على أسعار الأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي، خصوصا في الدول النامية والهشة زراعيًا؟
ارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى زيادة غير مسبوقة في أسعار الأسمدة، نظرًا لارتباط إنتاجها المباشر بالغاز الطبيعي، هذا الارتفاع يضع عبئًا ثقيلًا على الدول النامية التي تعتمد على استيراد الأسمدة لتعزيز إنتاجها الزراعي.
في الدول الهشة زراعيًا، مثل السودان واليمن، أدى ذلك إلى تراجع القدرة على شراء المدخلات الزراعية، ما يهدد الإنتاج المحلي ويزيد الاعتماد على الاستيراد، والنتيجة هي حلقة من التضخم الغذائي، حيث ترتفع الأسعار بينما تتراجع القدرة الشرائية للأسر، مما يفاقم معدلات سوء التغذية.
وارتفعت أسعار الأسمدة عالميًا بنسبة 31% في 2026 وفق تقرير البنك الدولي، فيما قفز سعر اليوريا إلى 725 دولارًا للطن، وهو أعلى مستوى منذ أزمة 2022. هذا الارتفاع مرتبط مباشرة بزيادة أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 24% منذ بداية العام، وهو المكوّن الأساسي لإنتاج الأسمدة النيتروجينية.
في الدول النامية، مثل السودان واليمن، أدى ذلك إلى تراجع القدرة على شراء المدخلات الزراعية بنسبة 40% مقارنة بالعام الماضي، ما يهدد الإنتاج المحلي ويزيد الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي يفاقم التضخم الغذائي الذي تجاوز 60% في السودان و45% في اليمن

هل ترصد خلال هذه المرحلة مؤشرات على تراجع الإنتاج الزراعي في بعض الدول نتيجة ارتفاع الكلفة أو نقص الإمدادات من الأسمدة والبذور والطاقة؟
نعم، هناك مؤشرات واضحة على تراجع الإنتاج الزراعي في عدة دول، في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، نلاحظ انخفاضًا في إنتاج الحبوب والخضراوات بسبب ارتفاع كلفة الأسمدة والبذور، إضافة إلى نقص الطاقة اللازمة لتشغيل أنظمة الري.
وهذا التراجع لا يقتصر على الدول الهشة فقط، بل يمتد إلى اقتصادات متوسطة الدخل التي تواجه صعوبة في دعم المزارعين، النتيجة هي فجوة متزايدة بين العرض والطلب، ما يهدد الأمن الغذائي الإقليمي ويزيد الاعتماد على الواردات في وقت ترتفع فيه أسعار الغذاء عالميًا.
وتقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) تؤكد أن نقص الأسمدة وارتفاع أسعار الطاقة يهددان المحاصيل في إفريقيا وآسيا، في شمال إفريقيا، يُتوقع انخفاض إنتاج الحبوب بنسبة 12% في 2026 مقارنة بالعام السابق، فيما سجلت بعض الدول مثل مصر والمغرب تراجعًا في إنتاج الخضراوات بنسبة 8–10% بسبب ارتفاع كلفة البذور والأسمدة.
وهذا التراجع لا يقتصر على الدول الهشة فقط، بل يمتد إلى اقتصادات متوسطة الدخل التي تواجه صعوبة في دعم المزارعين، ما يهدد الأمن الغذائي الإقليمي ويزيد الاعتماد على الواردات في وقت ترتفع فيه أسعار الغذاء عالميًا بنسبة 19% وفق مؤشر الفاو لأسعار الغذاء

إلى أي مدى يمكن أن تسهم هذه التطورات المتسارعة في زيادة معدلات الجوع الحاد وسوء التغذية عالميًا، خاصة في الدول التي تعاني أصلًا من هشاشة غذائية؟
هذه التطورات تسهم بشكل مباشر في زيادة معدلات الجوع الحا، الدول التي تعاني أصلًا من هشاشة غذائية، مثل اليمن والسودان وغزة، تواجه الآن ضغوطًا مضاعفة: ارتفاع الأسعار، تراجع الإنتاج المحلي، وصعوبة الوصول إلى الإمدادات.
المؤشرات الأممية الأخيرة تظهر أن عدد الأشخاص في المرحلة الخامسة من انعدام الأمن الغذائي (المجاعة) ارتفع بشكل غير مسبوق، هذا يعكس أن الأزمات المتسارعة لا تؤدي فقط إلى سوء التغذية، بل إلى انهيار كامل في قدرة الأسر على الحصول على الغذاء، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وفق التقرير العالمي عن أزمات الغذاء 2026، هناك 266 مليون شخص يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من 35 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، استمرار التوترات الإقليمية قد يضيف 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة الجوع الحاد بحلول منتصف العام.
وفي الدول الهشة مثل اليمن والسودان وغزة، ارتفعت معدلات سوء التغذية بين الأطفال بنسبة 20–25% خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يعكس أن الأزمات المتسارعة لا تؤدي فقط إلى سوء التغذية، بل إلى انهيار كامل في قدرة الأسر على الحصول على الغذاء، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

من منظور خبرتك في العمل الأممي، ما أبرز آليات الاستجابة الدولية التي يمكن تفعيلها لمواجهة موجات ارتفاع أسعار الغذاء واضطراب سلاسل الإمداد العالمية؟
أبرز الآليات تتمثل في تعزيز التمويل الإنساني الموجه للغذاء، وتوسيع برامج الدعم النقدي للأسر الأكثر هشاشة، إضافة إلى الاستثمار في شبكات الإمداد البديلة لتجاوز الممرات البحرية المهددة.
كما يجب تفعيل آليات الشراء المسبق وتخزين الحبوب على المستوى الإقليمي، لضمان وجود احتياطيات استراتيجية، إلى جانب ذلك، هناك حاجة لتوسيع التعاون مع القطاع الخاص وشركات النقل لتأمين مسارات بديلة، وتخفيف أثر ارتفاع تكاليف الشحن على الدول الفقيرة.

بالانتقال إلى الأوضاع الإنسانية في غزة.. كيف تقيمون المشهد الغذائي والإنساني في ظل استمرار القيود والتحديات المرتبطة بإدخال المساعدات؟
وفقًا لتقرير برنامج الأغذية العالمي WFP أبريل 2026، يعيش أكثر من 1.1 مليون شخص في غزة في مستويات "كارثية" من انعدام الأمن الغذائي، المرحلة الخامسة وفق تصنيف،  IPC هذا يعني أن نصف سكان القطاع تقريبًا يواجهون خطر المجاعة إذا لم يتم إدخال مساعدات بشكل منتظم.
منذ بداية العام، لم تدخل سوى 30% من الشحنات الغذائية المطلوبة شهريًا، بسبب القيود المفروضة على المعابر، كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفعت بنسبة 45% مقارنة بالعام الماضي، فيما يعتمد أكثر من 80% من الأسر على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للغذاء.
المشهد في غزة بالغ التعقيد، القيود المفروضة على إدخال المساعدات، إلى جانب تدمير البنية التحتية، جعلت الأمن الغذائي في حالة حرجة، التقارير الأخيرة تؤكد أن نسبة كبيرة من السكان تعيش في مستويات "كارثية" من انعدام الأمن الغذائي.
رغم الجهود الأممية لإدخال المساعدات، فإن حجم الاحتياجات يفوق بكثير ما يتم توفيره. الأسر تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الغذائية، بينما الأسواق المحلية شبه منهارة. هذا الوضع يتطلب فتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة، وإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية على المدى المتوسط.

وفي السودان، مع اتساع رقعة النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية، هل ترون مؤشرات على توسع دائرة انعدام الأمن الغذائي أو احتمالية دخول مناطق جديدة في مرحلة المجاعة؟
التقارير المشتركة بين FAO وWFP (مارس 2026) تؤكد أن أكثر من 17.7 مليون شخص في السودان يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 4.9 مليون في المرحلة الرابعة (الطوارئ)، مع مؤشرات خطيرة على دخول بعض المناطق في المرحلة الخامسة (المجاعة).
النزوح الواسع الذي تجاوز 8.5 مليون شخص منذ اندلاع النزاع أدى إلى انهيار الأسواق المحلية، فيما ارتفعت أسعار الحبوب بنسبة 120% خلال عام واحد.
وبعض الولايات مثل غرب دارفور وجنوب كردفان باتت قريبة جدًا من مؤشرات المجاعة، خصوصًا مع صعوبة وصول المساعدات بسبب الوضع الأمني.
السودان يشهد بالفعل توسعًا في دائرة انعدام الأمن الغذائي. النزوح الواسع، إلى جانب انهيار الأسواق المحلية، أدى إلى دخول مناطق جديدة في مستويات حرجة من الجوع.
والمؤشرات الأممية الأخيرة تؤكد أن بعض الولايات باتت قريبة من المرحلة الخامسة (المجاعة)، خصوصًا مع صعوبة وصول المساعدات بسبب الوضع الأمني، هذا يتطلب استجابة عاجلة، ليس فقط عبر المساعدات الغذائية، بل أيضًا عبر دعم الإنتاج المحلي وإعادة تأهيل سلاسل الإمداد الداخلية.

أما في لبنان، كيف انعكست التطورات الأمنية والاقتصادية الأخيرة على أوضاع الأسر الأكثر هشاشة، وهل هناك زيادة ملحوظة في الاعتماد على المساعدات الإنسانية؟
في لبنان، تشير بيانات البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي (2026) إلى أن أكثر من 3.1 مليون شخص – أي ما يقارب نصف السكان – يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، التضخم الغذائي تجاوز 200% منذ بداية الأزمة الاقتصادية، فيما فقدت العملة المحلية أكثر من 90% من قيمتها خلال ثلاث سنوات.
هذا الواقع دفع الأسر الأكثر هشاشة إلى الاعتماد بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية، وتقارير الأمم المتحدة تؤكد أن نسبة الأسر التي تعتمد على المساعدات الغذائية ارتفعت من 28% في 2023 إلى 52% في 2026، ومع محدودية التمويل، هناك فجوة خطيرة في قدرة البرامج الإنسانية على تغطية جميع الاحتياجات، ما يترك آلاف الأسر دون دعم منتظم.
وفي لبنان، الأزمة الاقتصادية المستمرة، إلى جانب التطورات الأمنية الأخيرة، أدت إلى تدهور أوضاع الأسر الأكثر هشاشة بشكل كبير، التضخم المرتفع وانهيار العملة المحلية جعل الغذاء بعيد المنال لكثير من العائلات.
وهناك بالفعل زيادة ملحوظة في الاعتماد على المساعدات الإنسانية، سواء عبر برامج الأمم المتحدة أو الجمعيات المحلية، لكن حجم التمويل المتاح لا يغطي جميع الاحتياجات، ما يترك فجوة خطيرة في قدرة الأسر على الصمود.

إلى أي مدى تؤثر القيود المفروضة على عمل المنظمات الإنسانية في مناطق النزاع على فاعلية الاستجابة الدولية وسرعة إيصال الدعم؟
القيود المفروضة على عمل المنظمات الإنسانية تؤثر بشكل مباشر على فاعلية الاستجابة، في مناطق النزاع، مثل غزة والسودان، تواجه الفرق الإنسانية صعوبات في الوصول، سواء بسبب القيود الإدارية أو المخاطر الأمنية.
هذا ينعكس في تأخر وصول المساعدات، وتراجع حجمها مقارنة بالاحتياجات. النتيجة هي فجوة إنسانية تتسع يومًا بعد يوم، ما يستدعي تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وضمان حرية وصول المساعدات.

وكيف ينعكس تراجع التمويل الدولي الموجه للبرامج الإنسانية على قدرة المنظومة الدولية في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستجابة الغذائية؟
تراجع التمويل الدولي يضع المنظومة الإنسانية أمام معادلة صعبة: احتياجات متزايدة مقابل موارد محدودة، هذا يؤدي إلى تقليص حجم البرامج، وخفض الحصص الغذائية، وإلغاء بعض التدخلات غير الطارئة.
النتيجة هي أن ملايين الأشخاص يفقدون الحد الأدنى من الدعم الذي يحافظ على حياتهم. هذا التراجع لا يهدد فقط الأمن الغذائي، بل يضعف الثقة في قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للأزمات.

ما أبرز التحديات الميدانية التي تواجه الفرق الإنسانية في الوصول إلى المتضررين داخل مناطق النزاع، خصوصًا في البيئات غير المستقرة أمنيًا؟
التحديات الميدانية متعددة ومعقدة، أولها القيود الأمنية التي تفرضها طبيعة النزاع، حيث تتعرض الفرق الإنسانية لمخاطر مباشرة مثل القصف أو الاشتباكات المسلحة، ما يحد من قدرتها على الوصول الآمن إلى المجتمعات المتضررة، إضافة إلى ذلك، تواجه هذه الفرق عراقيل إدارية وبيروقراطية، مثل تأخير إصدار التصاريح أو فرض قيود على حركة الشاحنات والمساعدات، وهو ما يؤدي إلى فجوات زمنية خطيرة بين الاحتياج والاستجابة.
هناك أيضًا تحديات لوجستية مرتبطة بانهيار البنية التحتية في مناطق النزاع، مثل الطرق المدمرة أو انقطاع شبكات الكهرباء والاتصالات، مما يعقد عمليات النقل والتوزيع، وفي بعض الحالات، يضطر العاملون الإنسانيون إلى الاعتماد على طرق بديلة أو وسائل نقل بدائية للوصول إلى المجتمعات المحاصرة، وهو ما يزيد من الكلفة ويقلل من حجم المساعدات التي يمكن إيصالها.

إلى أي مدى يحتاج المجتمع الدولي اليوم إلى مقاربة أكثر سرعة وفاعلية لتفادي تفاقم أزمة الأمن الغذائي عالميًا؟
المجتمع الدولي يحتاج بالفعل إلى مقاربة أكثر سرعة وفاعلية، لأن وتيرة الأزمات تتجاوز قدرة الاستجابة التقليدية، الأزمات الغذائية لم تعد محلية أو إقليمية فقط، بل أصبحت مترابطة عالميًا بفعل سلاسل الإمداد، أسعار الطاقة، والتغير المناخي. أي تأخير في الاستجابة يترجم إلى ملايين إضافية من البشر يدخلون في دائرة الجوع الحاد.
المطلوب اليوم هو اعتماد آليات استباقية، مثل بناء احتياطيات غذائية إقليمية، وتوسيع برامج التحويلات النقدية للأسر الأكثر هشاشة، إضافة إلى تعزيز التعاون مع القطاع الخاص لتأمين سلاسل الإمداد البديلة، هذه المقاربة يجب أن تكون شاملة، تربط بين الاستجابة الطارئة وبناء القدرة على الصمود، حتى لا تتحول الأزمات المتكررة إلى حالة دائمة من الانهيار الغذائي.

ما الرسالة التي توجهها إلى الدول المانحة والمجتمع الدولي في ظل تصاعد الاحتياجات الإنسانية واتساع رقعة الأزمات الغذائية عالميًا؟
الاستثمار في الأمن الغذائي ليس مجرد عمل إنساني، بل هو استثمار في الاستقرار العالمي، كل دولار يُضخ في دعم الغذاء والقدرة الإنتاجية المحلية يساهم في تقليل النزوح، تخفيف حدة الصراعات، وتعزيز التنمية المستدامة.
اليوم، ومع اتساع رقعة الأزمات من غزة إلى السودان ولبنان، لم يعد التمويل الإنساني خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية، المطلوب هو التزام طويل الأمد، يوازن بين الاستجابة الطارئة ودعم الحلول المستدامة، مثل الزراعة الذكية، إعادة استخدام المياه، وتمكين المجتمعات المحلية، إن التضامن الدولي في هذه المرحلة ليس فقط واجبًا أخلاقيًا، بل شرطًا للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق