الدكتور علي بدوي مسؤول المواقع الأثرية في الجنوب اللبناني لـ"صوت الأمة": السياحة العربية تعانى انتكاسة

الأحد، 31 مايو 2026 10:00 ص
الدكتور علي بدوي مسؤول المواقع الأثرية في الجنوب اللبناني لـ"صوت الأمة": السياحة العربية تعانى انتكاسة
الدكتور علي بدوي مسؤول المواقع الأثرية في الجنوب اللبناني
حوار محمود على

ما يحدث في جنوب لبنان إزالة ممنهجة للتاريخ ومحو للجذور.. والاحتلال يمنعنا من توثيق الكارثة
انخفاض تدفق السياح للمنطقة لارتفاع تكاليف البترول والتأمين.. والفنادق وشركات الطيران مهددة بالتوقف
تدمير الوسط التاريخي لبنت جبيل وقرى الحافة الحدودية خسارة مأساوية.. وبعض معالمنا أزيلت بالكامل 
اتفاقيات اليونسكو عاجزة عن حماية الأماكن الأثرية.. ونتمسك بالقوانين الدولية لفتح باب المحاسبة الجنائية وملاحقة من يستهدف أثارنا

 
لم تعد شظايا الحروب المستعرة في المنطقة تصيب الحاضر وحده، بل امتدت لتضرب المفاصل الحيوية لاقتصادات المنطقة، ملقية بظلالها على قطاع السياحة والآثار في العالم العربي الذي يعيش واحدة من أصعب انتكاساته؛ حيث تلاشت حركة "السياحة البينية"، وتراجعت معدلات قدوم السائح الأوروبي بفعل قفزات أسعار التأمين والمحروقات عالمياً.
 وبالتوازي مع هذا الشلل الاقتصادي، تخوض الهوية والتاريخ معركة شرسة في جنوب لبنان؛ حيث تحولت القلاع والبلدات التراثية إلى ركام تحت قصف ممنهج يسعى لمحو الجذور، ووسط حصار عسكري يمنع حتى فرق الإنقاذ من توثيق حجم الدمار.
ضمن الملف الذي يركز على تداعيات ما تشهده المنطقة من صراعات وأزمات على القطاعات الحيوية بالشرق الأوسط، وفي القلب الدول التي تتسارع فيها لغة التصعيد العسكري وعلى رأسها لبنان.
"صوت الأمة" أجرت حواراً مع الدكتور علي بدوي مسؤول المواقع الأثرية في الجنوب اللبناني، في مقابلة استثنائية لا تنطلق من الغرف المغلقة، بل من عمق المواجهة الميدانية، يحاول فيها المسؤول اللبناني تسليط الضوء على خسائر القطاع السياحي في المنطقة بشكل عام، وحجم الكارثة التي حلت ببلدات الجنوب نتيجة التصعيد الإسرائيلي، كما يشرح خلالها كيف تحول "التحول الرقمي" من رفاهية تكنولوجية إلى خط دفاع أول لإنقاذ ما دمرته الصواريخ، موجهاً رسالة شديدة اللهجة للمجتمع الدولي لوقف نزيف الذاكرة الإنسانية. وإلى نص الحوار.

التصاعد المستمر للصراعات في الشرق الأوسط، من فلسطين إلى لبنان وإيران، ألقى بظلاله على صورة المنطقة كوجهة سياحية؛ ما حجم الخسائر التي تكبدها القطاع السياحي العربي مؤخراً؟ وكيف أثّر هذا التصعيد على حركة "السياحة العربية البينية" مقارنة بتردد السائح الأوروبي؟
الأزمات الحاضرة أثرت كثيراً على السياحة، وبدأ أصحاب المؤسسات السياحية يعانون من خسائر واضحة تختلف نسبتها وحجمها من دولة إلى أخرى، ففي بلاد الشام، عانى القطاع من خسائر شديدة، وحتى في بعض دول الخليج العربي التي تستقبل عادةً أعداداً كبيرة من الزائرين، فإن الحركة انخفضت في فترات معينة بفعل الأجواء الأمنية، مما أثر بشكل كبير على القطاع الفندقي، وخلق مشكلات لعدد كبير من المسافرين الذين انقطعت بهم السبل وتدخلت الدول لمساعدتهم.
هناك خسائر واضحة في المؤسسات الفندقية وبشركات الطيران التي توقف بعضها، مما دفع دولاً لتفعيل خطط مساعدة لشركات الطيران المحلية والمؤسسات لتمكينها من تخطي هذه الأزمات.
أما بالنسبة للسياحة البينية والأوروبية، فقد تعرض الإقليم لانتكاسة كبرى؛ ففي منطقة بلاد الشام مثلاً، كانت هناك سياحة بينية مزدهرة ونشطة بين لبنان وسوريا والأردن، وكان السياح، سواء من العرب أو الأوروبيين، يجمعون زيارة هذه الدول في رحلة واحدة نظراً للمساحة الجغرافية المتقاربة وجودة الطرقات، حيث كانت الرحلات تأتي لزيارة لبنان ثم تنتقل إلى سوريا وتغادر عبر مطار الأردن، مما يقسم التكاليف خاصة تذاكر السفر بشكل ممتاز على ثلاث دول تمتلك نقاط جذب ثقافية وبيئية وترفيهية متنوعة.
اليوم، انقطعت الطرق بين هذه الدول وانخفضت السياحة بشكل حاد؛ فالزائر للأردن أصبح يأتي للأردن فقط، وفلسطين التي كانت تدخل أحياناً ضمن هذا البرنامج انخفض عدد زوارها بشدة، هذا بالإضافة إلى أن السياحة الأوروبية نفسها تضررت، ويمكن مراقبة انخفاض الإعلانات عنها، فالكل يشكو أيضاً من ارتفاع الأسعار في أوروبا نتيجة لارتفاع أسعار المحروقات والتأمين، وبسبب الظروف الخاصة للمنطقة، فإن أعداد القادمين إليها ستشهد انخفاضاً أكبر خلال الأشهر القادمة استناداً إلى الوضع الحالي المتوقع.

كيف تقيّمون انعكاسات التطورات المرتبطة بإيران والتصعيد العسكري على صورة الشرق الأوسط في الإعلام العالمي؟ وإلى أي مدى يشوه هذا الضخ الإعلامي قرارات الاستثمار السياحي الأجنبي في المنطقة؟
قرار الاستثمار السياحي حساس جداً تجاه الاستقرار والأمن، والشرق الأوسط يضم عدة أقاليم؛ الجزيرة العربية بما فيها الخليج، وشمال أفريقيا بما فيها مصر، وبلاد الشام (لبنان وسوريا والأردن، ومعهم العراق)، وبسبب الأوضاع الراهنة، فإن الاستثمارات السياحية ستنخفض حتماً، بل إنها في بلاد الشام تعتبر معدومة حالياً؛ فالوضع الأمني في سوريا لم يستقر بعد، ولبنان في حالة حرب، والأردن يقع على حافة منطقتين مشتعلتين.
أما العراق، وباستثناء السياحة الدينية التي تنمو في بعض الأماكن، فقد توقف عن استقبال الاستثمارات في السياحة الثقافية والعلمية بالرغم من ثرائه التاريخي الضخم من بابل إلى نينوى وبغداد القديمة، وذلك لكونه غير جاذب حالياً بسبب عدم الاستقرار الأمني.
في المقابل، هناك دول مستقرة أمنياً؛ فالاستقرار في مصر ثابت وفي دول الخليج ثابت بالرغم من التوترات الحالية، وهي مرحلة وستنتهي، ولكن بالرغم من هذا الثبات في مصر وبعض دول شمال أفريقيا، فإن حركة قدوم السياح ستكون منخفضة في هذا الموسم الصيفي القادم عموماً بسبب ارتفاع أسعار الوقود وبطاقات السفر، ونتمنى أن يكون هذا مجرد موسم وينقضي ليتم البناء على ما بعده.

في ظل الأزمات الراهنة، ما الآليات التي تعتمدها الدول العربية اليوم لاحتواء خسائر القطاع السياحي؟ وكيف يمكن تنسيق الجهود بين وزارات السياحة والثقافة لوضع خطة إقليمية موحدة لحماية التراث في أوقات الحروب؟
لقد تعودنا على شرق أوسط غير مستقر، يتأثر أحياناً بشكل مباشر وأحياناً غير مباشر، وفي أوقات الأزمات هذه، تشتعل المنافسة، حيث تقوم بعض الدول من خارج المنطقة بتقديم نفسها كبديل وتستغل الوقت كفرصة لزيارتها، وللحد من الخسائر، تبرز ضرورة تنسيق الجهود بين الأقاليم المختلفة، وإن كان القيام بذلك إقليمياً بشكل منظم يبدو صعباً حالياً بسبب عدم وجود صناديق مالية إقليمية مخصصة لهذا الموضوع، إلا أن بعض الدول بدأت بالفعل بمحاولة مساعدة شركات الطيران والفنادق والقطاعات السياحية الحيوية لتخطي الأزمة.
أما فيما يتعلق بالتنسيق بين وزارات السياحة والثقافة لحماية المواقع في زمن الصراعات، فهناك خطط موجودة بالفعل لكنها بحاجة إلى تفعيل وتطوير، التحدي الأساسي يكمن في الحرص على استمرارية وصيانة هذه المواقع حتى لو توقفت الحركة السياحية فيها بسبب غياب الزوار، والمحافظة قدر الإمكان على المؤسسات السياحية المرتبطة بها.
ومن خلال متابعتي الميدانية على مدار الـ 25 عاماً الماضية، لا يوجد حتى الآن جهة قدمت خطة إقليمية متكاملة شاملة رغم أنها ضرورة ملحة؛ إنما تأتي الخطط والاستجابات حالياً كردود أفعال عند وقوع الأحداث، حيث نرى تدخلاً واستجابة مباشرة لكل حدث على حدة.

التكنولوجيا باتت خط الدفاع الأول عن التاريخ؛ كيف يمكن توظيف التحول الرقمي (مثل المسح ثلاثي الأبعاد والأرشفة الرقمية والترويج الذكي) لحماية المواقع الأثرية العربية وتطوير الخدمات السياحية في زمن الأزمات؟
التكنولوجيا اليوم أصبحت حاجة ملحة ولم تعد مجرد رفاهية أو مجالات تجريبية؛ فالإنترنت ووسائل التواصل والتقنيات الحديثة كلها منظومة مترابطة، في السابق، كانت الدول تعتمد على حملات ترويجية ضخمة ومكلفة جداً عبر مؤسسات دولية وصحف عالمية، أما الآن، فإن منشوراً ذكياً يقوم به شخص عادي مهتم زار موقعاً طبيعياً أو أثرياً أو منشأة ترفيهية في أي دولة عربية، يمكن أن يحقق أثراً قوياً يوازي تلك الحملات السابقة.
لقد أصبح التعامل الذكي مع وسائل التواصل الاجتماعي ضرورة؛ لأن المتلقي اليوم بات يتعامل مع الإعلانات الرسمية الترويجية بحذر، بينما يتقبل ويقنع بحديث وتجارب المستخدمين الحقيقيين عبر التكنولوجيا الحديثة، وهذا أفضل ترويج.
وعلى الصعيد العلمي والعملي، أصبحت الوسائل التكنولوجية مدمجة بشكل كامل في علم الآثار والسياحة، في مجال الآثار، لم يعد التوثيق يقتصر على الطرق التقليدية، بل أصبحنا نعتمد على توثيق الواجهات ثلاثي الأبعاد، والمسح بالليزر، وتقنيات الفوتوغرامتري، والتصوير الجوي والمسح ثلاثي الأبعاد من الجو، بالإضافة إلى تقنيات البحث عن الآثار عبر المسحات الجيوفيزيائية وسونار المياه، وتقنيات الليدار،  كل هذه التقنيات أصبحت أساسية لتحقيق غايات علم الآثار سواء في التوثيق أو الاكتشاف.
أما الرقمنة، فقد وفرت برامج متخصصة بالأرشفة سهلت عمليات تسجيل واستعادة القطع الأثرية، ففي دول مثل مصر أو لبنان، هناك آلاف بل ملايين القطع الأثرية الناتجة عن الحفريات المتراكمة منذ سنوات والموجودة في المخازن، وكانت هناك دائماً مشكلة في الجرد والاستعادة، وبفضل الأنظمة الحديثة والمخازن المركزية الرقمية التي تحتوي على الصور والتوصيف الدقيق، تم الحد من اختفاء القطع، واليوم، هناك نظرية حديثة في إدارة المتاحف تقول: يجب ألا يتعدى وقت الوصول إلى أي قطعة أثرية أكثر من خمس دقائق بين مشاهدتها في الأرشيف الرقمي والوصول إليها فعلياً في المخزن، وهذا النظام حل مشكلات ضخمة لدول تمتلك ملايين القطع مثل مصر، المملكة العربية السعودية، لبنان، والمغرب، وهي دول تمتلك مخازن ضخمة أصبحت بحاجة إلى إعادة اكتشاف وتنظيم بفعل التراكم التاريخي.

عرف لبنان دائماً بتنوعه الحضاري، لكن الحرب الحالية تفرض واقعاً قادراً على تشويه هذه الهوية؛ كيف تؤثر الاعتداءات العسكرية المتكررة على الإرث الثقافي والأثري اللبناني الذي يمثل ذاكرة حضارية للمنطقة بأسرها؟
عملية التوثيق الرقمي والتوثيق ثلاثي الأبعاد للمواقع الأثرية تكتسب أهمية قصوى وحاسمة في عملية استعادة المعالم مستقبلاً في حال تعرضها للدمار، ومن واقع تجربتنا المريرة في لبنان عام 2006، أصيبت إحدى قلاعنا وهي "قلعة شمع" ودمرت بشكل كبير، ولم يكن لدينا وثائق تفصيلية حينها، وكانت الوثائق الوحيدة المتوفرة هي السجل التصويري العادي الذي كنت أمتلكه شخصياً من خلال رحلاتي وزياراتي للموقع، وهو ما استخدمناه في إعادة البناء.
لاحقاً، اعتبرنا ما حدث درساً قاسياً يجب التعلم منه؛ فقمنا في السنوات التالية بتوثيق عدد كبير من القلاع ودراستها دراسة تفصيلية دقيقة باستخدام تقنيات النماذج ثلاثية الأبعاد، والفوتوغرامتري، وتوثيق المواقع حجراً بحجر أفقياً وعمودياً، وإنجاز كل ما يتطلبه الملف من توثيق هندسي دقيق.
لقد فعلنا ذلك لأن لدينا مخاوف حقيقية بأنه في حال أزيل هذا الأثر، نكون قد أنجزنا الخرائط اللازمة للقيام بترميمها وإعادتها، وللأسف الشديد، هذا التدمير هو ما حدث ويحدث أيضاً في فلسطين، حيث أزيلت معالم كثيرة من مساجد وكنائس ومؤسسات ومبانٍ تاريخية، تم توثيق بعضها ولم يوثق بعضها الآخر، وكذلك هو الأمر في لبنان؛ لذا فإن التوثيق التكنولوجي الحديث ضرورة قصوى لأنه الأسرع ويقدم الحلول الأضمن للحفاظ على الهوية الحضارية.

بالانتقال إلى الجنوب اللبناني، ما حجم المخاطر المباشرة وتقديراتكم للأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية هناك نتيجة القصف؟ وهل هناك تخوف حقيقي من فقدان معالم تاريخية "غير موثقة بالكامل" في القرى الحدودية؟
في جنوب لبنان، هناك معالم أثرية كاملة ومتنوعة تعرضت لأضرار بالغة، وبعضها أزيل بشكل كامل، وبالأخص ما نسميه "الوسط التاريخي" لبعض البلدات التاريخية مثل مدينة بنت جبيل والقرى المحيطة بها في المنطقة مثل عيتا الشعب، بليدا، ميس الجبل، والقوزح.
هذه القرى والبلدات الصغيرة (باستثناء بنت جبيل التي تعد الأكبر حجماً) كانت تمتلك أوساطاً تاريخية ومنشآت تراثية مميزة، وللأسف تم تدميرها وإزالتها.
الضرر كبير جداً في هذه المناطق، ونحن نعتقد بلا شك أن هذا التدمير يأتي ضمن عملية إزالة ممنهجة للأثر والتاريخ؛ فالتاريخ هو الدليل الدامغ على الجذور، وكأن هناك طرفاً يريد محو جذور الأرض وتزوير الشرعية حول من يمتلك حق استخدام هذا المكان في المستقبل، وهو صراع على التاريخ سيستمر.
وعند الحديث عن حجم الأضرار فهو بالطبع مأساوي؛ فقد أزيلت كنائس تاريخية مثل "كنيسة يارون" التي تم تدميرها بالكامل مع الدير الملحق بها، ومساجد تاريخية مثل "مسجد بنت جبيل"، بعض هذه المنشآت المدمرة يمتلك خرائط لأنها مدرجة على لائحة الجرد العام في لبنان، ولكن بعضها الآخر ليس لديه خرائط تفصيلية لأنه لم يتم دراسته بشكل وافٍ سابقاً، إذ كانت هذه المعالم جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للأهالي، ولا نملك حولها سوى بعض الخطط والقطع، ومع ذلك، هناك مواقع تم تدميرها، مثل "مقام النبي شمع"، نمتلك لها خرائط جيدة نوعاً ما وسيكون لدينا القدرة على إعادة ترميمها، أما الأماكن الأخرى التي لا نمتلك لها سجلات كاملة فسنحاول الاعتماد على ما توفر من وثائق لبدء مشاريع تعيدها إلى الحياة.

في ظل هذه الظروف الميدانية المعقدة، ما أبرز التحديات الأمنية واللوجستية التي تواجه فرق الآثار والترميم للوصول إلى المواقع المتضررة وتوثيق أضرارها في لبنان؟
للأسف الشديد، في الوقت الحالي لا نمتلك أي قدرة على الوصول إلى هذه المواقع المتضررة؛ فنحن نقوم ببعض العمليات في المواقع التي تقع خارج منطقة الاحتلال، أما جزء كبير من هذه المواقع الأثرية فقد أصبح تحت الاحتلال المباشر ولا يمكن الوصول إليه مطلقاً.
وحتى المواقع القريبة أو التي تقع خارج مناطق الاحتلال مباشرة، فإننا نقوم بتقييمها تحت خطر شديد يهدد الأرواح؛ على سبيل المثال، "قلعة شقيف" بالرغم من أنها خارج الاحتلال، إلا أن حراس الموقع تعرضوا أكثر من مرة لخطر مباشر قارب الموت، فطلبنا منهم عدم العودة حفاظاً على حياتهم، ونكتفي بمراقبتها عن بعد.
المعضلة اللوجستية الثانية والخطيرة هي أننا لا نستطيع حتى الحصول على صور حديثة عبر الأقمار الصناعية؛ وذلك يعود لكون هذه المنطقة أصبحت منطقة عسكرية مغلقة، ومعظم الشركات العالمية التي تزود بالصور الجوية والفضائية المدنية أغلقت هذه المنطقة في أنظمتها، ولا تبيع سوى صور قديمة لا يمكن الاعتماد عليها للتأكد مما حدث للأثر، باختصار، لا توجد حالياً أي قدرة ميدانية على الوصول، والتحرك يشكل خطراً حتمياً على حياة الأشخاص؛ لذا نحاول قدر الإمكان الحفاظ على حياة الفريق مع استمرار محاولاتنا للقيام بواجبنا.

مع استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان، كيف تضاعفت معاناة المجتمعات المحلية المرتبطة بالسياحة الثقافية والآثرية؟ وما هو مستوى التعاون الحالي مع المنظمات الدولية كـ "اليونسكو" لمد يد العون لهم وللآثار؟
يتجلى دور المنظمات الدولية، وبالأخص منظمة "اليونسكو"، في مناطق النزاعات الحاضرة مثل جنوب لبنان، سوريا، العراق، وفلسطين، وهي مناطق تعرضت لأضرار ثقافية وتراثية هائلة جراء الصراعات المسلحة، وهنا يمثل اليونسكو ورقة ضغط سياسية ومعنوية وقانونية مهمة؛ من خلال إصدار قرارات "الحماية المعززة" لمواقع أثرية معينة، وإبلاغ الأمم المتحدة بها لإخطار الأطراف المتنازعة بضرورة تحييدها، فضلاً عن تقديم الاستشارات الفنية والعون التقني في عمليات الترميم المستقبلي والبحث عن جهات مانحة وممولة لعمليات الإنقاذ، وممارسة الضغط المعنوي على الدول الأعضاء للتنبيه لمخاطر تدمير التراث الإنساني.
ولكن، في حالات الصراعات المسلحة العنيفة، تزداد الأمور ضغطاً وتعقيداً، وتصبح القوانين والاتفاقيات الدولية أحياناً للأسف غير فعالة على الأرض؛ وحتى حين نُسأل عتباً: "لماذا وضعتم هذه القوانين والاتفاقيات الدولية إذا كانت لم تحترم على أرض الواقع؟"، فإن إجابتنا الدائمة والثابتة هي: نحن نضع هذه القوانين والتشكيلات الدولية لأنه يفترض بنا أخلاقياً وقانونياً أن نضعها؛ فإذا لم تحترمها بعض الجهات والأنظمة، فإن ذلك يفتح باباً للمساءلة القانونية والملاحقة الجنائية الدولية ولو لاحقاً، ولو لم نضع هذه القوانين ونطالب بتطبيقها، سنكون نحن من يتحمل مسؤولية هذا الدمار التاريخي الذي يلحق بالمواقع الأثرية.

هل يمتلك لبنان اليوم خطة طوارئ وطنية فعلية لحماية آثاره ونقل القطع النادرة أو رقمنتها؟ وكيف ترى دور السياحة الثقافية مستقبلاً في إعادة تنشيط الاقتصاد واستعادة صورة لبنان الحضارية بعد انتهاء الحرب؟
إن التوجه اليوم يرتكز على تطبيق النظريات الحديثة في الأرشفة والرقمنة لحماية القطع الأثرية والمنقولة من التلف أو الفقدان أثناء الأزمات. 
وكما أشرت سابقاً، فإن إدخال الأنظمة الرقمية الحديثة لإنشاء مستودع مركزي رقمي يربط التوصيف بالصور الدقيقة يُعد ركيزة أساسية في خطط حماية الآثار، مما يمنع اختفاء القطع النادرة ويسهل جردها واستعادتها سريعاً في أوقات الطوارئ، وهو الدرس الذي نعمل على ترسيخه وتطويره بالاستفادة من التكنولوجيا الحديثة كالمسح ثلاثي الأبعاد والـ الفوتوغرامتري للمواقع الثابتة.
أما عن دور السياحة الثقافية مستقبلاً، فعلى الرغم من أن الخطط المتكاملة غالباً ما تظهر كاستجابات مباشرة للأحداث، إلا أن التراث الثقافي يظل المرتكز الأساسي لإعادة بناء الصورة الحضارية؛ فالمنطقة وإقليم بلاد الشام تحديداً يمتلكان عناصر جذب ثقافية وبيئية فريدة لا يمكن إلغاؤها، وحين تنتهي الحرب وتستقر الأوضاع الأمنية، ستكون هذه المعالم الموثقة والتاريخ العريق البوابة الأساسية لاستقطاب الاستثمارات السياحية مجدداً، وإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية، وإعادة تفعيل السياحة البينية المشتركة التي ميزت المنطقة دائماً كصلة وصل حضارية بين العالم.

ومن قلب هذا الواقع المأساوي المستمر منذ سنوات؛ ما هي الرسالة التي توجهونها إلى المجتمع الدولي بشأن حماية التراث الثقافي العربي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الإنسانية جمعاء؟
الرسالة الأساسية التي نطلقها للمجتمع الدولي هي أن التراث الثقافي العربي ليس مجرد أحجار أو معالم تخص دولاً بعينها، والتدمير الذي يلحق به هو خسارة للبشرية ككل، والتاريخ هو دليل الجذور والهوية، والصراع الذي يشهده أثرنا اليوم هو صراع على الوجود والمستقبل.
لذا، فإننا نطالب المجتمع الدولي والمنظمات العالمية بعدم الوقوف في موقف المتفرج، وتفعيل أدوات المساءلة القانونية الدولية ضد كل من يستهدف الأثر التاريخي والثقافي بشكل ممنهج.
إن حماية التراث في أوقات الحروب ليست ترفاً، بل هي واجب أخلاقي وقانوني لحفظ حق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها وجذورها؛ ونحن مستمرون في التوثيق، وفي وضع القوانين، وفي صون الأثر بكل الوسائل التكنولوجية والميدانية المتاحة، لفتح باب المحاسبة وإعادة الحياة لكل مَعلَم دمرته الحرب.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق