أزمات الشرق الأوسط تهدد "الأمن الدوائى".. حرب الممرات تكلف شركات الأدوية 350 مليار دولار رسوم جمركية

السبت، 30 مايو 2026 08:00 م
أزمات الشرق الأوسط تهدد "الأمن الدوائى".. حرب الممرات تكلف شركات الأدوية 350 مليار دولار رسوم جمركية
هانم التمساح

انتهاء زمن الأدوية الرخيصة.. والشركات تبدأ رسمياً في تسعير مخاطر الجغرافيا السياسية وضخ مئات المليارات لبناء مصانع مؤمنة 
مصانع الأدوية في أوروبا وأمريكا تعتمد على الصين بنسبة 40% من المواد الفعالة.. وتأثر حركة التجارة تسبب في أرتفاع الأسعار 30%
 
تجاوزت الحرب الدائرة أروقة الدبلوماسية لتتحول إلى واقع كارثي مع الإغلاق الفعلي الشامل لمضيق هرمز، ولم يعد الأمر مجرد تهديدات؛ فمنذ مطلع مايو الجاري، أعلنت طهران رسمياً عبر مجلسها الأعلى للأمن القومي عن تأسيس هيئة مضيق الخليج لفرض سيادة كاملة وجباية رسوم عبور قسرية، معلنة بوضوح: "لن يعود المضيق إلى وضعه السابق تحت أي ظرف".
 
هذا التطور العسكري فرض حالة "الحصار المزدوج"، فإغلاق مضيق هرمز تزامناً مع شلل باب المندب والبحر الأحمر، أدى إلى احتجاز أكثر من 1,550 سفينة تجارية، كما توقف حركة الناقلات عبر المضيق بنسبة تقترب من 95%، مما أحدث ارتدادات عنيفة ضربت البنية التحتية التصنيعية للدواء في العالم.
 
وبينما تنشغل الخرائط الدبلوماسية والعسكرية برسم حدود النفوذ والصراع في ممرات الملاحة الدولية، تشهد أروقة صناعة الدواء العالمية كواليس أزمة صامتة أعادت رسم خريطة الصحة البشرية، فالأزمة الحالية لم تعد مجرد اضطراب عابر في مواعيد شحن الحاويات، بل تحولت إلى هزة مرتدة تضرب قلب مختبرات التصنيع ومخازن الأدوية من واشنطن إلى نيودلهي، مما دفع المنظومات الصحية الكبرى نحو نقلة راديكالية تجاوزت مفهوم التجارة الحرة إلى مفهوم السيادة الدوائية الجبرية وهو مفهوم جديد تماماً.
 
حروب مشتعلة وأسعار ملتهبة، لتتحول التوترات العسكرية في ممرات الشرق الأوسط المائية وتحديداً في البحر الأحمر ومضيق هرمز من أزمة إقليمية إلى عامل مباشر في رفع أسعار الأدوية عالمياً، وجاء تحويل مسار السفن بعيداً عن مساراته العادية ليضيف ما بين 9 إلى 14 يوماً إضافياً لرحلات الشحن.
هذا التأخير لم يعطل التوقيت فحسب، بل تسبب في قفزات حادة في أسعار الشحن البحري وتأمين السفن، وبما أن قطاع الدواء يعمل بهوامش ربح ضيقة، لم تجد الشركات العالمية بديلاً عن تمرير هذه التكاليف الإضافية إلى المستهلك النهائي.
 
وتؤكد مؤشرات العام الحالي أن ما نشهده ليس أزمة مؤقتة، بل إعادة تشكيل هيكلية لسوق الدواء؛ فالأسعار لن تعود إلى سابق عهدها، بعد أن بدأت الشركات في تسعير "مخاطر الجغرافيا السياسية" وبناء مخزونات احتياطية مكلفة كجزء من استراتيجيتها الدائمة.
 
ولم يكن تحذير الدول الكبرى من نقص الدواء مجرد خبر عارض، بل يكشف أن حجم المخاوف تتجاوز تأخر الحاويات؛ وأن الأزمة تمتد لعمق العملية التصنيعية ونقص المواد الخام الأساسية المعروفة، أو المكونات النشطة.
 
وتعتمد مصانع الأدوية في أوروبا وأمريكا بشكل شبه مطلق على آسيا لتوريد هذه المواد، حيث تنتج الصين وحدها نحو 40% من المواد الفعالة عالمياً، بينما تعتبر الهند ضمن الدول الرئيسية لتصنيع المواد الأصلية المنتجة للدواء والمحمية ببراءة اختراع.
 
وعندما تضطرب الممرات المائية، يتوقف تدفق هذه "البلوكات الكيميائية"، مما يتسبب في شلل خطوط الإنتاج داخل الدول المستهلكة قبل أن تبدأ أزمة نقل المنتج النهائي.
 
ويُضاف إلى ذلك أزمة الطاقة؛ فالمسكنات الشائعة والمضادات الحيوية تعتمد على مشتقات بتروكيماوية تأتي من الخليج العربي عبر مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام البترولية أدى إلى رفع تكلفة إنتاج المواد الفعالة في الهند التي تعرف بصيدلية العالم، ولا تمتلك المصانع العالمية أي بدائل سريعة تعوضها عن بتروكيماويات المنطقة على المدى القريب.

إحصائيات مرعبة
بلغ إجمالي الاستثمارات المباشرة التي تعهدت بها شركات الأدوية الكبرى لإعادة توطين الدواء في بعض الدول 350 مليار دولار، وذلك لبناء مصانع محلية للتكيف مع القوانين والرسوم الجمركية الجديدة، فيما بلغت قيمة المشروعات الإنشائية النشطة والمستمرة لتشييد مجمعات تصنيع دوائية عملاقة داخل الولايات المتحدة وحدها نحو 170 مليار دولار.
 
وقفزت نسبة الإنتاج والتخزين المكثف للمواد الخام بنحو 91%، وتخوفاً من تمدد الاضطرابات الجيوسياسية، اتجه 80% من مديري سلاسل الإمداد حول العالم لتغيير خططهم رسمياً إلى سياسة التوريد في الوقت المحدد وذلك للتحوط بالمخزون، وتصدرت شركتا ميرك وفايزر المشهد بالتزام كل منهما بضخ 70 مليار دولار لتطوير القدرات التصنيعية المحلية والبحث والتطوير.
 
وأعلنت شركة جونسون آند جونسون عن خطة بقيمة 55 مليار دولار لبناء منشآت متطورة تعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، فيما رصدت شركة إيلي ليلي 27 مليار دولار لتوسيع منشآتها محلياً، مدفوعة بطلب هائل على أدوية السكري والتخسيس وتأمين سلاسل إمدادها، في الوقت نفسه وقعت 9 شركات أدوية كبرى اتفاقيات لضخ 150 مليار دولار مجتمعة في المصانع المحلية لإنتاج أدوية الأمراض المزمنة.

هروب جماعي تحت مظلة الأمن القومي
أمام هذه التهديدات الوجودية للأمن الصحي، تحول نموذج التصنيع العالمي من "أقل التكاليف" إلى "أعلى درجات المرونة"، وبدأت دول كبرى بفرض تشريعات حمائية وإعفاءات مشروطة لإجبار شركات الأدوية الكبرى على نقل مصانعها ومختبراتها إلى داخل حدودها أو إلى دول حليفة وقريبة جغرافياً، وفي هذا الصدد، أبرمت الشركات العملاقة اتفاقيات استثمارية وتصنيعية ضخمة لضمان استقرار أسواقها، لترصد شركات الأدوية عشرات المليارات من أجل تطوير القدرات التصنيعية المحلية للحد من الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
 
وبدا واضحاً أن تأثير هذه الحروب لم يقف على الدول الغربية والأوروبية التي بدأ فيها سعر الدواء يرتفع بنسبة لا تقل عن 30%، حيث ظهر الانعكاس الحقيقي لهذه الأزمة في مناطق النزاع بالشرق الأوسط وإفريقيا مثل غزة، لبنان، السودان، وإيران والصومال، ما أدى إلى أزمة كارثية في ملف الأمن الدوائي.
 
الأدوية التي تتطلب "سلاسل تبريد" صارمة مثل الأنسولين، اللقاحات، وعلاجات السرطان البيولوجية، باتت شبه منقطعة جراء انهيار البنية التحتية للطاقة وشبكات الكهرباء المحلية في تلك المناطق، فضلاً عن عجز الحكومات عن تحمل التكاليف المضاعفة للشحن الجوي البديل.
 
ويمتد هذا التعطل ليضرب إمدادات التجارب السريرية، مما يهدد بوقف وتأخير تطوير لقاحات وعلاجات جديدة على مستوى العالم، الأمر الذي يجعلنا أمام أزمة دواء حقيقة ستستمر تداعياتها لشهور ليست بالقليلة حتى إذا عادت حركة الملاحة لمضيق هرمز بصورة طبيعية خلال الأيام المقبلة.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق