أشرف صلاح الدين خبير أمن المعلومات لـ"صوت الأمة": "كود برمجي" قادر على تعطيل دولة كاملة دون طلقة رصاصة واحدة
الأحد، 31 مايو 2026 10:30 ص
المهندس أشرف صلاح الدين، استشاري التحول الرقمي وأمن المعلومات والذكاء الاصطناعي
حوار هانم التمساح
الحروب الحديثة تُكسب بالخوارزمية وتُحسم بالقوة على الأرض .. والذكاء الاصطناعي العمود الفقري للجيوش الحديثة
الشرق الأوسط تحول إلى مختبر حي للأسلحة الذكية.. والدرونز غيّرت موازين القوة في الحروب الحديثة
أمريكا والصين تخوضان حربًا باردة تكنولوجية مفتوحة.. والحرب الرقمية فرضت على الشركات والدول تطوير أنظمة حماية واستجابة فائقة السرعة
الشرق الأوسط تحول إلى مختبر حي للأسلحة الذكية.. والدرونز غيّرت موازين القوة في الحروب الحديثة
أمريكا والصين تخوضان حربًا باردة تكنولوجية مفتوحة.. والحرب الرقمية فرضت على الشركات والدول تطوير أنظمة حماية واستجابة فائقة السرعة
لم تعد لغة المدافع والصواريخ هي الصوت الوحيد المسيطر على ساحات المعارك الحديثة؛ فخلف كل ضغطة زناد، هناك ملايين السطور من البرمجة، وأقمار صناعية تعمل كعين لا تنام، وخوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل البيانات واتخاذ قرارات مصيرية في أجزاء من الثانية.
الحروب لم تعد تُدار فقط من غرف العمليات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تُخاض أيضًا داخل مراكز البيانات العملاقة، وعبر شاشات المراقبة، ومن خلال شبكات الاتصالات المشفرة والهجمات السيبرانية المعقدة التي يمكنها شلّ دولة كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة.
وفي ظل التصعيد المتسارع في منطقة الشرق الأوسط، والتحول المتزايد للمواجهة الأمريكية الإيرانية والإسرائيلية اللبنانية، بات من الضروري فك شفرات هذا المشهد الرقمي المعقد، وفهم كيف أصبحت التكنولوجيا عنصرا حاسما في إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في المنطقة والعالم.
اليوم لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تكنولوجية مرتبطة بالهواتف الذكية أو التطبيقات الترفيهية، بل تحول إلى العمود الفقري للجيوش الحديثة، ومحرك أساسي في إدارة العمليات العسكرية والاستخباراتية، نحن نعيش بالفعل عصر "الحرب بسرعة البرق"، حيث لا ينتصر الطرف الأقوى عدديًا فقط، بل الطرف القادر على امتلاك أسرع دورة معالجة بيانات واتخاذ قرار وتنفيذ هجوم بدقة فائقة.
ومن هنا برزت الطائرات المسيّرة الانتحارية، وأنظمة الاستهداف الذكية، وبرامج التتبع والتحليل اللحظي باعتبارها أدوات الحرب الجديدة التي تعيد كتابة قواعد الصراع.
وفي الحروب التقليدية، كان ما يُعرف بـ"ضباب الحرب" يمثل العائق الأكبر أمام القادة العسكريين بسبب نقص المعلومات وصعوبة الرؤية الميدانية، أما الآن، فقد أصبحت خوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل صور الأقمار الصناعية، واعتراض الاتصالات، وتتبع الهواتف المحمولة، وحتى مراقبة المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل تحديد الأهداف وتحليل التحركات بسرعة تتجاوز القدرات البشرية بآلاف المرات.
ولم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة التقليدية، بل بقدرة الدول على امتلاك التكنولوجيا الأذكى والأسرع والأكثر دقة، فالحروب الحديثة تُكسب بالخوارزمية، لكنها تُحسم في النهاية بالتكامل بين العقل البشري والآلة، وبين القرار السياسي والتفوق التقني. ولهذا تحولت مناطق الصراع الحالية، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، إلى ما يشبه "المختبرات الحية" لاختبار أحدث الأسلحة والتقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي في ظروف قتالية حقيقية.
وفي حوار خاص لـ«صوت الأمة»، يفتح المهندس أشرف صلاح الدين، استشاري التحول الرقمي وأمن المعلومات والذكاء الاصطناعي، والمحاضر في المعهد الملكي البريطاني، ملفات "الحرب الباردة التقنية"، ويكشف كيف أصبحت التكنولوجيا لاعبًا رئيسيًا في الصراعات الحديثة، ولماذا تحولت منطقتنا إلى ساحة اختبار مفتوحة بين القوى الكبرى.
كما يناقش كيف يمكن لطائرة مسيّرة لا تتجاوز تكلفتها ألف دولار أن تهدد منظومات دفاعية بملايين الدولارات، ولماذا أصبح الذكاء الاصطناعي السلاح الأخطر في معارك المستقبل. وإلى نص الحوار .
كيف أثرت الحرب والتوترات مع إيران على قطاع التكنولوجيا العالمي؟
الحرب مع إيران، سواء كانت في المجال السيبراني أو عبر المواجهات العسكرية التقليدية، خلقت حالة استنفار تقني غير مسبوقة على مستوى المنطقة والعالم.
إيران ليست مجرد دولة عادية على الخارطة، بل تمثل قوة سيبرانية إقليمية كبرى تمتلك قدرات متقدمة في شن هجمات إلكترونية معقدة، هذه التوترات أثرت بشكل مباشر على سلاسل التوريد العالمية، خاصة في قطاع المكونات الإلكترونية، فالمضايقات والتهديدات في مضيق هرمز والبحر الأحمر أثرت على طرق الشحن الدولي، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والخدمات اللوجستية لشركات التكنولوجيا الكبرى، وهو ما انعكس على أسعار المنتجات الإلكترونية بشكل عام، حتى على المستهلك العادي.
أما في مجال الأمن السيبراني، فقد شهدنا طفرة حقيقية في تطوير برمجيات الحماية والهجوم معًا، العالم تعلم من التجارب السابقة والهجمات المتبادلة، مثل استهداف المنشآت النووية أو محطات الوقود الإيرانية، أن "كود برمجي" قادر على تعطيل دولة كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة، وأن تأثير الهجمات السيبرانية لا يقل عن تأثير العمليات العسكرية التقليدية.
هذه الحرب الرقمية فرضت على الشركات والدول تطوير أنظمة حماية واستجابة فائقة السرعة، وخلق سوقًا جديدًا وواعدًا للتقنيات الدفاعية والهجومية على حد سواء.
ما الدور الذي لعبته التكنولوجيا والاتصالات في ظل التصعيد في الشرق الأوسط؟
يمكن القول إن التكنولوجيا كانت "العين التي لا تنام" و"السلاح الذي لا يخطئ"، حيث وفرت الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة (الدرونز) بثًا حيًا ومباشرًا لأحداث أرض المعركة، مما جعل عنصر المفاجأة الاستراتيجية شبه مستحيل.
والاتصالات المشفرة أصبحت العمود الفقري لكل من الفصائل والجيوش النظامية على حد سواء، بينما أثبتت حوادث اختراق أجهزة الاتصال والشوشرة على الشبكات، مثل ما حدث مع أنظمة البيجر، مدى تأثير السيطرة على الاتصالات في إعادة تشكيل قواعد اللعبة العسكرية خلال ثوانٍ معدودة.
التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة للمراقبة، بل أصبحت منصة لإدارة المعارك وتحليل البيانات بشكل لحظي، ما مكن القادة من اتخاذ قرارات أكثر دقة وأسرع بكثير من أي زمن سابق.
من الذي استفاد من التكنولوجيا في حرب المعلومات والذكاء الاصطناعي؟
المستفيدون الأساسيون هم من يمتلكون القدرة على تحليل البيانات وليس فقط من يملك الوصول إليها، فالجيوش النظامية مثل القوات الأمريكية استخدمت الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف بدقة وسرعة تفوق القدرات البشرية بمراحل كبيرة، ما مكنها من تنفيذ عمليات دقيقة وفعّالة.
في الوقت نفسه، شركات الدفاع التكنولوجي مثل Palantir حققت مكاسب ضخمة من بيع خوارزميات التنبؤ وتحليل السلوك، الأمر الذي حولها إلى لاعب محوري في هذه الحروب الرقمية.
أما الأطراف غير النظامية، فقد استفادت من انخفاض تكلفة التكنولوجيا الحديثة؛ فالدرون الذي تكلفته ألف دولار قادر على تدمير رادار قيمته ملايين، وهو ما يعكس مفهوم "تسييد الضعفاء تقنيًا"، أي أن التكنولوجيا مكنت الجهات الصغيرة أو الأقل قدرة من مواجهة قوى أكبر بشكل غير تقليدي.
التكنولوجيا أم القوة البشرية؟ من يملك مفاتيح حسم الحروب الحديثة؟
الإجابة ببساطة هي "التكامل"، التكنولوجيا تمنح التفوق، لكنها لا تحسم المعارك بمفردها. والذكاء الاصطناعي يمكنه تحديد موقع الهدف أو توقع تحركات العدو، لكنه لا يستطيع اتخاذ القرار السياسي أو الأخلاقي أو السيطرة على الأرض بعد الهجوم.
الحروب الحديثة تُكسب بالخوارزمية وتُحسم بالقوة البشرية على الأرض، اليوم، ميزان القوة يميل إلى من يمتلك دورة اتخاذ القرار الأسرع، المدعومة بالتحليل الذكي للبيانات، وليس فقط من يمتلك أسلحة متطورة.
ما هو دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الحرب الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران؟
الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران تعتبر مختبرًا حقيقيًا لتقنيات المستقبل، فالعمليات السيبرانية الاستباقية استخدمت فيروسات معقدة لتعطيل أنظمة الطرد المركزي الإيرانية أو شبكات الدفاع الجوي، بينما تم توظيف الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الاغتيالات بدقة مذهلة، من خلال أسلحة تعمل بالتحكم عن بعد، مدعومة بالتعرف على الوجوه عبر الأقمار الصناعية، ما يقلل الخسائر الجانبية ويزيد من دقة التنفيذ.
أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية أصبحت تعتمد بالكامل على معالجة البيانات الفورية للتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما يثبت تحول الحرب إلى صراع بين الأنظمة الذكية وليس فقط بين البشر.
هل بدأت معركة التكنولوجيا تشتعل بين أمريكا والصين؟ وهل المناطق المضطربة حقل تجارب؟
نعم، المعركة التقنية بين أمريكا والصين تتخذ أشكالًا متعددة، من السيطرة على أشباه الموصلات إلى هيمنة الذكاء الاصطناعي.
أمريكا تفرض حصارًا تقنيًا صارمًا لمنع الهيمنة الصينية، بينما تسعى الصين لتأمين موطئ قدم قوي في تقنيات المستقبل، وللأسف، المناطق المضطربة مثل الشرق الأوسط وأوكرانيا تحولت إلى "مختبرات حية" لاختبار الأسلحة الجديدة، سواء كانت مسيرات صينية الصنع أو أنظمة التشويش الأمريكية، ويتم دراسة أدائها تحت ظروف حقيقية لتطوير النسخ القادمة الأكثر تطورًا وكفاءة.