عامر الشوبكي الخبير الأردني في الاقتصاد والطاقة الدولية لـ"صوت الأمة": ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 24% إذا استمرت التوترات الحالية
الأحد، 31 مايو 2026 01:00 م
الدكتور عامر الشوبكي خبير أمن الطاقة وعضو المنتدى الاقتصادي الأردني
حوار هانم التمساح
التضخم العالمي يتغذى على اضطرابات الشرق الأوسط.. المستهلك المتضرر الأكبر لتحمله ارتفاعات متتالية في الأسعار
أزمة هرمز استنزاف دولي لا مجرد "أزمة نفط".. وتوقعات بانكماش نمو المنطقة إلى 1.8%
أزمة هرمز استنزاف دولي لا مجرد "أزمة نفط".. وتوقعات بانكماش نمو المنطقة إلى 1.8%
بينما تتجه أنظار العالم إلى الجبهات العسكرية المشتعلة في الشرق الأوسط، تدور في الخلفية حرب أخرى أكثر هدوءًا لكنها لا تقل خطورة؛ حرب اقتصادية عالمية تخاض في ممرات مائية ضيقة لا يتجاوز عرض بعضها بضعة كيلومترات، لكنها تتحكم في شرايين التجارة والطاقة حول العالم. فمن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لم تعد الأزمة مجرد توترات جيوسياسية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام اضطرابات غير مسبوقة تهدد سلاسل التوريد وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
ومع استمرار التوترات لأكثر من 71 يومًا، بدأت تداعيات الأزمة تتجاوز حدود المنطقة لتنعكس مباشرة على أسعار الشحن والتأمين والطاقة، وسط حالة قلق متصاعدة في الأسواق العالمية، فكل ناقلة تتباطأ، وكل سفينة تغير مسارها، وكل تهديد يطال الملاحة البحرية، يضيف أعباءً جديدة على الاقتصاد الدولي، ويزيد من الضغوط على الدول المستوردة للطاقة والغذاء، ويضع الشركات العالمية أمام تحديات غير مسبوقة في إدارة سلاسل الإمداد.
وفي هذا الحوار الخاص الذي أجرته صوت الأمة، يكشف خبير أمن الطاقة وعضو المنتدى الاقتصادي الأردني، الدكتور عامر الشوبكي، أبعاد المشهد الاقتصادي المعقد بالأرقام والتحليلات، موضحًا كيف تحولت الأزمة من مجرد صراع سياسي وعسكري إلى ما يشبه "الزلزال الاقتصادي" الذي أصاب التجارة الدولية، ورفع كلف التأمين والشحن، وأثر على معدلات النمو والاستثمار في المنطقة والعالم.
ويتحدث الشوبكي عن تأثير اضطرابات البحر الأحمر ومضيق هرمز على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وكيف بدأت الشركات الكبرى البحث عن "موانئ بديلة" ومسارات جديدة للنجاة من المخاطر المتصاعدة، في ظل تصاعد ما يصفه بـ"اقتصاد المخاطر" الذي بدأ يفرض نفسه على المنطقة بدلاً من "اقتصاد الاستثمار"، كما يناقش انعكاسات الصراع على رؤوس الأموال وثقة المستثمرين، ولماذا أصبحت الأسواق المالية تتحرك على وقع الأخبار السياسية والعسكرية بصورة غير مسبوقة.
الحوار يفتح أيضًا ملفات حساسة تتعلق بمستقبل اقتصاد الشرق الأوسط إذا استمرت الصراعات الحالية، ولماذا قد تنخفض معدلات النمو في بعض دول المنطقة إلى مستويات مقلقة بحلول عام 2026، إضافة إلى السيناريوهات المحتملة لمستقبل التجارة والطاقة في حال استمرار التصعيد أو التوصل إلى تسوية تضمن استقرار الملاحة الدولية. وإلى نص الحوار.
كيف أثرت الحروب والتوترات في الشرق الأوسط على التجارة الدولية وسلاسل التوريد العالمية، خصوصاً مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز؟
الحرب بعد أكثر من 71 يوماً لم تعد مجرد أزمة مرتبطة بمضيق هرمز أو تهديد مؤقت لإمدادات النفط، بل تحولت إلى حالة استنزاف حقيقية للاقتصاد العالمي واختبار شامل لقدرة التجارة الدولية على الصمود.
نحن لا نتحدث فقط عن أزمة طاقة، بل عن أزمة تطال الشحن والتأمين والغذاء وسلاسل الإمداد وثقة المستثمرين وحركة السفن العالمية. وحتى الآن ما تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تسير بحذر شديد وشبه متوقفة في بعض الفترات، رغم محاولات المرور المحدودة وتدخلات الحماية الدولية.
الحرب في الشرق الأوسط ضربت التجارة العالمية في نقطتين من أخطر وأهم الممرات البحرية في العالم: البحر الأحمر ومضيق هرمز. البحر الأحمر أدى إلى إطالة مسارات الشحن واضطرار السفن للالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعني زيادة زمن الرحلات وكلف التشغيل والوقود.
أما مضيق هرمز، فهو شريان استراتيجي يمر عبره ما يقارب ربع تجارة النفط المنقول بحراً، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. لذلك لم تعد الأزمة أزمة إقليمية تخص دول المنطقة فقط، بل أصبحت أزمة تضغط على المصانع العالمية، والشحن البحري، وأسواق الغذاء والطاقة في آسيا وأوروبا والعالم بأكمله.
إلى أي مدى ساهمت الصراعات الإقليمية في رفع تكاليف الشحن والطاقة والتأمين، وما أثر ذلك على حركة التجارة العالمية؟
الصراعات رفعت الكلفة الاقتصادية من ثلاث زوايا رئيسية، الوقود أصبح أغلى، والطريق أصبح أطول، والتأمين أصبح أعلى بكثير، ففي مضيق هرمز تحديداً ارتفعت مخاطر الحرب على السفن التجارية وناقلات النفط، ما دفع شركات التأمين إلى فرض رسوم إضافية وتأمينات خاصة للبضائع العابرة للممرات الخطرة.
هذه الكلفة لا تتحملها شركات الشحن وحدها، بل تنتقل تدريجياً إلى المستوردين ثم إلى المستهلك النهائي في صورة تضخم وارتفاع في الأسعار.
لذلك نرى اليوم ارتفاعاً واضحاً في أسعار كثير من السلع والخدمات في عدد من الدول، إضافة إلى عودة الضغوط التضخمية في اقتصادات كانت تحاول الخروج من آثار الأزمات السابقة، وكل يوم تستمر فيه التوترات يعني ارتفاعاً إضافياً في كلفة التجارة العالمية، وتأخيراً في عمليات التوريد، وضغطاً أكبر على الشركات التي تعتمد على سلاسل إمداد سريعة ومستقرة.
وكيف تنظر إلى حجم الخسائر الاقتصادية التي تتحملها الدول المنخرطة في حروب المنطقة؟
الخسائر الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري أو بعدد الصواريخ والطائرات المستخدمة في الحرب، الخسارة الأكبر تكون غالباً في الجوانب غير المباشرة، مثل توقف الاستثمارات، وتراجع السياحة، وهروب رؤوس الأموال، وارتفاع كلفة الاقتراض، وتعطل الموانئ وقطاعات الطاقة والخدمات.
الاقتصاد بطبيعته يحتاج إلى الاستقرار والثقة، وعندما تدخل المنطقة في حالة توتر ممتد، تبدأ رؤوس الأموال بالهروب إلى مناطق أكثر أماناً، هناك بالفعل توقعات بانخفاض معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة بشكل واضح خلال السنوات المقبلة، فبعد أن كانت التقديرات تشير إلى نمو اقتصادي يقارب 4% في بعض دول المنطقة خلال 2025، أصبحت التوقعات تشير إلى تراجع النمو إلى نحو 1.8% في 2026.
أما اقتصادات الخليج، فرغم قوتها المالية، إلا أنها ليست بمنأى عن التأثيرات، إذ تشير بعض التوقعات إلى أن النمو قد يتراجع إلى نحو 1.3% في بعض الدول الخليجية خلال 2026، وربما أقل من ذلك في بعض الحالات، وهو ما يعكس حجم الضربة الاقتصادية التي تعاني منها المنطقة والعالم معاً نتيجة استمرار الصراعات.
كيف تؤثر الاضطرابات الأمنية الممتدة على استقرار الأسواق المالية في الشرق الأوسط، وكيف يتم احتواء التداعيات الاقتصادية؟
الأسواق المالية في المنطقة أصبحت تتحرك بشكل مباشر على وقع الأخبار السياسية والتطورات العسكرية، أي خبر يتعلق بمحادثات التهدئة بين إيران والولايات المتحدة، أو أي تطور يخص الملاحة البحرية أو الهجمات بالطائرات المسيّرة، ينعكس فوراً على أداء الأسواق والبورصات وأسعار الطاقة.
شهدنا بالفعل تراجعاً في بعض أسواق الخليج بعد تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتجدد التوترات الأمنية، في حين استطاعت السعودية الحد من التأثيرات نسبياً بفضل وجود بدائل استراتيجية مثل خط أنابيب شرق-غرب الذي تديره أرامكو، ما وفر قدراً من المرونة في تصدير النفط.
أما احتواء التداعيات الاقتصادية فيعتمد بشكل أساسي على أدوات تمتلكها دول الخليج، مثل ضخ السيولة الحكومية، وزيادة الإنفاق العام، وتوفير بدائل للتصدير والشحن، إضافة إلى إرسال رسائل طمأنة مستمرة للمستثمرين والأسواق من أجل الحفاظ على الاستقرار المالي ومنع هروب رؤوس الأموال.
كيف تحاول الدول والشركات العالمية تقليل خسائر اضطراب سلاسل التوريد؟ وهل نشهد اتجاهاً متسارعاً نحو تنويع مصادر الإنتاج والممرات التجارية؟
بالتأكيد، الشركات العالمية لم تعد تراهن على ممر تجاري واحد أو مورد واحد كما كان يحدث سابقاً، الأزمات الحالية سرعت بشكل كبير من خطط تنويع سلاسل الإمداد والممرات التجارية، وهناك توجه واضح نحو تنويع الموانئ المستخدمة، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وتحويل بعض المسارات التجارية بعيداً عن مناطق التوتر، كذلك لجأت بعض الشركات إلى استخدام الشحن الجوي رغم تكلفته المرتفعة، كما بدأت شركات أخرى بنقل جزء من إنتاجها أو مستودعاتها إلى مناطق أقرب من الأسواق المستهدفة لتقليل مخاطر التأخير.
وجود موانئ بديلة مثل جدة وينبع ساهم في إبقاء جزء من الحركة التجارية الخليجية مستمراً، لكن ذلك جاء بكلفة أعلى بكثير، خاصة في قطاع الشحن الجوي الذي ارتفعت تكلفته في بعض المسارات بأكثر من 70%.
ما تأثير الحروب في المنطقة على ثقة المستثمرين والقطاع الخاص؟
المستثمر بطبيعته لا يخاف فقط من الحرب نفسها، بل من غياب القدرة على التنبؤ بالمستقبل، عندما لا يعرف المستثمر ما إذا كانت البضائع ستصل في موعدها، أو إذا كانت الطاقة ستبقى مستقرة، أو إذا كانت العملات والأسواق ستشهد اضطرابات حادة، فإنه يؤجل قرارات الاستثمار والتوسع.
لذلك كلما طال أمد الصراع، تراجعت فرص النمو الاقتصادي وإعادة الإعمار، لأن رأس المال يبحث دائماً عن البيئات الأكثر استقراراً وأماناً، وهذا ما يجعل استمرار التوترات عامل ضغط طويل الأمد على اقتصادات المنطقة، حتى في الدول غير المنخرطة بشكل مباشر في الحرب.
إذا ما عادت الحرب الإيرانية إلى الواجهة مرة أخرى أو حدث تصعيد جديد، كيف يمكن أن يتغير شكل الاقتصاد في الشرق الأوسط؟ وما التداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي؟
إذا استمرت الصراعات لفترة أطول، فإن اقتصاد الشرق الأوسط سيتحول تدريجياً من اقتصاد يعتمد على الممرات التجارية والطاقة والاستثمارات إلى اقتصاد قائم على التحوط والمخزون وإدارة المخاطر.
وعالمياً سنشهد معدلات تضخم أعلى، وتباطؤاً أكبر في التجارة الدولية، وارتفاعاً في أسعار الغذاء والطاقة والأسمدة، وهو ما سيضغط بشكل كبير على الدول الفقيرة والدول المستوردة للطاقة.
وهناك بالفعل توقعات بارتفاع أسعار الطاقة بنسبة قد تصل إلى 24% خلال هذا العام إذا استمرت التوترات الحالية، وقد ترتفع أكثر إذا امتد الصراع لفترات أطول، ما يعني ضغوطاً إضافية على معدلات التضخم والكلف الاقتصادية عالمياً.
أما إذا انتهت الحرب باتفاق واضح وطويل الأمد وضمانات حقيقية لأمن الملاحة، فمن الممكن أن نشهد تراجعاً سريعاً في علاوة المخاطر على النفط والشحن والأسمدة، لكن التعافي لن يكون فورياً، لأن الشركات ستحتاج إلى وقت لإعادة ترتيب العقود واستعادة الثقة وإصلاح سلاسل التوريد، أما استمرار الوضع الحالي دون حرب شاملة أو تسوية حقيقية، فقد يدفع العالم نحو أزمة اقتصادية مزمنة قابلة للتحول إلى أزمة مالية عالمية خانقة في أي لحظة.