السر في قصر قرطام المخالف.. القصة الكاملة لبيان الحركة المدنية الذى أغضب المعارضة وتسبب في تفجير الحركة من الداخل
الأحد، 31 مايو 2026 06:40 م
اجتماع سابق للحركة المدينة
كتب سامى سعيد
يومان فصلا بين إصدار "الحركة المدنية الديمقراطية" بيانًا أعلنت خلاله رفضها لهدم قصر رجل الأعمال أكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين، المقام على النيل، وبين سحب البيان. وبين الموقفين كانت هناك تفاصيل كثيرة ومواقف سياسية جاءت، في غالبيتها، من التيارات المحسوبة على المعارضة، ومن داخل الحركة المدنية نفسها، أعلنت تبرؤها من البيان الأول، رافضة في الوقت نفسه ربط "الحركة المدنية" بين نزاع رجل الأعمال وقضايا جماهيرية عامة، والحديث عنها في بيان رسمي.
وترصد "صوت الأمة" في هذا التقرير تفاصيل ما حدث.
كانت البداية مساء الجمعة الماضية، وتحت عنوان "الخروج على الدستور وتجاهل أحكام القانون يُفاقمان أسباب الاحتقان ويهددان السلم الاجتماعي"، أصدرت "الحركة المدنية الديمقراطية" بيانًا تناولت فيه ما قالت إنها تفاصيل تخص هدم المقابر و"العدوان المتكرر على حرمة المواقع التاريخية، وأزمات الجزر النيلية".
وفجأة تضمن البيان فقرة تسببت في تفجر الحركة من الداخل أولًا قبل أن يأتيها الهجوم من خارجها. وجاء نص الفقرة كالتالي: "كان آخر هذه النماذج التدخل لانتزاع أرض، وهدم مبنى سكني من أملاك أكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين، مُشيَّد عليها، رغم حيازته جميع الشهادات القانونية والوثائق الرسمية".
وجاءت هذه الفقرة في أعقاب بيان وزارة الري الذي صدر يوم 25 مايو الجاري، متحدثًا عن إجراءات إزالة منشآت أكمل قرطام المقامة بالمخالفة على نهر النيل، مؤكدًا أن هذه الإجراءات "تأتي في إطار تطبيق القانون وحماية مجرى نهر النيل وأملاك الدولة العامة، دون أي تمييز بين حالة وأخرى"، لافتًا إلى أن "مساحة أراضي أملاك الدولة المتعدى عليها وغير المملوكة لقرطام تتجاوز 14 ألف متر مربع، بنسبة تقارب 60% من إجمالي مساحة التواجد، مقسمة بين مساحة ردم داخل مجرى نهر النيل تبلغ نحو 11390 مترًا مربعًا، ومساحة تعدٍّ على الأملاك العامة لجسر شبرامنت تتجاوز 2700 متر مربع".
ورغم أن بيان الري كان واضحًا في تفاصيله الخاصة بأسباب إزالة قصر أكمل قرطام على النيل، لكونه مقامًا على أملاك دولة ومخالفًا للقوانين، فإن الحركة المدنية لم تلتفت إلى هذه الحقائق، وأصرت على الدخول كطرف في القضية، وتحويل الأمر إلى خلاف سياسي لا مخالفة قانونية.
تفجر الحركة من الداخل
بعد صدور بيان الحركة المدنية الديمقراطية، تفجر الوضع داخل الحركة، خاصة بين أعضائها الذين رفضوا تدخل الحركة في قضية شخصية وقانونية وليست سياسية. كما أصبحت الحركة، على مدار الساعات الماضية، مستهدفة من أطراف في المعارضة بسبب مواقفها غير المفهومة وغير المبررة.
وكانت البداية مع الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، الذي أصدر بيانًا قال فيه إن بيان الحركة المدنية الديمقراطية الصادر بشأن أزمة قصر المهندس أكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين، حمل العديد من أسباب "الخجل"، معتبرًا أن الحركة أخفت مطلبها الأساسي خلف قضايا عامة أكبر، ما أدى إلى إفساد البيان وإضاعة الهدف المباشر منه.
وأوضح أن "الحركة التي تحركت دفاعًا عن قصر رجل أعمال شهير تحت شعار الحفاظ على الحق الدستوري في الملكية الخاصة، تجاهلت عشرات الصحفيين الذين تعرضوا للتشريد وفقدان حقوقهم بسبب قرارات اتخذها قرطام، فضلًا عن الامتناع عن تنفيذ تعويضات قضت بها المحاكم لصالح عدد منهم"، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن "حقوق هؤلاء الصحفيين قد لا تساوي شباكًا في القصر محل الأزمة، لكنها تمثل بالنسبة لهم فرصة لاستكمال حياتهم وتأمين احتياجات أسرهم".
وأكد البلشي أنه لا ينكر حق أي شخص في الدفاع عن قضيته إذا ثبتت عدالتها، لكنه شدد على أن العدالة لا تتجزأ، وأنه كان يمكنه التفاعل مع حجج قرطام أو مناقشة أسانيده القانونية لو سبق ذلك موقف واضح من حقوق الصحفيين الذين تضرروا من سياساته. كما أشار إلى أن الحركة المدنية كان بإمكانها إصدار بيان مباشر بشأن الواقعة دون ربطها بقضايا عامة أخرى أو منحها أبعادًا سياسية أكبر من حجمها.
وأضاف نقيب الصحفيين أن بعض قيادات الحركة المدنية كانوا على علم بمطالب الصحفيين المتضررين وما صدر بشأنها من أحكام قضائية، إلا أنهم التزموا الصمت، معتبرًا أن هذا الصمت يمثل أحد الأسباب التي انعكست على صياغة البيان.
وتابع أن التعاطف مع قرطام أو الدفاع عن حقه أمر مشروع، لكن كان الأولى الانتصار أولًا لحقوق الصحفيين الذين شُرِّدوا أو الذين لم تُنفذ الأحكام القضائية الصادرة لصالحهم، وأضاف: "لن أتحدث عما جرى في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وطريقة إدارته وإدارة نجله للانتخابات، فهذا شأن سياسي أتركه لقادة الحركة، متفرغًا للشأن النقابي".
واختتم خالد البلشي بالتأكيد على أنه لو كان مكان الحركة المدنية لفضّل الصمت، أو على الأقل إصدار بيان أكثر وضوحًا ومباشرة، بعيدًا عن المقدمات والإحالات إلى قضايا أخرى، مشددًا على أن الموقف كان سيبدو أكثر اتساقًا لو سبقته مواقف واضحة في الدفاع عن حقوق الصحفيين المتضررين أو إدانة ما تعرضوا له.
ودخل على الخط نفسه طارق العوضي، المحامي وعضو لجنة العفو الرئاسي، الذي كتب على صفحته على "فيسبوك" أن الحركة المدنية الديمقراطية لم تمت اليوم، وأن خبر رحيلها لم يكن مفاجئًا، معتبرًا أن نهايتها الفعلية حدثت منذ سنوات عندما فقدت قدرتها على التعبير عن الشارع، واستبدلت السياسة بالبيانات، والتنظيم بالشعارات، والفعل بالمواقف الرمزية، وتحولت إلى كيان يُقصي الآخرين.
وأشار العوضي إلى أن الحركة المدنية كانت في الأصل فكرة تستحق الحياة، تقوم على اجتماع المختلفين دفاعًا عن الديمقراطية والعدالة والحرية، إلا أن الفكرة وحدها لا تكفي، مشيرًا إلى أن الأحزاب التي تبتعد عن المواطنين تذبل، وأن القوى السياسية التي تنشغل بخلافاتها أكثر من اهتمامها بقضايا الناس تخرج من المشهد السياسي بإرادتها، موضحًا أن ما يحدث اليوم ليس إعلانًا لوفاة الحركة المدنية الديمقراطية، وإنما إعلان متأخر لشهادة وفاة واقع قائم منذ سنوات، مؤكدًا أن التراجع الذي أصاب الحركة لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من الابتعاد عن الشارع والانشغال بصراعات النخبة.
رد حزب المحافظين على بيان الحركة المدنية
الأمر الأكثر إيلامًا للحركة المدنية كان ذلك البيان الذي أصدره صباح اليوم، الأحد، حزب المحافظين برئاسة أكمل قرطام، مالك القصر محل بيان الحركة المدنية. فقد أكد الحزب تمسكه بالمسار القانوني وعدم تسييس القضية، وفي لغة حملت انتقادًا واضحًا لتدخل الحركة المدنية، قال الحزب: "لعله كان من الأنسب التواصل مع المهندس أكمل قرطام قبل إصدار البيان، خاصة أن المهندس أكمل قرطام، وبحكم طبيعته الشخصية وموقفه منذ بداية الأزمة، قد آثر النأي بحزب المحافظين عن الزج به في هذه الواقعة، ولم يطلب من الحزب أو أي من هيئاته إصدار بيانات أو اتخاذ مواقف داعمة له، مفضلًا أن يخوض معركته عبر المسارات القانونية والقضائية الطبيعية، إيمانًا منه بأن ما تعرض له يتعلق بحقوق قانونية يتعين حسمها في إطار الدستور والقانون".
وأكد بيان حزب المحافظين أن القضية محل النزاع ذات طبيعة قانونية محددة، تتعلق بملكية وإجراءات مطروحة أمام القضاء، موضحًا أن ربط القضية بملفات اجتماعية أخرى لا يعكس طبيعتها القانونية الدقيقة، ولا ينصف في الوقت ذاته القضايا الأخرى المرتبطة بالسكن والتعويضات، مؤكدًا أن تلك الملفات لها سياقاتها المختلفة التي يجب التعامل معها بشكل منفصل.
وأنهى الحزب بيانه بقوله: "إن الحزب، مع تقديره الكامل لموقف الحركة المدنية الديمقراطية، يحرص على التأكيد على أن هذه القضية يجب أن تُناقش في إطارها الحقيقي، بوصفها قضية قانونية محددة، وأن تُترك القضايا العامة الأخرى لتُناقش في سياقاتها الطبيعية، بما يحقق الإنصاف للجميع ويحافظ على وضوح الحقائق أمام الرأي العام. وسيظل موقف حزب المحافظين ثابتًا في الدفاع عن سيادة القانون واحترام الدستور وحماية الحقوق، أيًا كان صاحب الحق".
انسحاب العدل
وفي تطور حمل تصعيدًا أكثر حدة، أعلن حزب العدل، برئاسة النائب عبد المنعم إمام، الانسحاب النهائي من الحركة المدنية الديمقراطية، معتبرًا أن التطورات الأخيرة تعكس تراجعًا في أداء الحركة وقدرتها على الاستمرار كإطار تنسيقي فاعل بين القوى السياسية، بحسب بيان أصدره الحزب.
وأوضح حزب العدل أن قراره السابق بتجميد نشاطه داخل الحركة لم يعد كافيًا، وأن المرحلة الحالية تستدعي انسحابًا كاملًا ونهائيًا، مع الدعوة إلى مراجعة شاملة لمستقبل الحركة ودورها السياسي.
وعلق النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، على القرار قائلًا: "إكرام الميت دفنه"، داعيًا الأطراف المشاركة في هذه التجربة إلى تقييم موضوعي لمسيرتها ومستقبلها، موضحًا أن الحفاظ على رصيد الحركة يقتضي التفكير الجاد في إنهاء التجربة بصورتها الحالية بدلًا من استمرار شكلي لم يعد يعكس واقعها.
التحالف الشعبي الاشتراكي يرفض بيان الحركة
ولم تنتهِ الأمور عند هذا الحد، إذ أصدر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، عضو الحركة المدنية، بيانًا أكد فيه أنه "لم يوافق على بيان الحركة المدنية الديمقراطية بشأن التعديات التي طالت عددًا من الممتلكات، ولا يوافق على النهج الذي انطلق منه في معالجة القضية"، موضحًا أن "صدور بيان الحركة بهذا الشكل كان بمثابة إخلال واضح بميثاق الحركة المدنية ومبدأ المشاركة بين مكوناتها".
وشدد الحزب على أن مهمة المعارضة الأساسية هي الدفاع عن مصالح المجتمع وحقوق المواطنين، لا المصالح الخاصة، كما أكد رفضه خلط الخاص بالعام، ودعا إلى تجنب تضارب المصالح.
سحب بيان الحركة المدنية
وفي محاولة لاحتواء الخلاف الذي بات يهددها، أعلنت الحركة المدنية الديمقراطية سحب بيانها الأخير الخاص بأزمة هدم القصر المملوك لأكمل قرطام.
وقالت الحركة، في بيان أصدرته اليوم الأحد تحت عنوان "اعتذار واجب وتوضيح"، إنها تتفهم الانتقادات الموجهة إلى بيانها الأخير، وتعتذر لمتابعيها، مؤكدة أن الصياغة الواردة في البيان لم تكن موفقة، وأعطت انطباعًا مغايرًا لما تؤمن به الحركة وتسعى إلى تجسيده في ممارستها السياسية.
وفتح ما حدث بشأن بيان الحركة المدنية، وما تبعه من هجوم وانتقادات، الباب أمام تساؤلات حول مستقبلها، خاصة في ظل استمرار الحديث عن آليات اتخاذ القرار داخلها. فهذه الواقعة لم تكن الأولى التي يصدر فيها بيان باسم الحركة المدنية، ثم يخرج أعضاء منها ليؤكدوا عدم علمهم به، بل ورفضهم له. واليوم، مع إعلان حزب العدل انسحابه رسميًا، ومع الأحاديث المستمرة عن القيادة "غير الواضحة" للحركة المدنية، بات العديد من أقطاب المعارضة ينظرون إليها باعتبارها قد انتهت فعليًا، أو كما قال رئيس حزب العدل، النائب عبد المنعم إمام: "إكرام الميت دفنه".