تفكيك الحركة المدنية.. معركة "البلشي - قرطام" فجرت المسكوت عنه

الأحد، 31 مايو 2026 07:02 م
تفكيك الحركة المدنية.. معركة "البلشي - قرطام" فجرت المسكوت عنه
ولاء عزيز

تخطئ القراءة السياسية التي تختزل المشهد الراهن داخل الحركة المدنية الديمقراطية في مجرد "انسحاب تقليدي لحزب العدل"، فالقشرة السطحية للأزمة تخفي تحتها بركانًا من الصراعات المكتومة التي تفجرت دفعة واحدة عقب البيان الأخير الصادر عن "التيار الحر" بزعامة المهندس أكمل قرطام. هذا البيان، الذي حمل نبرة اتهامية ومزايدات واضحة على مواقف أطراف داخل المعارضة، لم يكن مجرد وجهة نظر سياسية عابرة، بل كان بمثابة "صاعق التفجير" الذي رفع الغطاء عن خلافات ممتدة لسنوات حول احتكار صياغة المواقف، وآليات اتخاذ القرار، وحدود التضامن بين مكونات الحركة، ليتحول الصدام من غرف المداولات المغلقة إلى ساحات العلن السياسية والإعلامية.
 
المحرك الفعلي والشرارة الحقيقية للزلزال الحالي تجسدا في الصدام العنيف والمباشر بين نقيب الصحفيين خالد البلشي، بما يمثله من ثقل رمزي وتيار واسع داخل الحركة المدنية، وبين المهندس أكمل قرطام؛ حيث اعتبر البلشي لغة البيان ونبرته نوعًا من الوصاية وتوزيع صكوك الوطنية والتخوين السياسي، ورفض بشكل قاطع محاولات فرض أجندات أحادية على المجموع. هذا الرد القوي والمفاجئ من قِبل نقيب الصحفيين فتح الباب على مصراعيه لأحزاب وشخصيات أخرى داخل الحركة للخروج عن صمتها الطويل، وتوجيه انتقادات لاذعة وحادة لشخص قرطام ولطريقة إدارته للمشهد، معلنين رفضهم التام لسياسة المزايدات وتحويل الحركة إلى منصة لخدمة طموحات تيار بعينه على حساب العمل الجماعي المشترك.
 
في قلب هذا الصخب والاشتباك الحاد، جاء إعلان انسحاب "حزب العدل" كخطوة درامية، لكنها في الحقيقة تحصيل حاصل لمسار طويل من التباعد الفكري والتنظيمي؛ فالمتابع للمشهد يعلم أن الحزب طالما اتخذ مواقف مستقلة تمامًا وخاض استحقاقات انتخابية وتحركات ميدانية بعيدًا عن مظلة الحركة لسنوات، حتى بدا للمراقبين وكأن وجوده شكلي فقط. ولذلك، وجد حزب العدل في معركة "البلشي-قرطام" وتفجر الأزمة التوقيت السياسي المثالي لترجمة طلاقه العملي مع الحركة إلى موقف رسمي معلن، مستندًا إلى شرعية الاعتراض الجماعي على طريقة إدارة الحركة التي باتت بيئة طاردة تفتقر لأدنى مستويات التوافق.
 
إن محاولة تبسيط المشهد الراهن تحت عنوان "العدل ينسحب بسبب بيان" هي قراءة ناقصة وسطحية للغاية، تسقط من حساباتها ديناميكيات الصراع السياسي-النقابي، ومواجهة كسر العظام الدائرة حاليًا بين أقطاب المعارضة؛ فنحن لسنا أمام أزمة طارئة يمكن احتواؤها ببيان مضاد أو "جلسة صلح" بروتوكولية، بل أمام حالة تفكك حقيقي وتصفية حسابات سياسية مؤجلة، أثبتت أن شبكة المصالح والرؤى داخل الحركة قد تشابكت وتعقدت إلى الحد الذي جعل من "آخر بيان" مجرد كاشف أخير لحكاية قديمة وعميقة من الانقسام البنيوي.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة