"الحوار" هو الحل للأحوال الشخصية

السبت، 06 يونيو 2026 06:43 م
"الحوار" هو الحل للأحوال الشخصية
سامى سعيد

 

تشريعية النواب: حوار مجتمعي حول مشروع القانون.. ورأي الأزهر والكنيسة التزام دستوري

الحكومة تؤكد ترحيبها بكافة المقترحات وتنفي سحب مشروع القانون من البرلمان

 

ما زال مشروع قانون الأحوال الشخصية، بصورته الجديدة، يشغل الساحة السياسية والحقوقية، نظرًا لأهمية هذا التشريع الذي يعتبره كثيرون بمثابة دستور ينظم شؤون الأسرة المصرية من زواج وطلاق وحضانة ورؤية وغيرها من القضايا المرتبطة بالحياة الأسرية. ولا تزال العديد من مواده محل نقاش وخلاف بين مختلف الأطراف المعنية، في وقت أكدت فيه الحكومة أن مشروع القانون تم إرساله إلى مجلس النواب ولم يتم سحبه كما تردد.

ونفى المستشار هاني عازر، وزير شؤون المجالس النيابية، ما تردد بشأن سحب الحكومة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد من مجلس النواب، مؤكدًا أن مشروع القانون أصبح حاليًا في حوزة البرلمان وتحت ولايته التشريعية، وشدد على أن الحكومة لم تسحب مشروع القانون بأي شكل من الأشكال، بعد أن استوفت دورها بتقديمه رسميًا إلى مجلس النواب، موضحاً أن المشروع بات الآن داخل المسار البرلماني الطبيعي، دون أي تراجع أو نية لسحبه من جانب الحكومة.

وأكد وزير شؤون المجالس النيابية أن مجلس الوزراء سبق أن وافق على مشروع القانون باعتباره خطوة أولى نحو الوصول إلى صياغات متوازنة، مشيراً إلى أن الهدف من هذه الصياغات هو تحقيق الغايات النهائية لمثل هذه التشريعات، وفي مقدمتها التوافق مع المحددات الدستورية، وتحقيق الرضا والقبول والاطمئنان لدى المواطنين، موضحاً أن قضايا الأحوال الشخصية من الملفات المتشابكة التي تتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة، كما شدد على أهمية أن يخرج التشريع بصورة تحقق المصلحة الفضلى للأسرة المصرية، وتراعي طبيعة القضايا الاجتماعية والإنسانية المرتبطة به.

وأكد الوزير احترام الحكومة الكامل للمسار الدستوري والتشريعي في مناقشة مشروع قانون الأسرة داخل البرلمان، وأشار إلى انفتاح الحكومة وترحيبها بجميع الآراء والمقترحات ووجهات النظر التي ستُطرح من الجهات والمؤسسات المعنية خلال جلسات التداول والمناقشة، موضحاً أن مناقشة المشروع تحت قبة البرلمان ولجانه المختصة تمثل جزءًا أساسيًا من الحوار المجتمعي والمؤسسي المطلوب، وأن هذا الحوار ضروري لخروج التشريع الحيوي بصياغة متوازنة تلبي طموحات المجتمع وتحقق الاستقرار للأسرة المصرية.

وخلال الفترة الماضية، أعلنت عدة قوى سياسية إعداد مشروعات قوانين للأحوال الشخصية إلى جانب المشروع المقدم من الحكومة، حيث أعلنت أحزاب العدل ومستقبل وطن والوفد وحماة الوطن والشعب الجمهوري عن تقديم مشروعات قوانين خاصة بالأسرة والأحوال الشخصية، في المقابل، طالبت قوى سياسية عديدة بالتريث في إصدار هذا القانون المهم، وإجراء حوار مجتمعي واسع يضم جميع الأطراف المعنية من خبراء ومتخصصين وفقهاء قانونيين، إلى جانب استطلاع رأي الأزهر الشريف والكنيسة المصرية في بعض المواد، مؤكدين ضرورة الخروج بتشريع متوازن يحقق استقرار الأسرة ويحفظ حقوق الأطفال، ويسهم في الحد من ظاهرة الطلاق التي أصبحت تمثل تحديًا مجتمعيًا متزايدًا.

وأكد الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، أن مشروع القانون الجديد المقدم من الحكومة تحت مسمى "قانون الأسرة" يعد واحدًا من أخطر التشريعات وأكثرها أهمية، مشددًا على أن قانون الأحوال الشخصية في أهميته يفوق قانون الإجراءات الجنائية؛ كونه يمس تفاصيل الحياة اليومية لكل بيت مصري دون استثناء، بينما يقتصر الأخير على فئات معينة ومحددة أمام المحاكم.

وأوضح فوزي، لـ "صوت الأمة" تعقيبًا على اللغط الدائر حول التشريع المرتقب، أن مشروع القانون يمثل "مدونة شاملة" تضم نحو 300 إلى 350 مادة، حيث يدمج تحت مظلته مجموعة من القوانين المتفرقة، بدءًا من أحكام الخطبة، والزواج، والطلاق، والخلع، والنفقات، والحضانة، وصولاً إلى قانون الوصية والإجراءات المرتبطة بها.

وفيما يتعلق بالجدل المثار حول تحديد الأطراف الأولى بالرعاية والحضانة (الرجل أم المرأة)، حسم أستاذ القانون الدستوري الأمر بالإشارة إلى أن موقف الفقه الإسلامي واضح وثابت في هذا الشأن، حيث يضع "إعلاء المصلحة الفضلى للصغير" كقاعدة رئيسية تبنى عليها كافة الأحكام وتتجه إليها بوصلة التشريع أينما كانت.

وحول الإجراءات البرلمانية المتبعة في حال وجود أكثر من مشروع قانون مقدم من النواب أو الأحزاب بجانب مشروع الحكومة، أوضح عضو مجلس النواب أن اللائحة الداخلية للمجلس تمنح الأولوية دائمًا لمشروع القانون المقدم من الحكومة، ولكن يتم ضمه مع كافة المشروعات البديلة وإعداد "جدول مقارنة" يجمع كل مادة بالمقترحات المقابلة لها (سواء مقدمة من نواب مستقلين أو كتل حِزبية) لتقريب النصوص وإدارتها عبر جلسات استماع موسعة.

وكشف فوزي أن هناك قانون مستقل تمامًا للاخوة الأقباط، ومدرج بالفعل على جدول أعمال المجلس، لافتًا إلى أنه من المتوقع أن يتم مناقشة الملفين معًا لارتباطهما الوثيق.

وأعرب الدكتور صلاح فوزي عن أمنيته في عدم الاستعجال بطرح هذا القانون للنقاش خلال الأسابيع المتبقية من دور الانعقاد البرلماني الحالي، مؤكدًا أن المدة المتبقية غير كافية نهائيًا لحسم تشريع بهذه الحساسية، وطالب بإعطاء القانون الوقت الكافي ليخضع لحوار مجتمعي واسع، وجلسات استماع مكثفة داخل البرلمان، تشارك فيها كافة الجهات الدينية والمعنية بالشأن العام، وعلى رأسها مؤسسة الأزهر الشريف بمكوناتها ، بالإضافة إلى دار الإفتاء المصرية وأساتذة الشريعة، لضمان خروج قانون متوازن يحفظ استقرار المجتمع.

من جانبه، قال المستشار طاهر الخولي، وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب، إن مشروع قانون الأحوال الشخصية يهدف في جوهره إلى إنهاء معاناة الأسر داخل المحاكم، ومن أبرز ما يتضمنه تحديد مدد زمنية ملزمة لإصدار الأحكام، بحيث لا تتجاوز ثلاثة أشهر في الدرجة الأولى وستة أشهر في مرحلة الاستئناف، موضحاً أن المشروع يتبنى نظام «القاضي الواحد» الذي يتولى نظر جميع القضايا الخاصة بأسرة واحدة، سواء كانت نفقة أو رؤية أو حضانة أو مصروفات دراسية، بما يمنع تشتت النزاعات بين المحاكم المختلفة ويضمن سرعة الفصل فيها من خلال قاضٍ ملم بكافة تفاصيلها.

وأكد أن فلسفة القانون ترتكز على حماية الطفل في المقام الأول بعيدًا عن الانحياز للرجل أو المرأة، مشيرًا إلى أن المشرع يسعى إلى وضع نصوص تحقق استقرار الأسرة المصرية لسنوات طويلة. كما لفت إلى أن الحكومة تقدمت لأول مرة بمشروع قانون خاص بالأحوال الشخصية لغير المسلمين، بهدف معالجة المشكلات الناتجة عن تطبيق لوائح قديمة استمرت لأكثر من قرن، مشيراً إلى أن ما أثير بشأن سحب الحكومة لمشروع القانون «عارٍ تمامًا من الصحة»، مؤكدًا تمسك الحكومة والبرلمان بالمشروع لسد فراغ تشريعي ممتد وتحديث مواد لم تعد تتناسب مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة.

وفيما يتعلق بقضية الرؤية، أوضح الخولي أن المشروع يتجه إلى الاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة لتمكين الطرف غير الحاضن من التواصل مع أبنائه، مؤكدًا أن حماية الطفل تمثل الهدف الأساسي للقانون، وأن المشرع يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف بما يحقق التوافق المجتمعي ويحافظ على كيان الأسرة، وأكد أن القانون لن يصدر إلا بعد إجراء حوار مجتمعي واسع يضم الأزهر الشريف ودار الإفتاء والكنيسة المصرية والمجلس القومي للطفولة والأمومة وجمعيات المطلقين والمطلقات، مشيرًا إلى أن ضيق الوقت قد يحول دون صدوره خلال دور الانعقاد الحالي نظرًا لحساسية مواده وأهمية استطلاع مختلف الآراء بشأنها.

وفي السياق ذاته، أكد النائب محمود سامي، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن مشروع قانون الأحوال الشخصية يتضمن بعض المواد المثيرة للجدل التي تستوجب مراجعة دقيقة، مشيرًا إلى أن بعض البنود قد لا تنسجم مع الفلسفة القانونية المستهدفة لحماية الأسرة، لافتا إلى أن المادة التي تمنح الزوجة حق فسخ العقد بعد ستة أشهر، والتي اشتهرت على مواقع التواصل الاجتماعي باسم «فترة التجربة»، تثير تساؤلات عديدة حول الهدف منها، لافتًا إلى أن الهيئة البرلمانية للحزب تتابع ردود الفعل المجتمعية بشأنها في ظل عدم وضوح المبررات التشريعية لتحديد هذه المدة.

وتوقع سامي أن تتجه المناقشات البرلمانية إلى حذف هذه المادة، مؤكدًا أن البرلمان يمتلك الصلاحية الكاملة لتعديل أو حذف أو إضافة مواد جديدة تحقق العدالة وتحفظ حقوق جميع الأطراف دون تمييز أو غموض قانوني.

كما أثار رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي نقطة قانونية مهمة تتعلق بحالات الغش أو التدليس في الزواج، مؤكدًا أن التشريعات الحالية تتيح بالفعل حق الطلاق أو الفسخ عند اكتشاف التدليس، متسائلًا عن مصير الحقوق إذا تم اكتشاف الغش بعد انتهاء مدة الستة أشهر المقترحة، وشدد على ضرورة بقاء باب التقاضي مفتوحًا أمام الزوج والزوجة للحفاظ على حقوقهما القانونية والمادية، محذرًا من أن فسخ العقد يعني قانونيًا العودة إلى نقطة الصفر وكأن الزواج لم يكن، وهو ما قد يترتب عليه فقدان بعض الحقوق، الأمر الذي يتطلب دراسة متأنية لضمان عدم الإضرار بأي طرف.

وسبق أن أصدر المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بيانًا رسميًا عقب انعقاد جلسته السنوية، كشف خلاله عن مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية للأسرة المسيحية وتقديم عدد من الملاحظات بشأنه إلى مجلس النواب تمهيدًا لإقراره بصورة نهائية، موضحاً أن أعضاء المجمع ناقشوا مشروع القانون ضمن الملفات المطروحة خلال اجتماعات اللجان المختلفة، واتفقوا على مجموعة من الرؤى والملاحظات التي تم رفعها إلى البرلمان، مؤكدين أن القانون المرتقب يمثل إنجازًا مهمًا يُحسب للقيادة السياسية والبرلمان المصري.

كما أصدر المركز الإعلامي للأزهر الشريف بيانًا ردًا على التساؤلات المتعلقة بموقف الأزهر من مشروع قانون الأحوال الشخصية، وما أثير حول بعض مواده عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن مشروع القانون لم يُعرض بعد على الأزهر الشريف، وأن المؤسسة لم تشارك في صياغته بأي صورة، موضحاً أنه سبق أن قدم في أبريل 2019 مشروعًا متكاملًا للأحوال الشخصية يعبر عن رؤيته الشرعية من خلال لجنة ضمت أعضاء من هيئة كبار العلماء وأساتذة متخصصين، مشيرًا إلى أنه لا يعلم مدى توافق هذا المقترح مع مشروع القانون المتداول حاليًا.

وأكد الأزهر الشريف أنه سيبدي رأيه الشرعي في مشروع القانون وفقًا لما جرى عليه العرف الدستوري والقانوني، وذلك بعد إحالته إليه رسميًا من مجلس النواب لإبداء الرأي بشأنه.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق