عسكرة الخوارزميات.. الذكاء الاصطناعى سلاح أخطر من النووي

مخترع الواى فاى لـ"صوت الامة": الأزمات الجيوسياسية الأخيرة "حقل تجارب" حي ومفتوح للتقنيات السيبرانية

السبت، 06 يونيو 2026 08:12 م
مخترع الواى فاى لـ"صوت الامة": الأزمات الجيوسياسية الأخيرة "حقل تجارب" حي ومفتوح للتقنيات السيبرانية
هانم التمساح



العالم يدخل مرحلة الحرب الهجينة فائقة السرعة خلف الشاشات بمعادلات خوارزمية تُنفذ بدقة وسرعة تتجاوز الإدراك البشري

مديرة الاستخبارات السيبرانية البريطاني تحذر: تسارع التقنيات قوة لا يمكن إيقافها وتضع الغرب في منطقة خطيرة بين السلم والحرب

الدكتور حاتم زغلول مخترع الواى فاى لـ"صوت الامة": الأزمات الجيوسياسية الأخيرة "حقل تجارب" حي ومفتوح للتقنيات السيبرانية والعسكرية الذكية

الخبير الدولي توبي والش: قادرين على رسم صورة ميدانية لحظية للعدو وبناء بنك أهداف متكامل بدمج البيانات وإشارات الاتصالات ومحتوى السوشيال ميديا



 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات لتسهيل العمل اليومي أو تحسين الإنتاجية؛ بل تحول إلى محرك أساسي لأكبر عملية إعادة صياغة القوة والنفوذ في التاريخ الحديث. وبين ليلة وضحاها، انتقل الخوف من الذكاء الاصطناعي من أروقة سينما الخيال العلمي إلى طاولات صناع القرار، ومراكز الأمن القومي، والقيادات العسكرية العليا بعد استخدامه في إدارة جزء من الحروب الأخيرة في العالم، وتتزايد التحذيرات الدولية من مخاطر الذكاء الاصطناعي بعدما طورت شركات التكنولوجية الكبرى نماذجها بدون قانون،  وحين انتبهت الحكومات، كانت الفجوة بين سرعة التشريع وسرعة التطور التكنولوجي قد اتسعت بشكل مخيف.

ولايكمن الخطر الحقيقي في الأسطر البرمجية والشر الكامن في التكنولوجيا، بل في فلسفة التصميم وأهداف الاستخدام، فالتكنولوجيا مرآة لمالكها، إذ أن الخوارزمية التي تُستخدم فيما ينفع الناس  لتشخيص السرطان المبكر هي نفسها التي يمكن تعديلها لتطوير سلاح بيولوجي فتاك يسبب دمار البشرية. وانتقلت النماذج الذكية الحالية من "الذكاء الاصطناعي الضيق" المتخصص في مهمة واحدة  إلى "الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلم الذاتي"، وهي المرحلة التي بدأت فيها الآلة تنتج معرفة جديدة لم يلقنها إياها المبرمج البشري، مما أثار رعب المطورين أنفسهم من فقدان "السيطرة على تدفق المعلومات خاصة تلك المتعلقة بالحروب.

تحذيرات مخابراتية

وفي تحذير هو الأقوى من نوعه منذ عقود، رسمت الأسبوع الماضى، مديرة جهاز الاستخبارات السيبرانية البريطاني "آن كيست باتلر"، ملامح صراع خفي وشرس يشهده العالم في الفضاء الرقمي، مؤكدة أن تسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي بات قوة لا يمكن إيقافها، ويتم تسليحها من قِبل القوى المعادية لخوض حروب هجينة تقع تحت عتبة المواجهة العسكرية التقليدية مباشرة، ما يضع الغرب في منطقة برزخية خطيرة بين السلم والحرب.

جاءت هذه التصريحات خلال المحاضرة السنوية الافتتاحية التي ألقتها كيست باتلر في "بليتشلي بارك" ــ المركز التاريخي لفك الشفرات النازية خلال الحرب العالمية الثانية ــ في إشارة رمزية إلى أن العالم يقف اليوم أمام منعطف تكنولوجي يشبه اللحظة التي ولدت فيها الحوسبة الحديثة، حيث أعربت المديرة، التي تملك خبرة ثلاثة عقود في الأمن القومي، عن قلقها البالغ قائلة: "إن خطر سوء التقدير اليوم مرتفع بقدر لم أشهده من قبل"، مبررة ذلك بالوتيرة المذهلة التي تطلق بها شركات التكنولوجيا ابتكارات الذكاء الاصطناعي، والتي توازي قيام خصوم الغرب بـ"تسليح الخوارزميات" لشن هجمات سيبرانية معقدة.

ووجّهت الاستخبارات البريطانية اتهاماً مباشراً ومفصلاً إلى موسكو، مؤكدة أنها تستهدف بلا هوادة البنى التحتية الحيوية، والعمليات الديمقراطية، وسلاسل الإمداد في بريطانيا وأوروبا، إلى جانب التخطيط لعمليات تخريب ومحاولات اغتيال، مشيرة إلى أن الصراع الروسي الهجين يمتد "من أعماق البحار إلى الفضاء السيبراني"، كاشفة عن تركيز بريطاني مكثف لحماية كابلات البيانات وأنابيب الطاقة المتدفقة تحت الماء حول الجزيرة البريطانية من محاولات التخريب الروسية.

وفي المقابل، وصفت المتحدثة الصين بأنها "قوة عظمى في العلوم والتكنولوجيا"، محذرة من أن "الأرض تهتز تحت أقدام الغرب"، وأن النافذة الزمنية تضيق أمام المملكة المتحدة وحلفائها للبقاء في مقدمة السباق التكنولوجي قبل أن تفرض بكين وهيمنتها الرقمية.

جاءت هذه التحذيرات لتتقاطع مع تقارير أمنية أوروبية أكدت تعرض دول مثل السويد وبولندا  والدنمارك والنرويج لهجمات سيبرانية، قادتها مجموعات قراصنة مرتبطة بموسكو، استهدفت بنى تحتية حساسة ومحطات كهرباء وسدود مائية. وهو ما يطلق عليه الخبراء "المنطقة الرمادية"، وهي حرب غير معلنة رسمياً لكنها قادرة على شلّ عصب الحياة في الدول المستهدفة إذا ما تطور أي نزاع دولي.

وفي ظل الأجواء السياسية الدولية الراهنة، وتأثيرات سياسة "أمريكا أولاً" التي ينتهجها الرئيس دونالد ترامب، شددت كيست باتلر على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الاستخباراتية بين لندن وواشنطن، واصفة إياها بأنها "أساسية لأمن البلدين"، في محاولة لتبديد المخاوف من أي فجوة قد تؤثر على تبادل المعلومات بين الحلفاء التقليديين.

واختتمت مديرة الجهاز خطابها بدعوة استنفار وطنية ودولية، مؤكدة على ضرورة نقل ملف الأمن السيبراني من غرف مجالس الإدارات الكبرى إلى غرف المعيشة العادية، وجعل التصدي لهذه التهديدات "أكثر إلحاحاً بعشر مرات" مما هو عليه الآن، تفادياً لخسارة حرب لم تبدأ مدافعها بالثوران بعد.

 

إدارة الحروب بلا جنود

وعلى خلفية التحذيرات الدولية المتصاعدة من عسكرة الخوارزميات، يرى العالم المصرى الكندى الدكتور حاتم زغلول، مخترع الواى فاى، في تصريحات لـ"صوت الأمة" أنه في هذا التوقيت تحديداً، رفعت الحكومات والشركات الكبرى حالة الطوارئ والتحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي في الحروب السيبرانية، بسبب انتقال التكنولوجيا من مرحلة "المساعد الذكي" إلى مرحلة أخطر بكثير وهي الذكاء الاصطناعي الوكيل Agentic AI.

يضيف زغلول: في السابق، كانت البرمجيات الخبيثة تحتاج إلى عنصر بشري لتوجيهها وتعديلها. أما اليوم، أصبحت المجموعات السيبرانية Nation-State Actors المدعومة من دول كبرى تستخدم وكلاء ذكاء اصطناعى يمكنهم تخطيط وتنفيذ الهجمات ذاتيا وبسرعة فائقة، وهى سرعة تتجاوز بمراحل قدرة البشر على الاستجابة التقليدية وتعرف بـ Machine Speed، لافتاً إلى الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم السلاح الأول والدرع الأخير في آن واحد؛ لذا، وكما أشار المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخراً، فإن الخطر اليوم لم يعد مجرد سرقة بيانات، بل استهداف مباشر للبنية التحتية الحيوية Critical Infrastructure، كشبكات الطاقة، والمياه، والاتصالات.

يؤكد زغلول أن التكنولوجيا لم تخرج عن السيطرة بعد، لكن آليات الدفاع التقليدية هي التي باتت عاجزة عن مجاراة التحذيرات الحالية، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بنماذج الجيل الحالي Generative & Agentic AI القادرة على التعلم الذاتي المستمر Continuous Learning، وتعديل سلوكها الهجومي بناءً على الثغرات التي تكتشفها في جزء من الثانية.

يضيف: في هذه المرحلة، نرى الخطر مضاعفاً على جبهتين:سيبرانياً: قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد برمجيات خبيثة متحورة تلقائياً، تفلت من برامج الحماية التقليدية، واجتماعياً ومعلوماتياً، من خلال إنتاج محتوى التزييف العميق Deepfakes شديد الواقعية، واستخدامه في اختراق الهويات الرقمية للمؤسسات الكبرى، مما كبّد شركات عالمية خسائر بملايين الدولارات مؤخرا، ومن واقع عملنا في Wedge Networks نؤكد أن الحل الوحيد للسيطرة ليس محاولة إيقاف التكنولوجيا، بل مواجهة "الذكاء الاصطناعي المهاجم" بـ "ذكاء اصطناعي مدافع"، يعمل في الوقت الفعلي عند حواف الشبكة لصد الهجوم قبل وصوله للهدف.

ويوضح الدكتور حاتم زغلول أن الدول تخشى فعلياً من فقدان سيادتها على المعلومات بسبب هذه الطفرة الخوارزمية وبشكل جدي للغاية. هذا الخوف ينقسم إلى شقين أساسيين، أولهما السيادة على البيانات، حيث تخشى الحكومات من تسرب بياناتها السيادية الحساسة وبنيتها المعلوماتية إلى خوادم ونماذج ذكاء اصطناعي تديرها شركات تقنية عملاقة تقع خارج حدودها الجغرافية وخارج نطاق قوانينها، وثانيهما تسميم البيانات وتزييف الوعي والخوف من قدرة الذكاء الاصطناعي على ضخ حملات تضليل ممنهجة وموجهة تدار بالكامل عبر روبوتات ذكية للتلاعب بالرأي العام وهدم الاستقرار السياسي.

ويؤكد العالم المصرى أن هذا التهديد الوجودي هو ما دفع قوى كبرى كالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، لتفعيل حزم صارمة من القوانين، مثل المرحلة الثانية من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، لفرض رقابة صارمة على شفافية النماذج وتوطين البيانات.

ويشير زغلول إلى أن الأزمات الجيوسياسية الأخيرة كانت بمثابة "حقل تجارب" حي ومفتوح للتقنيات السيبرانية والعسكرية الذكية، حيث دمجت النزاعات الحالية بين العمليات العسكرية التقليدية والهجمات السيبرانية الهجينة Hybrid Warfare لتعطيل عصب اتصالات الخصم، مؤكداً أن إدارة الحروب مستقبلاً سيكون بلا جنود؛ ونحن نتجه متسارعين نحو هذا الواقع. فالذكاء الاصطناعي بات يوجه بالفعل الطائرات المسيرة (Drones) ذاتية القيادة، والغواصات غير المأهولة، وأنظمة الدفاع الصاروخي المستقلة.

ويشدد الدكتور حاتم زغلول على أن الخطر الحقيقي في الحروب المستقبلية، سواء السيبرانية أو الميدانية، ليس فقط غياب الجندي البشري، بل سرعة اتخاذ القرار العسكري. فعندما تدار الحرب بأنظمة ذكاء اصطناعي تواجه أنظمة أخرى، فإن قرارات رصد الهدف، وتوجيه السلاح، والضغط على "الزناد الرقمي" ستتم في أجزاء من الثانية. وهذا يلغي تماماً "العنصر البشري المكبح للتهور"، ويزيد من احتمالية حدوث تصعيد كارثي غير مقصود نتيجة خطأ أو هلوسة في خوارزمية التعلم الذاتي.

وانطلاقاً من هذا الواقع المعقد يوضح العالم المصرى الكندى أن الرؤية والحلول التي تقدمها شركة Wedge Networks كلاعب رئيسي في هذا المجال، تقوم على أن التحديات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة تفرض واقعاً جديداً يتطلب حلولاً غير تقليدية؛ إذ لم يعد كافياً الاعتماد على جدران الحماية التقليدية التي تنتظر وصول الهجوم لتبدأ في تحليله.لذلك، تركز استراتيجية الشركة على قيادة سوق الأمن السيبراني من خلال تكنولوجيا "الفحص العميق في الوقت الفعلي المدعومة بالذكاء الاصطناعي المتقدم، ويضيف: نحن لا نحمي الأجهزة النهائية فحسب، بل نقوم بتأمين وتطهير تدفقات البيانات بالكامل عند حواف الشبكة والسحاب Network Edge & Cloud، وفي ظل صعود الذكاء الاصطناعي الوكيل والمخاوف الدولية من فقدان السيطرة، قمنا بتطوير منصات حوكمة أمنية مرنة تتيح للحكومات والمؤسسات الكبرى استغلال القوة الكاملة للذكاء الاصطناعي وتوطين بياناتها بأمان كامل، مما يضمن لها السيادة الرقمية والقدرة على صد أعقد الهجمات السيبرانية ذاتية التعلم في جزء من الثانية، وقبل أن تتمكن من اختراق أنظمتها الحيوية.

 

جيل جديد من الحروب بلا جنود

ولم تعد الحروب تُخاض بالرصاص والمدافع وحدها؛ ففي مطلع 2026، دخل العالم مرحلة الحرب الهجينة فائقة السرعة، حيث بات الذكاء الاصطناعي هو القائد الفعلي خلف الشاشات، محولًا ساحات القتال من مواجهات بشرية مباشرة إلى معادلات خوارزمية تُنفذ بدقة وسرعة تتجاوز الإدراك البشري، وتجلّى هذا التحول بوضوح في الصراع الأخير داخل إيران، إذ كشف الخبير الدولي توبي والش عن استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحديد ما يصل إلى 1000 هدف خلال 24 ساعة فقط. ففي حين كانت عملية اختيار الأهداف في الحروب التقليدية تستغرق أسابيع من التحليل الاستخباراتي، أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على مسح مساحات شاسعة، وتحليل تحركات الوحدات العسكرية، وبناء بنك أهداف متكامل خلال ساعات، عبر دمج بيانات الأقمار الصناعية، وإشارات الاتصالات، وحتى محتوى وسائل التواصل الاجتماعي لرسم صورة ميدانية لحظية للعدو، وهو ما أكدته وسائل إعلام إيرانية على لسان مسئولين بأنها تخوض حروب سيبرانية متواصلة دون انقطاع بغض النظر عن استمرار الحرب المعلنة أو توقفها.

ولم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على دعم الضربات الجوية، بل امتد إلى التخطيط الاستراتيجي للعمليات المعقدة، خاصة مع تطور نماذج اللغة الكبيرة مثل كلود، التي باتت تُستخدم لمحاكاة سيناريوهات عمليات خاصة، بما في ذلك اعتقال شخصيات سياسية رفيعة كما حدث في حالة نيكولاس مادورو في فنزويلا. وتتيح هذه النماذج تشغيل ملايين الاحتمالات قبل تنفيذ أي عملية، مع توقع ردود فعل الخصم واقتراح أفضل مسارات الهجوم أو الانسحاب لتقليل الخسائر .

وفي موازاة ذلك، دخلت الأسلحة ذاتية التشغيل مرحلة التنفيذ الفعلي، حيث ظهرت طائرات مسيّرة قادرة على التعرف على الوجوه واستهداف الأفراد دون تدخل بشري مباشر، إلى جانب أسراب الدرونز التي تنفذ هجمات جماعية منسقة، ما يجعل مواجهتها بالأنظمة الدفاعية التقليدية أمرًا بالغ الصعوبة .

ويفتح هذا التطور الباب أمام مخاطر غير مسبوقة، إذ يحذر خبراء، في مقدمتهم توبي والش، من ثلاث فجوات رئيسية، أولها غياب البعد الإنساني، حيث تعمل الخوارزميات وفق احتمالات النجاح دون تمييز حاسم بين هدف عسكري ومدني عند تداخل البيانات. وثانيها غموض المساءلة القانونية، إذ لا يوجد إطار واضح يحدد المسؤولية في حال ارتكاب أنظمة ذاتية التشغيل لجرائم حرب. أما الثالثة فهي خطر التصعيد التلقائي، حيث قد تقود سرعة اتخاذ القرار الآلي إلى اندلاع صراعات واسعة خلال دقائق نتيجة خطأ برمجي أو رد فعل غير محسوب .

ولم تعد تداعيات هذه الحروب تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، حيث تتفاعل خوارزميات الأسواق المالية فورًا مع أخبار النزاعات، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التداول وزيادة عزوف المستثمرين عن المخاطر، بما يعكس ترابطًا متزايدًا بين ساحات القتال الرقمية وأسواق المال .

ويُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في هذا السياق باعتباره السلاح النووي الجديد، إذ لم يعد التفوق يقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة، بل بسرعة الخوارزميات ودقة تحليلها، بما يمنح من يمتلكها القدرة على التحكم في الأرض والأسواق في آن واحد .

وبينما تتسارع وتيرة الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، تدور في المقابل جهود دبلوماسية مكثفة لصياغة إطار قانوني ينظم هذا المجال. وتبرز هنا "معاهدة الخطوط الحمراء الرقمية" كأحد أبرز هذه المحاولات، حيث تركز النقاشات على مبدأ إبقاء الإنسان ضمن دائرة اتخاذ القرار، ومنع الأنظمة من تنفيذ الضربات دون إشراف بشري مباشر، إلى جانب حظر تقنيات الاستهداف الحيوي التي تعتمد على التعرف على الوجوه أو السمات البيومترية، كما تُطرح مطالب بفتح ما يُعرف بالصندوق الأسود للخوارزميات العسكرية أمام جهات رقابية دولية، لضمان خلوها من التحيزات أو الأخطاء التي قد تؤدي إلى كوارث إنسانية

وتصطدم هذه الجهود  بعقبات كبرى، في ظل تحفظ قوى دولية رئيسية مثل الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل على الالتزام بقيود ملزمة، مفضلة الاكتفاء بمدونات سلوك غير ملزمة، في مقابل دفع دول أخرى، بدعم من مجموعة الـ77 والصين، نحو حظر شامل للأسلحة ذاتية التشغيل

من ناحية أخرى، تتصاعد ضغوط من داخل مجتمع التكنولوجيا نفسه، حيث شهدت شركات كبرى مثل جوجل احتجاجات واستقالات بسبب استخدام تقنياتها في تطبيقات عسكرية، كما وقع آلاف الباحثين تعهدات بعدم المشاركة في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل، تأكيدًا على أن دور العلم يجب أن يظل في خدمة الحياة لا إنهائها، لكن الإشكالية الأكثر تعقيدًا تكمن في الطبيعة المزدوجة لهذه التقنيات، إذ إن أدوات مثل «كلود» أو ChatGPT تُستخدم في مجالات مدنية واسعة، ما يجعل فرض قيود عليها دون التأثير على الابتكار أمرًا بالغ الصعوبة.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن العالم يقف أمام مفترق طرق حاسم، حيث يتسارع سباق التسلح الرقمي بوتيرة تفوق قدرة الأطر القانونية على مواكبته، بينما يظل الرهان الحقيقي معلقًا على المسؤولية الأخلاقية، باعتبارها الحاجز الأخير أمام انفلات القوة التكنولوجية.

ففي عقيدة الحروب الجديدة، قد تمنح ميلي ثانية واحدة من التفوق الخوارزمي القدرة على شل دفاعات الخصم قبل أن يدرك أنه دخل المعركة، ما يجعل التنازل عن هذا التفوق، في نظر القوى الكبرى، أقرب إلى انتحار استراتيجي، لقد غير الذكاء الاصطناعي العقيدة العسكرية بشكل راديكالي. نحن لا نقترب من جيل جديد من الحروب، بل نحن في قلبه الآن؛ حيث تُدار المعارك بالخوارزميات والبيانات الضخمة أكثر من الجنود على الأرض 

 

سباق التسلح القادم .. هل يفوق النووي؟

وبحسب ما رصدته وسائل الاعلام العالمية فإن سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي أخطر من السباق النووي، فمن حيث التكلفة والانتشار السلاح النووي يتطلب يورانيوم ومفاعلات عملاقة وتكنولوجيا مرصودة دولياً. أما سلاح الذكاء الاصطناعي، فيتطلب فقط "حواسيب فائقة ومبرمجين عباقرة"، ويمكن إخفاؤه في أي سيرفر تحت الأرض، علاوة على أن السلاح النووي سلاح "ردع" لا يُستخدم، بينما أسلحة الذكاء الاصطناعي (مثل الهجمات السيبرانية والمسيرات) تُستخدم يومياً في النزاعات الإقليمية والدولية، ولعل أبرز المخاوف التي بدأت تراود الدول اليوم هي أن الذكاء الاصطناعى يمكنه إعادة هندسة موازين القوى، فالقوى التقليدية التي تمتلك جيوشاً جرارة قد تصبح عاجزة أمام دولة صغيرة تمتلك تفوقاً خوارزمياً قادراً على شل شبكات الكهرباء، والاتصالات، وإخراج المطارات العسكرية عن الخدمة في ثوانٍ معدودة.

كما أثبتت الأزمات الدولية الأخيرة أن المعلومات المغلوطة المنتجة بالذكاء الاصطناعي أصبحت سلاحاً هجومياً لا يقل خطورة عن الصواريخ الباليستية. عندما تفقد الشعوب القدرة على التمييز بين الحقيقي والمزيف، يسقط مفهوم "الأمن القومي" وتدخل الدولة في حالة سيولة وفوضى كاملة.

   

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة