المحللة السياسية الباكستانية مليحة هاشمي لـ"صوت الأمة": التوازن الإقليمي شهد تحولاً جذرياً منذ 28 فبراير
السبت، 06 يونيو 2026 09:34 م
التنسيق المصرى الباكستانى السعودى صمام أمان وعامل توازن واستقرار لأمن المنطقة
إصرار إيران على إبعاد الملف النووي من المفاوضات مناورة سياسية.. ومطالب ترامب "غير واقعية"
لا يزال يراوح التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران مكانه رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء الحرب، وسط تعثر واضح لجهود المفاوضات السياسية، والوساطة التي تقودها باكستان بدعم دولي وتنسيق مع مصر وتركيا ودول الخليج للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق نار دائم.
في هذا الحوار الذي أجرته "صوت الأمة" مع مليحة هاشمي المحللة السياسية الباكستانية، سنحاول وضع النقاط فوق الحروف لشرح تفاصيل الأزمة الإيرانية الأمريكية، مؤكدة أن موازين القوى في الشرق الأوسط قد أُعيد تشكيلها بالكامل منذ منعطف 28 فبراير، وأن الردود العسكرية الإيرانية غير المتوقعة هي التي فرضت مسار "التفاوض من أجل السلام" الراهن.
كما كشفت مليحة هاشمي في هذا الحوار عن الأثمان الباهظة التي يتكبدها الاقتصاد جراء هذه المواجهة، وتحدد سقف الوساطة التي تقودها إسلام آباد، مبرزة الدور المحوري الذي تلعبه مصر بالتنسيق مع القوى الإقليمية والخليجية لتشكيل جبهة أمنية تمنع الانهيار الشامل وتفتح مسارات التهدئة. وإلى نص الحوار
في ظل حالة التفاؤل الحذر الحالية التي تحيط بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية رغم استمرار التصعيد المتبادل، كيف يمكن تفسير التباين بين المؤشرات الإيجابية الصادرة من واشنطن وإصرار طهران على أن الملف النووي ليس مطروحًا حاليًا على طاولة المفاوضات؟ وهل يمكن اعتبار ذلك جزءًا من المناورات التفاوضية المعتادة الرامية إلى خفض الكلفة السياسية؟
يبدو أن الأمر كذلك إلى حدٍّ كبير، فالإصرار الإيراني على إبعاد الملف النووي من المفاوضات يعد جزءًا من المناورات التفاوضية المعتادة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار المرحلة الحرجة والصعبة التي وصلت إليها المفاوضات. ويبدو أن إيران تسعى في الوقت الراهن إلى تهدئة الأوضاع المتوترة، والعمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب فيما يتعلق بتخفيف العقوبات ورفعها.
إذا كانت المؤشرات تدل على تأجيل ملف البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة، فهل يعني ذلك أن المحادثات الحالية تركز أساسًا على ترتيبات خفض التصعيد الأمني وتخفيف جزئي للعقوبات باعتبارهما إجراءات أولية لبناء الثقة؟
لو لم تكن الولايات المتحدة قد بدأت هذه الحرب، لما مضت إيران في عمليات تخصيب اليورانيوم إلى المستويات العالية التي وصلت إليها بعد اندلاع المواجهة. لذلك، فإن تعليق هذا الملف مؤقتًا في الوقت الحالي طالما أنه يضمن تأمين تخفيف العقوبات ومنع مزيد من التداعيات الاقتصادية السلبية سيُعدّ انتصارًا كبيرًا لإيران على أي حال.
في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها إيران، هل تبدو طهران مستعدة لتقديم تنازلات استراتيجية تدريجية مقابل تخفيف العقوبات، أم أن السقف التفاوضي الإيراني لا يزال رافضًا بشكل قاطع للمسارات المجزأة؟
الخيار الأول المتعلق بتقديم تنازلات استراتيجية تدريجية من جانب إيران هو الأكثر قابلية للتطبيق والتحقق في هذه المرحلة.
وما هي أبرز العقبات الهيكلية التي تحول دون التوصل إلى اتفاق شامل، خاصة في ضوء التقارير التي تتحدث عن مطالب أمريكية مرتفعة السقف، مثل تدمير المواد المخصبة أو نقلها من المنشآت المحصنة تحت الأرض؟
العقبة الأكبر في تلك المفاوضات حتى الآن تتمثل في سلسلة التصريحات غير المنضبطة، وسوء التقدير في الإعلانات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب ملاحظاته المهينة ومطالبه غير الواقعية المتمثلة في تسليم المواد النووية المخصبة إلى الولايات المتحدة، هذا الأمر غير مقبول بتاتاً بالنسبة لإيران، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشكل أساساً صالحاً للتفاوض.
إلى أي مدى يمكن أن يسهم النهج الإيراني القائم على فصل ملفات الأمن الإقليمي (مثل الضربات المتبادلة) عن المسارات الاقتصادية والسياسية في إنجاح هذه العملية التفاوضية؟
الضربات الانتقامية القوية وغير المتوقعة التي نفذتها إيران هي، في واقع الأمر، السبب الرئيسي والدافع الأساسي الذي أجبر الطرفين على الجلوس والتفاوض من أجل "السلام" في الوقت الراهن.
فلو استسلمت إيران دون ردٍّ عسكري، لكان مصيرها مشابهاً لما جرى في سوريا والعراق ودول أخرى اختارت عدم الرد، فضلاً عن أن تلك الدول لم تكن تمتلك ذات النفوذ في جماعات الضغط اللوبيات أو شبكة الحلفاء القوية التي تمتلكها إيران، وهو ما يشكل عاملاً إضافياً ومؤثراً في هذا السياق.
في ظل التحذيرات من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى كوارث عالمية، كيف تقيّم حجم التهديد الذي قد يتعرض له مضيق هرمز وأمن الطاقة العالمي إذا استمرت حالة عدم الاستقرار والمناورات العسكرية؟
التهديدات هائلة والمخاطر جد كبيرة بالنسبة لغالبية دول العالم، ولهذا السبب تحديداً لا أعتقد أن هذا الوضع سيستمر لفترة طويلة دون التوصل إلى نقطة تحقق مكاسب متبادلة للطرفين، إن شاء الله.
فنصف العالم يعتمد اعتماداً حيوياً على مضيق هرمز لتأمين إمداداته النفطية، ولا يمكن للمجتمع الدولي تحمّل استمرار أزمة الطاقة العالمية الحالية لفترة طويلة؛ لذا أرى أن هذه الفوضى ستصل إلى نهايتها قريباً، بإذن الله.
إذا تعثرت المفاوضات بشكل كامل، واستمر تجميد الأصول الإيرانية ومنع الإفراج عنها، فهل تمتلك المنطقة القدرة على تجنب الانزلاق نحو موجة أوسع وأكثر خطورة من التصعيد العسكري مقارنة بالجولات السابقة؟
أعتقد أنه إذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه، فإن الأمور ستتجه نحو الأسوأ مقارنة بما كانت عليه في السابق، كما ستتفاقم أزمة الطاقة العالمية بشكل حاد، وربما تصل إلى درجة قد يحتاج معها الاقتصاد العالمي إلى بضع سنوات كاملة للتعافي من الصدمة الاقتصادية الناتجة عنها.
بين الهدن المؤقتة والتسوية التاريخية الشاملة، أين تقف المنطقة اليوم بعد جولات التصعيد الأخيرة؟
الأمر قد تجاوز بكثير مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، فالتوازن الإقليمي قد أُعيد تشكيله وصياغته بالفعل خلال الأشهر الثلاثة الماضية؛ حيث برزت إيران كقوة مؤثرة وصاحبة صوت قوي على الساحة الدولية، وهو وضع لم يكن قائماً قبل الهجوم الأمريكي عليها.
إن مستوى الاستعداد الإيراني لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، كان لهما أثر بالغ الأهمية، باختصار، لقد شهد التوازن الإقليمي تحولاً جذرياً وكبيراً منذ تاريخ 28 فبراير 2026.
بما أن استمرار الصراع لفترة طويلة يرفع مستوى الخطر على الجميع، فما هي التداعيات المباشرة لأي تدهور في الوضع داخل مضيق هرمز على الاقتصاد الداخلي الباكستاني وأمن الطاقة في البلاد؟
في الواقع، يعاني الاقتصاد الباكستاني من أزمة حادة ومنهكة منذ الإطاحة بحكومة عمران خان، ومنذ ذلك الحين، وتراجع ثقة المستثمرين مستمر ويتفاقم بشكل مطرد على مدار أربع سنوات، والآن، جاءت الحرب بين إيران والولايات المتحدة لتزيد الأعباء الاقتصادية الملقاة على كاهل المواطنين.
وإذا استمر هذا الوضع لبضعة أشهر أخرى، فإن الآفاق المستقبلية لباكستان تبدو قاتمة للغاية، إن دافعي الضرائب في باكستان يدفعون بالفعل ثمنًا باهظًا وجائرًا ولا يمكنني تخيل مدى قسوة الوضع الاقتصادي الذي ستواجهه الطبقات الفقيرة والمطحونة إذا ما فشلت هذه المفاوضات.
ما طبيعة الجهود الدبلوماسية التي تبذلها إسلام آباد حاليًا لتثبيت الهدنة؟
الحكومة الباكستانية تحاول بذل كل ما في وسعها ووسع طاقتها لتهدئة الأوضاع، لكنني لا أستطيع حقاً التعليق على الموقف الدقيق أو حجم التقدم الفعلي الذي تحقق حتى الآن، ودعنا نراقب كيف ستتطور الأمور. أما فيما يتعلق بأبرز التحديات، فأعتقد أن ترامب يتوقع الكثير جداً من باكستان، ويطلب منها الضغط لإقناع إيران بمطالب تُعد في طهران غير قابلة للنقاش أو المساومة أصلاً.
كيف يُنظر إلى الدور الذي تؤديه مصر، بالتنسيق مع باكستان ودول الخليج، في فتح حوار شامل لاحتواء الأزمة الراهنة ومنع انهيار إقليمي واسع النطاق؟
في الحقيقة، يُنظر إلى التحرك المصري باعتباره دوراً عملياً، واقعياً، ومسؤولاً إلى حد كبير. فالتنسيق الدبلوماسي المشترك الذي تقوده مصر مع باكستان والمملكة العربية السعودية ودول الخليج يُنظر إليه عموماً بوصفه صمام أمان وعامل توازن واستقرار تمارسه قوى إقليمية متوسطة ووازنة التأثير.
ومن خلال العمل الدؤوب والمشترك على تشجيع محادثات وقف إطلاق النار ودفع مسارات خفض التصعيد بين واشنطن وطهران، أدت مصر دوراً محورياً وحيوياً في المساهمة بتشكيل جبهة أمنية إقليمية متماسكة تهدف إلى نزع فتيل الأزمة وتهدئة هذا الوضع الشديد التوتر والخطورة.
كيف تقيمين مواقف القوى العالمية الكبرى وتحديدًا الصين وروسيا، تجاه هذه المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة؟
لقد نجحت الصين وروسيا إلى حدٍّ كبير وملحوظ في إضعاف وتقليص النفوذ الغربي أثناء تعاملهما مع المفاوضات العالمية الجارية، وإن كان ذلك يتحرك وفق أولويات استراتيجية وحسابات خاصة ومختلفة لكل منهما.
وعلى الرغم من أنهما يظهران في كثير من الأحيان كجبهة دبلوماسية واحدة ومتقاربة، فإن الاستراتيجيات والمناورات التي يعتمدها كل طرف منهما في كواليس المفاوضات تختلف بصورة واضحة وتفصيلية عن الأخرى.