ماذا بعد تحويل الدعم من عيني إلى نقدي؟

الدعم المقترح يضمن محفظة سلعية مالية ويواجه السوق الموازية والأسعار المرتفعة

السبت، 13 يونيو 2026 11:00 م
الدعم المقترح يضمن محفظة سلعية مالية ويواجه السوق الموازية والأسعار المرتفعة
سامى سعيد

التموين: 35 ألف منفذ تمويني و30 ألف مخبز بلدي و1200 مجمع استهلاكي و8000 منفذ لمشروع "جمعيتي" يعملون بكامل طاقتهم

خبراء يطالبون بتشديد الرقابة على الاسواق وقاعدة بيانات دقيقة ومحدثة بصورة مستمرة

يمنى الحماقى تقترح تطبيق نظام "الاختيار الحر" في بداية المرحلة الانتقالية.. وفخرى الفقى: نظام الشرائح مهم لضمان استفادة الفئات المستحقة

 

 

بدأت الحكومة أولى خطوات تنفيذ التحول في منظومة الدعم من العيني إلى النقدي، فيما أكدت وزارة التموين والتجارة الداخلية أنه لا مساس بحقوق المستفيدين من الدعم، خاصة الأسر الأولى بالرعاية والفئات الأكثر احتياجًا، مشددة على أن الهدف الأساسي من أي تطوير لمنظومة الدعم هو تحسين مستوى الخدمة وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

وأوضحت الوزارة أن التحول إلى الدعم النقدي يستهدف منح المواطن حرية أكبر في اختيار السلع والمنتجات التي تتناسب مع احتياجاته الفعلية، بدلاً من التقيد بقائمة محددة من السلع بما يحقق أقصى استفادة ممكنة من قيمة الدعم المخصصة له، وقال الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، إن تطبيق منظومة الدعم النقدي من شأنه إتاحة خيارات أوسع أمام المواطنين للحصول على احتياجاتهم من خلال منافذ متعددة، بما يعزز المنافسة بين منافذ صرف السلع ويسهم في تحسين جودة المنتجات المقدمة للمواطنين، مشيراً إلى أن نجاح منظومة الدعم النقدي يعتمد على وجود قاعدة بيانات دقيقة ومتكاملة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، مع الحفاظ على حقوق الفئات الأكثر احتياجًا وعدم تأثرها بأي إجراءات تطويرية.

وقال الدكتور أحمد كمال المتحدث باسم وزارة التموين أن التحول نحو الدعم النقدي المشروط يهدف إلى تحقيق مرونة وكفاءة أعلى في تلبية احتياجات المواطنين، مشيراً إلى أن المنظومة الجديدة تسعى لتجاوز عيوب الدعم العيني الحالي، مثل وجود سعرين للسلعة الواحدة وما ينتج عنه من "سوق موازي"، مؤكداً أن الفلسفة الجديدة تمنح المواطن القدرة على تحديد أولوياته الاستهلاكية دون وصاية، وقال إن الدعم النقدي لا يعني منح مبالغ مالية "كاش" في يد المواطن، بل هو عبارة عن "محفظة سلعية مالية" داخل البطاقة التموينية، تُقيم فيها السلع بالأسعار الحرّة (أسعار السوق). وتهدف هذه الخطوة إلى منع أي تشوه سعري وضمان وصول الدعم لمستحقيه بأفضل جودة ممكنة، مع دمج منظومات الخبز والسلع التموينية ونقاط الخبز في منظومة واحدة متكاملة.

وأكد "كمال" أن النظام الجديد سيمنح المواطن حرية كاملة في التصرف بمخصصات بطاقته؛ فإذا كان استهلاكه من الخبز أقل، يمكنه توجيه باقي المبلغ لشراء سلع أخرى مثل الزيت، السكر، الأرز، المكرونة، البقوليات (فول وعدس)، الصلصة، أو حتى البروتين في حال توفره. وبذلك، لن تقتصر السلع على أصناف محددة، بل ستتوسع لتشمل كافة احتياجات الأسرة المصرية، مشيرا إلى أن التحول للدعم النقدي لن يؤدي إلى إلغاء المنافذ التموينية، بل ستظل الـ 35 ألف منفذ تمويني، و30 ألف مخبز بلدي، و1200 مجمع استهلاكي، و8000 منفذ لمشروع "جمعيتي" تعمل بكامل طاقتها. كما أشار إلى دراسة إشراك بعض السلاسل التجارية الكبرى لتوسيع خيارات المواطن في صرف مستحقاته.

من جانبه أكد الدكتور فخري الفقي، مساعد مدير صندوق النقد الدولي السابق، أن إجمالي مخصصات الدعم والحماية الاجتماعية المدرجة في الباب الرابع من الموازنة العامة للدولة يبلغ نحو 832 مليار جنيه، موضحًا أن هذه المخصصات تتوزع على عدد من برامج الدعم المباشر وغير المباشر الموجهة للمواطنين، مشيراً إلى أن جزءً من هذه المخصصات يوجه إلى برامج الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها برنامجا "تكافل وكرامة"، إلى جانب مساهمة وزارة المالية في منظومة المعاشات والعلاج على نفقة الدولة، فضلًا عن دعم الكهرباء والمواد البترولية، مشيرا إلى أن دعم رغيف الخبز يستحوذ على نحو 142 مليار جنيه، مؤكدًا أن الدولة ما زالت تتحمل جزءً كبيرًا من تكلفة توفير هذه السلعة الاستراتيجية للمواطنين.

وأوضح الفقى أن أي تطوير محتمل لمنظومة الدعم قد يعتمد على تطبيق نظام الشرائح، بما يضمن توجيه الدعم بصورة أكثر كفاءة للفئات المستحقة، مع استمرار توفير السلع الأساسية من خلال المنافذ المختلفة التابعة لوزارة التموين.

في نفس السياق  كشف النائب أيمن محسب، وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، عن تفاصيل جديدة ومهمة بشأن خطة الدولة للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدى، مؤكداً أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو وصول الدعم لمستحقيه الفعليين والقضاء على التشوهات في المنظومة الحالية، لافتاً إلى أن منظومة الدعم العيني الحالية تعاني من عيوب جوهرية، حيث يستفيد منها جميع المواطنين دون تفرقة بين الغني والفقير، مما أدى إلى تسرب السلع وخلق سوق سوداء، وشدد بشكل قاطع على أن "رغيف الخبز" خارج هذه المنظومة تماماً ولن يتم المساس به، وسوف يستمر تقديمه للمواطنين بنفس آلياته الحالية.

وعن آليات تطبيق الدعم النقدي، أشار وكيل اللجنة الاقتصادية إلى أنه سيتم تقسيم المستحقين إلى 3 شرائح أساسية بناءً على مدى احتياج كل فئة، وأكد أن الشريحة الأقل في هذا التصنيف (الأقل احتياجاً ضمن مستحقي الدعم) ستحصل كحد أدنى على نفس قيمة الدعم التي تتلقاها حالياً، ولن يتم الانتقاص منها، في حين ستشهد الشريحتان الأكثر احتياجاً زيادة في قيمة الدعم النقدي بنسبة تتجاوز 30%، موضحاً أن القيم المالية الدقيقة لكل شريحة لم تُحدد بعد، وما زالت قيد البحث والدراسة الشاملة من قبل رئيس مجلس الوزراء، تمهيداً لتحميلها بشكل دقيق على الموازنة العامة للدولة، مشيراً إلى أن فلسفة الدعم النقدي تقوم على إرساء مبدأ "العدالة" وليس مجرد "المساواة"، موضحاً أنه من غير المنطقي مساواة مواطن يتقاضى 2000 جنيه بآخر يتقاضى 7000 جنيه في قيمة الدعم المقدم، مشيراً إلى أن شبكة الحماية الاجتماعية صُممت لتؤتي ثمارها مع الفئات الأكثر تضرراً واحتياجاً.

ونفى "محسب" ما يتردد حول خروج من يتخطى راتبه الحد الأدنى للأجور من مظلة الدعم، مؤكداً أن أحداً لم يطرح هذا الأمر، وأن الهدف الأسمى للحكومة والبرلمان هو تحسين مستوى معيشة المواطن، ومنحه حرية اختيار السلع التي يحتاجها من خلال وضع قيمة الدعم نقداً في يده.

وأكدت  الدكتورة يمن الحماقي استاذة الاقتصاد، أن التحول من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي يمثل خطوة ضرورية من الناحية الاقتصادية للحد من السلبيات الموجودة في المنظمومة الحالية، منها أنه يجنب الهدر، ويعمل على تحسين إدارة موارد الدولة، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن هذا التحول يواجه مخاوف مشروعة من قِبل المواطنين ترتبط بالقوة الشرائية في ظل التغيرات الجيوسياسية الراهنة وتذبذب أسعار الصرف.

وأوضحت الحماقى لـ "صوت الأمة" إلى أن الميزة الأساسية للدعم العيني تكمن في ضمان حصول المواطن على السلعة مباشرة دون التأثر بتقلبات الأسعار، وهو ما يفتقده الدعم النقدي في حال عدم وجود آليات مرنة لمواجهة التضخم، لافتة إلى أن ربط الدعم بمعدلات التضخم العامة قد لا يكون دقيقاً نظراً لاعتماده على حسابات سنة الأساس، مؤكدة أن الحل الفني الأدق يكمن في تطبيق آلية "المقايسة المرنة" (Indexation)، عبر تتبع أسعار السلع الأساسية المحددة في سلة الدعم بشكل مباشر وزيادة قيمة الدعم النقدي تلقائياً بما يضمن الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن، مشددة على أن النجاح الجوهري للتحول نحو الدعم النقدي لا يرتبط فقط بآليات التنفيذ الفنية، بل بمدى استعداد الدولة لـ "التمكين الاقتصادي للفقراء" وإخراجهم من دائرة العوز، مستشهدة بالتجربة الصينية الناجحة في هذا المجال، محذرة من ضعف الجهود الحالية في ملفات مكافحة الفقر وتمكين المرأة اقتصادياً بجانب ضرورة الاستفادة من منافذ الجهات الحكومية لبيع السلع سواء التموين أو الوزارات الاخرى التي لها منافذ بيع كما هو الخالي مع وزارة الزراعة بحيث يتم توفير السلع والمواد الغذائية للمواطنين بأسعار مناسبة هذا بجانب تشديد الرقابة على الأسواق .

واقترحت الخبيرة تطبيق نظام "الاختيار الحر" بين الدعمين العيني والنقدي في بداية المرحلة الانتقالية لبناء جسور الثقة مع المواطنين. واختتمت بتوجيه عدة تحذيرات للحكومة، أبرزها ضرورة المراقبة المستمرة لقدرة الدعم النقدي على توفير السلع الأساسية، وتوسيع شبكة منافذ التموين والمنافذ المتحركة للاستفادة من قدرة الدولة على الشراء المجمع والحصول على خصومات تضمن استقرار الأسعار في الأسواق.

وأكد اللواء الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر وأستاذ العلوم السياسية، أن ملف الدعم يعد أحد أهم الملفات الاستراتيجية التي توليها الدولة المصرية اهتماما كبيرا في إطار جهودها لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين كفاءة الإنفاق العام، مشيرا إلى أن التوجه نحو التحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي يأتي استجابة للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية ويهدف إلى ضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجا بصورة أكثر كفاءة وشفافية.

وقال فرحات في تصريحات خاصة إن منظومة الدعم العيني لعبت دورا مهما على مدار عقود في توفير السلع الأساسية للمواطنين، إلا أن التطورات التي شهدها المجتمع والاقتصاد المصري أظهرت الحاجة إلى مراجعة آليات الدعم بما يحد من الهدر والتسرب ويضمن الاستفادة الحقيقية للمستحقين، موضحا أن الدعم النقدي يمنح الأسر قدرا أكبر من الحرية في تحديد أولويات الإنفاق وفقًا لاحتياجاتها الفعلية، موضحاً أن نجاح أي تحول في منظومة الدعم يتطلب وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة بصورة مستمرة، تضمن تحديد الفئات المستحقة بشكل عادل، مع توفير آليات رقابية فعالة تمنع أي محاولات للاستغلال أو التلاعب، مؤكدا أن الدولة قطعت شوطا كبيرا في بناء قواعد البيانات الرقمية وربطها بمختلف الجهات الحكومية بما يعزز من كفاءة الاستهداف.

وأشار نائب رئيس حزب المؤتمر إلى أن الحوار المجتمعي حول هذا الملف يمثل عنصرا أساسيا في نجاح عملية التحول، حيث يجب الاستماع إلى آراء الخبراء والاقتصاديين ومؤسسات المجتمع المدني وممثلي الفئات المستفيدة لضمان صياغة نموذج يحقق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات الإصلاح الاقتصادي، موضحاً أن التجارب الدولية أثبتت أن الدعم النقدي المشروط أو المباشر يمكن أن يكون أكثر فاعلية في تحسين مستوى معيشة المواطنين، عندما يقترن ببرامج للحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم، وهو ما تعمل الدولة المصرية على ترسيخه من خلال حزمة واسعة من المبادرات والبرامج الاجتماعية.

وشدد على أن الهدف الأساسي من أي إصلاح لمنظومة الدعم ليس تقليص الدعم أو تحميل المواطنين أعباء إضافية، وإنما تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وضمان توجيهها للفئات الأكثر احتياجًا، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي ودعم جهود التنمية الشاملة لافتا إلى أن الدولة المصرية تمتلك الإرادة السياسية والقدرات المؤسسية اللازمة لإدارة هذا التحول بشكل تدريجي وآمن، بما يحافظ على حقوق المواطنين ويعزز من كفاءة منظومة الحماية الاجتماعية، و نجاح هذا الملف سيكون خطوة مهمة على طريق بناء اقتصاد أكثر قدرة على تحقيق النمو والعدالة في آن واحد.

على الجانب الاخر قال النائب محمد رشوان، عضو لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، إن التوجه نحو التحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي يُعد خطوة مهمة في مسار إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر عدالة وكفاءة، ويحد من أوجه الهدر والتسرب التي قد تشهدها بعض صور الدعم العيني التقليدي، لافتاً إلى أن الدعم النقدي يمنح الأسر المستحقة قدرًا أكبر من المرونة في تحديد أولويات الإنفاق وفق احتياجاتها الفعلية، سواء كانت مرتبطة بالغذاء أو التعليم أو الصحة أو غيرها من المتطلبات الأساسية، بما يعزز من قدرة المواطن على إدارة موارده واتخاذ القرار المناسب لأسرته.

وأكد رشوان أن نجاح منظومة الدعم النقدي يتطلب وجود قواعد بيانات محدثة ودقيقة تضمن استهداف الفئات الأكثر احتياجًا، إلى جانب مراجعة قيمة الدعم بشكل دوري بما يتناسب مع معدلات التضخم وتغيرات الأسعار، حتى يظل الدعم محافظًا على قدرته الشرائية ويحقق أهدافه الاجتماعية والاقتصادية، مشيراً إلى أن الدولة المصرية قطعت شوطًا كبيرًا في تطوير شبكات الحماية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، وأن الانتقال إلى الدعم النقدي يأتي في إطار رؤية أشمل تستهدف تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين كفاءة الإنفاق العام، مع التأكيد على أن المواطن البسيط سيظل في صدارة أولويات الدولة، وأن أي إجراءات إصلاحية يجب أن تنعكس بشكل مباشر على تحسين مستوى معيشته وحمايته من الأعباء الاقتصادية.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة