الإخوان "مؤامرة أسقطتها 30 يونيو".. اللواء فؤاد علام: عداؤهم للدولة تاريخي والاستقرار يفسد عليهم "بزنس الخيانة"
الإثنين، 15 يونيو 2026 09:20 م
مع اقتراب الذكرى الـ 13 لثورة 30 يونيو، يستعيد المصريون واحدة من أهم اللحظات الفارقة في تاريخ دولتهم الحديثة، حين خرجت الملايين إلى الشوارع والميادين معلنة رفضها استمرار حكم جماعة الإخوان، ومتمسكة بفكرة الدولة الوطنية ومؤسساتها في لحظة كانت المنطقة بأكملها تعيش على وقع الفوضى والانقسامات والحروب الأهلية.
فما جرى في 30 يونيو 2013 لم يكن مجرد احتجاج سياسي ضد رئيس أو حكومة، ولم يكن مجرد انتقال للسلطة من فصيل إلى آخر، بل مثّل في نظر كثيرين معركة وجود خاضها المصريون دفاعًا عن الدولة نفسها، في مواجهة مشروع اعتبرته قطاعات واسعة مشروعًا عابرًا للحدود يضع ولاء التنظيم فوق الانتماء الوطني.
وعلى مدار عقود طويلة، نجحت جماعة الإخوان في تقديم نفسها باعتبارها جماعة دعوية إصلاحية تتعرض للملاحقة والاضطهاد، بينما ظل تاريخها السياسي والتنظيمي محل جدل واسع، خاصة فيما يتعلق بظروف تأسيسها الأولى، وعلاقاتها الخارجية، ورؤيتها لمفهوم الدولة الوطنية.
ومع عودة الحديث عن ذكرى 30 يونيو، يعود إلى الواجهة أيضًا ملف نشأة الجماعة، والذي ارتبط في عدد من الدراسات والروايات التاريخية بأدوار بريطانية خلال فترة الاحتلال، وهي الروايات التي استند إليها عدد من الكتاب والباحثين في تفسير الظروف التي أحاطت بتأسيس التنظيم في الإسماعيلية عام 1928.
وتشير تلك الروايات إلى أن سلطات الاحتلال البريطاني كانت تبحث خلال تلك المرحلة عن أدوات جديدة للتأثير داخل المجتمع المصري، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية المصرية تتصاعد بشكل ملحوظ، وفي هذا السياق برز اسم حسن البنا الذي أسس الجماعة في مدينة الإسماعيلية، حيث الوجود البريطاني الكثيف في منطقة قناة السويس.
وتذهب روايات عديدة إلى أن الجماعة حظيت منذ سنواتها الأولى بدعم وفرته البيئة المرتبطة بالاحتلال البريطاني، وأن اختيار الإسماعيلية لم يكن مصادفة، بل جاء في منطقة كانت تخضع لنفوذ مباشر لقوات الاحتلال وشركة قناة السويس، كما تشير هذه الروايات إلى أن أولى دوائر التنظيم تشكلت وسط العمال والفئات البسيطة، وهي الفئات التي اعتبرها مؤسسو الجماعة المدخل الأنسب للتوسع والانتشار.
ومع مرور الوقت، تحولت الجماعة من تنظيم محدود النشاط إلى كيان واسع النفوذ يمتلك أذرعًا تنظيمية وسياسية وإعلامية داخل مصر وخارجها، ونجح في بناء شبكة ممتدة تجاوزت الحدود الوطنية، قبل أن يتمدد نفوذه بصورة أكبر خلال العقود اللاحقة.
ولم تتوقف الأسئلة عند مرحلة التأسيس فقط، بل امتدت إلى طبيعة العلاقة التي ربطت الجماعة ببعض العواصم الغربية، وفي مقدمتها لندن التي تحولت على مدار سنوات طويلة إلى أحد أهم مراكز نشاط التنظيم الدولي، وملاذ لعدد من قياداته البارزة، خاصة بعد سقوط حكم الجماعة في مصر عام 2013.
ويرى مراقبون أن هذه الخلفيات تساعد على فهم جانب من طبيعة المشروع الذي حملته الجماعة، والذي اصطدم لاحقًا بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وهي النقطة التي يركز عليها اللواء فؤاد علام، الخبير الأمني، في قراءته لتاريخ التنظيم.
ويؤكد علام لـ "صوت الأمة" أن الأزمة الحقيقية بين الإخوان والدولة المصرية لم تكن خلافًا سياسيًا مؤقتًا، وإنما تعود إلى طبيعة الفكر الذي قامت عليه الجماعة منذ تأسيسها، مشيرًا إلى أن مفهوم الوطن ظل يمثل إحدى نقاط الخلاف الجوهرية بين التنظيم والدولة الوطنية.
ويقول إن الجماعة نظرت إلى التنظيم باعتباره الأصل، بينما تعاملت مع الوطن باعتباره وسيلة لا غاية، وهو ما انعكس بوضوح في أدبيات عدد من رموزها عبر العقود، ويستشهد في ذلك بعدد من التصريحات والمقولات التي صدرت عن قيادات بارزة داخل الجماعة، والتي أثارت جدلًا واسعًا بشأن مفهوم الانتماء الوطني والولاء للدولة.
ويضيف أن فكرة "أستاذية العالم" التي تبناها مؤسس الجماعة حسن البنا، مثلت أحد المؤشرات على طبيعة المشروع الذي يتجاوز حدود الدولة الوطنية، كما أن العديد من التصريحات اللاحقة لرموز الجماعة عكست رؤية مشابهة تقوم على تغليب الانتماء التنظيمي على الانتماء الوطني.
ومن هذا المنطلق، يرى علام أن الهجوم المستمر الذي تشنه الجماعة على الدولة المصرية بعد سقوطها من الحكم ليس أمرًا مفاجئًا، بل يعكس استمرار الصدام بين مشروع التنظيم ومفهوم الدولة الوطنية المستقرة.
وجاءت أحداث عام 2013 لتشكل نقطة التحول الكبرى في هذه المواجهة، ففي الوقت الذي كانت فيه دول عربية عدة تنزلق إلى الفوضى والصراعات المسلحة، خرج ملايين المصريين في مشهد غير مسبوق رافضين استمرار حكم الجماعة، ومؤكدين تمسكهم بالدولة ومؤسساتها.
وكانت المنطقة آنذاك تشهد انهيارات متتالية في عدد من الدول التي تراجعت فيها سلطة المؤسسات الوطنية لصالح جماعات وتنظيمات مسلحة أو مؤدلجة، وهو ما عزز المخاوف داخل الشارع المصري من تكرار السيناريو ذاته.
وبالنسبة لكثير من المصريين، لم تكن 30 يونيو مجرد ثورة على أداء سياسي أو اقتصادي، وإنما كانت رفضًا لمسار كامل رأوا أنه يهدد هوية الدولة ووحدة مؤسساتها ومستقبلها.
واليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك الأحداث، تبدو المقارنة واضحة بين دول اختارت طريق الجماعات والتنظيمات، وأخرى تمسكت بمؤسسات الدولة الوطنية، فبينما لا تزال دول عدة تعاني من أزمات ممتدة وصراعات داخلية وتدخلات خارجية، تمكنت مصر من الحفاظ على تماسك مؤسساتها واستقرارها النسبي رغم التحديات الإقليمية والدولية الكبيرة.
ويختتم اللواء فؤاد علام قراءته للمشهد بالتأكيد على أن التنظيم خسر للمرة الأولى أهم رصيد اعتمد عليه طوال عقود، وهو الرصيد الشعبي، معتبرًا أن ما تشهده الساحة من هجمات متواصلة ضد الدولة المصرية يعكس محاولة من الجماعة لتعويض هذه الخسارة بعد أن لفظها الشارع المصري.
وفي ذكرى 30 يونيو، تبقى الحقيقة الأبرز أن المصريين لم يخرجوا فقط لإسقاط حكم استمر عامًا واحدًا، وإنما خرجوا دفاعًا عن فكرة الدولة نفسها، ليكتبوا واحدة من أهم المحطات في تاريخهم المعاصر، ويؤكدوا أن الأوطان تُبنى بالمؤسسات والإرادة الشعبية، لا بولاءات التنظيمات العابرة للحدود.