صدمة 30 يونيو من قصر الاتحادية إلى صراع البقاء.. رحلة السقوط الأكبر في تاريخ الإخوان
الأربعاء، 17 يونيو 2026 01:18 م
محمد الشرقاوي
- فككت بيت المرشد من الداخل وقضت على "عالمية البنا"
13- عامًا على الثورة التي كسرت حلم التمكين وأدخلت التنظيم في دوامة الانقسام والتفكك
- زلزال القاهرة أعاد تشكيل خريطة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط.. وفتح الباب لتعقب التنظيم دوليًا وإقليميًا
في لحظةٍ بدت فيها جماعة الإخوان الإرهابية أقرب ما تكون إلى ذروة الحلم الذي راكمته لعقود، جاءت ثورة 30 يونيو 2013 لتقلب المشهد رأسًا على عقب، وتضع التنظيم أمام الحقيقة الأكثر قسوة في تاريخه الحديث: أن الوصول إلى السلطة لا يعني بالضرورة امتلاك شرعية الاستمرار فيها.
ولم تكن تلك اللحظة مجرد احتجاجات عابرة ضد أداء حكمٍ فشل في إدارة الدولة، بل كانت نقطة فاصلة أعادت تعريف موقع الجماعة داخل مصر، وأعادت فتح السؤال القديم حول طبيعة مشروعها وحدود قدرته على التمدد والهيمنة.
فبعد سنوات من العمل التنظيمي والسياسي، وجدت الجماعة نفسها أمام ثورة شعبية واسعة وضعت مشروعها برمته تحت الاختبار، وكشفت عجزه عن التحول إلى نموذج حكم قادر على استيعاب تعقيدات الدولة المصرية وتطلعات المجتمع بمختلف مكوناته.
وفي الوقت الذي كانت فيه الجماعة تنظر إلى وصولها للحكم باعتباره تتويجًا لمسار طويل من السعي نحو التمكين، جاءت الثورة الشعبية لتبدد تلك الحسابات، وتفتح مرحلة جديدة لم تعد فيها الجماعة طرفًا مهيمنًا على المشهد، بل تنظيمًا يواجه تحديات متصاعدة تمس بنيته الداخلية وقدرته على الاستمرار.
فالتداعيات لم تتوقف عند حدود خروج الإخوان من السلطة، وإنما امتدت إلى البنية التنظيمية للجماعة وشبكاتها المالية وأدواتها الإعلامية وقدرتها على الحشد والتأثير، لتدخل مرحلة عنوانها الأبرز البحث عن البقاء بعد أن كانت تراهن على التوسع وتعزيز النفوذ.
أما خارج الحدود المصرية، فقد حملت ثورة 30 يونيو تداعيات لا تقل أهمية. إذ انعكست نتائجها على وضع الجماعة في الإقليم والعالم، وأعادت العديد من الدول النظر في علاقتها بالتنظيم وفروعه، كما تراجعت المكانة التي سعت الجماعة إلى ترسيخها باعتبارها نموذجًا سياسيًا صاعدًا في المنطقة.
ومع مرور السنوات، لم تعد الثورة تُقرأ باعتبارها حدثًا محليًا أنهى عامًا من حكم الإخوان فحسب، بل باعتبارها محطة مفصلية أعادت تشكيل مستقبل الجماعة وأثرت بصورة مباشرة على حضورها الإقليمي والدولي.
ومن هنا، لم تعد أزمة الإخوان منذ 30 يونيو مرتبطة بخسارة السلطة فقط، بل بتحول استراتيجي أوسع أفقد الجماعة جانبًا كبيرًا من أدوات قوتها التنظيمية والسياسية والإعلامية، ودفعها من موقع الساعي إلى التمكين والتمدد إلى موقع المنشغل بإدارة أزماته والدفاع عن بقائه.
سقوط مشروع التمكين
لم تكن فكرة «التمكين» في أدبيات جماعة الإخوان الإرهابية مجرد شعار تنظيمي أو هدف سياسي مرحلي، بل مثلت جوهر المشروع الذي سعت الجماعة إلى تحقيقه منذ تأسيسها.
وعلى مدار عقود، عمل التنظيم على بناء شبكات نفوذ اجتماعية وسياسية واقتصادية، واضعًا نصب عينيه الوصول إلى السلطة باعتبارها الحلقة الأخيرة في مسار طويل من التغلغل داخل المجتمع ومؤسسات الدولة؛ ولذلك لم تنظر الجماعة إلى وصولها للحكم بعد أحداث 2011 باعتباره انتصارًا انتخابيًا عاديًا، بل اعتبرته لحظة تاريخية طال انتظارها، وبداية مرحلة جديدة تتيح لها الانتقال من موقع السعي إلى النفوذ إلى موقع السيطرة على مفاصل الدولة وإعادة تشكيلها وفق رؤيتها الخاصة.
وتعاملت الجماعة مع تلك اللحظة باعتبارها فرصة غير مسبوقة لترسيخ مشروعها التنظيمي داخل مؤسسات الدولة، فبدلًا من توظيف السلطة لبناء توافق وطني واسع يراعي طبيعة المرحلة الانتقالية وتعقيدات المشهد المصري، اتجهت إلى تعزيز حضورها داخل مراكز صنع القرار، في خطوة رأت فيها قوى سياسية ومجتمعية عديدة محاولة واضحة لـ«أخونة الدولة» وتغليب الولاء التنظيمي على الكفاءة ومقتضيات الدولة الوطنية.
ومع مرور الوقت، اتسعت المخاوف من أن الجماعة لا تتعامل مع الدولة باعتبارها إطارًا جامعًا لجميع المواطنين، وإنما باعتبارها أداة يمكن توظيفها لخدمة مشروعها الخاص وتعزيز نفوذها طويل المدى، وهنا بدأت الفجوة تتسع بين الخطاب الذي رفعته الجماعة خلال سنوات المعارضة، والواقع الذي فرضته ممارساتها أثناء وجودها في الحكم.، فالتنظيم الذي قدم نفسه باعتباره حاملًا لمشروع إصلاحي شامل، وجد نفسه عاجزًا عن إدارة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية المتراكمة، فيما تصاعدت الاتهامات له بمحاولة احتكار القرار السياسي وإقصاء خصومه من المشهد العام.
ولم يعد الجدل يدور فقط حول كفاءة الحكومة أو أداء المؤسسات، بل حول طبيعة المشروع نفسه وما إذا كان يستهدف بناء دولة لجميع المصريين أم تمكين تنظيم بعينه من السيطرة على المجال العام.
وجاءت ثورة 30 يونيو لتشكل لحظة المواجهة الحاسمة بين هذا المشروع وبين قطاعات واسعة من المجتمع المصري، فالملايين التي خرجت إلى الشوارع لم تكن تعبر فقط عن غضب من أداء حكومة أو رفض لسياسات معينة، بل كانت تعلن رفضها للمسار الذي سعت الجماعة إلى فرضه على الدولة المصرية.
ومن هذه الزاوية، مثلت الثورة ضربة مباشرة لمشروع التمكين الذي طالما اعتبرته الجماعة غايتها الكبرى، فخلال أيام قليلة انهارت الحسابات التي بُنيت على مدار سنوات، وسقط الرهان على أن السيطرة على السلطة كفيلة بضمان استمرار المشروع وتحصينه ضد الرفض الشعبي.
وكانت الضربة الأشد وقعًا أن سقوط الحكم ترافق مع انهيار السردية التي روّجت لها الجماعة الإرهابية طويلًا باعتبارها الممثل الأصدق للإرادة الشعبية، فقد أظهرت ثورة 30 يونيو أن شرعية التنظيم لا يمكن أن تعلو على شرعية الدولة، وأن الصندوق الانتخابي لا يمنح أي فصيل حق احتكار المجال السياسي أو إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق مصالحه الخاصة، وبذلك لم تخسر الجماعة السلطة فقط، بل خسرت أيضًا الرواية التي استندت إليها لتبرير مشروعها السياسي أمام أنصارها والرأي العام.
ومع انتقالها من موقع الحكم إلى موقع المواجهة مع الدولة، دخلت الجماعة مرحلة جديدة اتسمت بالارتباك وفقدان التوازن، فالتنظيم الذي اعتاد الحديث عن التوسع والتمكين وجد نفسه منشغلًا بالدفاع عن بقائه، بينما تحولت قياداته من إدارة شؤون الحكم إلى إدارة الأزمات المتلاحقة التي ضربت بنيته التنظيمية والسياسية، وهي تحولات تركت آثارًا نفسية ومعنوية عميقة داخل صفوف الجماعة، إذ بدا واضحًا أن المشروع الذي قُدم لعقود باعتباره مسارًا حتميًا نحو السلطة تعرض لانتكاسة غير مسبوقة.
ولهذا فإن ثورة 30 يونيو لم تُسقط حكم الإخوان فحسب، بل وجهت ضربة مباشرة إلى الأساس الفكري والسياسي الذي قامت عليه الجماعة لعقود، فمع انهيار مشروع التمكين، فقد التنظيم الركيزة التي استند إليها في تعبئة أعضائه وتبرير تمدده داخل المجتمع، لتتحول لحظة الصعود التي اعتبرها بداية عصر النفوذ إلى نقطة انكسار كشفت حدود المشروع وأدخلته في واحدة من أعقد أزماته التاريخية.
ثورة 30 يونيو وانهيار بيت العنكبوت
إن ما تلا ثورة 30 يونيو كان أشد قسوة على بنيتها الداخلية والتي لطالما ادعت تماسكها كـ"البنيان المرصوص" وكيان شديد الانضباط، قائمًا على السمع والطاعة وتدرج المسؤوليات، انهارت بانهيار شبكة القيادة التي كانت تمنحها قدرته على البقاء والعمل في ظروف شديدة التعقيد، فقد وجدت نفسها أمام واقع مؤلم ضرب هرمها القيادي، وشتت خطوط الاتصال، وأفقدها القدرة على إدارة نفسها بالآليات التي اعتادت عليها لعقود.
وجاءت الضربة الأولى بتفكيك الطبقة القيادية الأكثر تأثيرًا، وأسفرت التطورات السياسية والأمنية اللاحقة على 30 يونيو عن توقيف أبرز رموز الجماعة ورجالاتها، بينما اختار آخرون المغادرة إلى الخارج، حيث تشكلت لاحقًا عواصم بديلة لإدارة النشاط الإعلامي والتنظيمي، وهو توزع لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل كان بداية لانقطاع في سلسلة القرار نفسها.
فالتنظيم الذي كان يعتمد على مركزية صارمة وجد أن جزءًا من قيادته أصبح داخل السجون، وجزءًا آخر خارج البلاد، وجزءًا ثالثًا يعمل في الداخل تحت ضغط شديد، ما خلق حالة من التشظي لم تعد معها القيادة قادرة على فرض إيقاع واحد على القواعد.
ومن هذه اللحظة بدأت مراكز قرار متنافسة في الظهور، فلم يعد هناك صوت واحد يحدد الاتجاه أو يملك القدرة على ضبط الإيقاع التنظيمي، بل تشكلت في الخارج دوائر تحاول الإمساك بخيوط المشهد عبر الإعلام والبيانات والتواصل مع العواصم الدولية، بينما بقيت في الداخل خلايا ودوائر أقل قدرة على الحركة، لكنها أكثر التصاقًا بالواقع الأمني والسياسي المصري.
وبالتالي أدخل هذا الانقسام في مركز الثقل الجماعة الإرهابية في حالة ازدواجية واضحة: قرارات تصدر من الخارج لا تجد دائمًا قبولًا في الداخل، ومواقف ميدانية في الداخل لا تحظى في أحيان كثيرة بتفهم القيادات المقيمة بالخارج. وهكذا تحوّل التنظيم من بنية هرمية إلى ساحة تنازع بين دوائر متعددة تتحدث باسمه وتزعم امتلاك الشرعية التنظيمية.
ومع استمرارية روح 30 يونيو 2013 في الشارع المصري، تعمقت أزمة الجماعة أكثر، وتحديدًا مع تصاعد الخلاف بين جناح الداخل وجناح الخارج، فالأول كان يواجه "كلفة المواجهة" المباشرة داخل مصر، بكل ما تحمله من تضييق أمني وتراجع في هامش الحركة ورفض من الشارع النصري، بينما كان الثاني يتحرك من بيئات أكثر أمانًا، لكنه لم يكن دائمًا على تماس مباشر مع تعقيدات الداخل.
ومع مرور الوقت، بدأ كل طرف يحمّل الآخر جزءًا من مسؤولية الانهيار: الداخل اتهم الخارج بالمبالغة في الخطاب وتغذية التصعيد، والخارج رأى أن الداخل لم يعد قادرًا على إنتاج مبادرات أو الحفاظ على حضور تنظيمي فعّال، وبالتالي كان هذا التلاوم علامة على فقدان المرجعية المشتركة التي كانت تضبط الجماعة في السابق.
وعلى خط موازٍ، تفجّر صراع أجيال داخل التنظيم، فالأجيال الشابة، التي دخلت التجربة في أجواء ما بعد يناير واعتقدت أن الصعود السياسي ممكن وسريع، بدأت تسائل القيادات التاريخية عن جدوى الإرث التنظيمي القديم، وعن كلفة التردد والجمود وغياب المراجعة، وفي المقابل، تمسكت القيادات الأقدم بخطابها التقليدي، معتبرة أن الأزمة لا تعني بالضرورة تبديل قواعد التنظيم أو تفكيك مرجعيته، لكن هذه المواجهة بين من يريد استعادة الجماعة عبر مراجعة جذرية، ومن يصر على الحفاظ على البنية القديمة، زادت المشهد تعقيدًا، وخلقت صراعًا داخليًا على المعنى قبل أن يكون صراعًا على المواقع.
ولم تفلح محاولات إعادة بناء قيادة موحدة في تجاوز هذه الهوة، فكل مشروع لترتيب الصفوف اصطدم بعقبة أساسية: غياب الثقة المتبادلة وتعدد الرؤى حول معنى الهزيمة نفسها، وهنا برزت مجموعة من الأسئلة داخل التنظيم: هل كانت ثورة 30 يونيو مجرد انتكاسة مؤقتة؟ أم سقوطًا استراتيجيًا يتطلب مراجعة شاملة؟ هل الحل في إعادة إنتاج الهرم التنظيمي القديم أم في البحث عن صيغة جديدة أكثر مرونة؟
وهكذا، لم تكن صدمة الإخوان بعد 30 يونيو مجرد ارتباك عابر، بل تفككًا فعليًا في آلية القرار وفي تماسك الصف. فقدت الجماعة ما كان يشكل قوتها الأبرز تاريخيًا: القدرة على الانضباط، ووضوح السلسلة القيادية، وسرعة نقل التعليمات، ووحدة التوجه.
تجفيف الموارد وانهيار الأدوات
جاءت الضربة التالية لجماعة الإخوان الإرهابية من المكان الذي طالما اعتبرته الجماعة إحدى أدوات بقائها الأكثر فاعلية: شبكة المال والإعلام والواجهات الاجتماعية، فالتنظيم لم يعتمد يومًا على السياسة وحدها، بل بنى نفوذه عبر منظومة متشابكة من الجمعيات الخيرية، والمؤسسات الطبية والتعليمية، والتمويل غير المباشر، ثم دعم ذلك بذراع إعلامية قادرة على توسيع حضورها وصناعة روايتها، لكن بعد 2013 بدأ هذا البناء يتداعى ويتفكك تدريجيًا.
على مستوى الموارد المالية، شكّل قرار القضاء في سبتمبر 2013 بحظر الجماعة ومصادرة أصولها نقطة انعطاف حاسمة؛ إذ لم يكن القرار مجرد إجراء قانوني، بل كان استهدافًا مباشرًا لشبكة النفوذ الاقتصادي التي راكمتها الجماعة لعقود، وامتدّ هذا المسار إلى تفكيك الجمعيات الخيرية والكيانات المرتبطة بالجماعة، وإغلاق مئات من منظمات المجتمع المدني ذات الصلة بها، وهو ما تسبب في إصابة القاعدة الاجتماعية للجماعة، فقد كان المال بمثابة إعادة إنتاج للنفوذ داخل الأحياء والقطاعات الخدمية.
وفي 2021، أحبطت الأجهزة الأمنية مخططًا لتمويل الجماعة عبر شركات تابعة لرجل الأعمال المسجون صفوان ثابت، مالك «جهينة»، في إشارة إلى أن ملف التمويل ظل حاضرًا كأحد مسارات المواجهة مع التنظيم حتى بعد سنوات من سقوط حكمه بسبب ثورة 30 يونيو.
ومع تضييق الخناق على الشبكات المالية داخل مصر، بدأت الجماعة تخسر أيضًا ما كان يمنحها الحضور الجماهيري الأكثر تماسًا مع المجتمع: المؤسسات الخدمية والواجهات الاقتصادية، فالمعركة لم تتوقف عند تجميد الأموال، بل امتدت إلى الحد من قدرة الجماعة على تشغيل مدارس خاصة، ومراكز صحية، ومؤسسات خيرية كانت تعمل لسنوات كقنوات نفوذ ناعمة ومجالات تجنيد اجتماعي.
وفي هذه المرحلة لم تعد الجماعة الإرهابية قادرة على استخدام “الخدمة” كمدخل للولاء، ولا على تحويل النشاط الأهلي إلى رافعة سياسية، وهو ما جعل تأثيرها في البيئة الشعبية أكثر هشاشة وأقل اتساعًا مما كان قبل 2013.
وفي موازاة ذلك، تلقّت الجماعة ضربة موجعة على مستوى الإعلام. فبعد ساعات من سقوط حكمها، أغلقت السلطات المصرية قنوات وصحفًا تابعة للتنظيم، من بينها قناة «مصر 25»، لتفقد الجماعة إحدى أهم منصاتها الدعائية التي استخدمتها في التحريض وحشد أنصارها وبذلك انتقلت من موقع التأثير المباشر في المجال الإعلامي إلى محاولة البحث عن بدائل خارج الحدود المصرية.
ولتعويض هذه الخسارة، اتجهت الجماعة إلى تأسيس منصات إعلامية جديدة في الخارج، كان أبرزها قنوات «الشرق» و«مكملين» و«وطن»، التي تحولت خلال السنوات الأولى بعد 2013 إلى أدوات رئيسية في خطاب التنظيم السياسي والإعلامي، إلا أن هذه المنصات ظلت مرتبطة بالبيئة السياسية للدول المستضيفة، ما جعل قدرتها على الحركة مرهونة بالتحولات الإقليمية وحسابات تلك الدول، لكن مع تطور العلاقات بين مصر وعدد من القوى الإقليمية، واجهت هذه القنوات قيودًا متزايدة، واضطرت إلى تقليص نشاطها أو تعديل خطابها أو الانتقال تدريجيًا نحو العمل الرقمي بعد فقدان جزء من حضورها وتأثيرها السابق.
ولم تقتصر تداعيات ثورة 30 يونيو على الجانب الإعلامي فقط، بل امتدت إلى شبكات التمويل والدعم التي اعتمدت عليها الجماعة في إدارة أنشطتها داخل مصر وخارجها، فمع ملاحقة مصادر التمويل وتعقب الكيانات الاقتصادية المرتبطة بالتنظيم، تراجعت قدرته على توفير الموارد اللازمة للحفاظ على مستوى النشاط الذي اعتاد عليه خلال سنوات الصعود.
كما أسهمت التحولات الإقليمية في تقليص المساحات السياسية التي تحركت من خلالها الجماعة بعد 2013، ما أدى إلى انكماش شبكة علاقاتها ونفوذها في عدد من الساحات التي كانت تمثل عمقًا داعمًا لها.
وهكذا وجدت الجماعة نفسها أمام واقع مختلف تمامًا عن ذلك الذي عرفته قبل 30 يونيو؛ فبعدما امتلكت المال والمنبر وشبكات النفوذ التي ساعدتها على التوسع والحشد، أصبحت منشغلة بالحفاظ على ما تبقى من أدواتها. ومع تراجع الموارد المالية، وتضييق الخناق على المؤسسات المرتبطة بها، وانحسار حضورها الإعلامي في الداخل والخارج، فقد التنظيم تدريجيًا جزءًا مهمًا من قدرته على التأثير والتعبئة.
ومن ثم لم تمثل 30 يونيو مجرد نهاية لوجود الإخوان في السلطة، بل شكلت بداية مسار طويل أدى إلى تفكيك منظومة النفوذ التي اعتمدت عليها الجماعة لعقود في توسيع حضورها السياسي والمجتمعي.
30 يونيو والسقوط الكبير
امتدت تداعيات 30 يونيو سريعًا إلى المجال الإقليمي كله، حيث كانت التجربة المصرية تمثل بالنسبة لكثير من القوى والتنظيمات والتيارات المرتبطة بالإسلام السياسي نموذجًا بالغ الرمزية، فمصر لم تكن مجرد ساحة سياسية كبرى، بل كانت المركز الأهم في العالم العربي، ولذلك فإن ما جرى فيها لم يُقرأ بوصفه حدثًا داخليًا، وإنما باعتباره مؤشرًا على اتجاه أوسع بدأت معه موجة الإسلام السياسي تفقد زخمها بعد سنوات من التقدم السريع والتوسع الاستثنائي.
ومع سقوط الجماعة الإرهابية في القاهرة، اهتزت الصورة التي حاولت تقديم نفسها من خلالها باعتبارها رأس الحربة في مشروع “التمكين” الإقليمي، وهي لحظة مثلت صدمة واضحة في عدد من العواصم العربية التي راقبت التجربة المصرية عن قرب، فبعد أن كانت الجماعة تروج لنفسها باعتبارها قوة صاعدة يمكن أن تعيد تشكيل المجال السياسي في المنطقة، تحولت إلى نموذج تحذيري يثير المخاوف أكثر مما يبعث على الطمأنينة.
ومع اتساع الرفض الشعبي لوجودها في الحكم داخل مصر، بدأت دول عديدة تعيد النظر في طبيعة علاقتها بالجماعة وفروعها وشبكاتها السياسية والإعلامية، ولم يعد يُنظر إلى الإخوان باعتبارها مجرد فاعل حزبي أو تيار دعوي، بل كتنظيم عابر للحدود يحمل مشروعًا أيديولوجيًا متطرفًا يهدد استقرار الدولة الوطنية ويستثمر في هشاشتها لتوسيع نفوذه.
وانعكس هذا التحول مباشرة على حضور الجماعة في المنطقة. ففي عدد من الساحات التي حاولت الإخوان التمدد داخلها بعد 2011، تراجعت قدرتها على التأثير بفعل تغير المزاج السياسي العام، وصعود مقاربات أكثر تشددًا تجاه التنظيمات العابرة للحدود.
ومع مرور الوقت، لم تعد الجماعة قادرة على التحرك بالسهولة نفسها التي عرفتها في سنوات الصعود، إذ جرى التضييق على حضورها التنظيمي والإعلامي، وتقلصت المساحات المتاحة لها في أكثر من بلد، وهنا لم تعد المشكلة في خسارة حكمٍ في مصر بفعل 30 يونيو، بل في أن التجربة المصرية نفسها قلبت المعادلة الإقليمية، وأعادت ترسيم الحدود الفاصلة بين الدولة والتنظيم، وبين الشرعية الوطنية والمشروع الأيديولوجي العابر للحدود.
وفي هذا السياق، انتقلت الجماعة الإرهابية من مرحلة التوسع إلى مرحلة الدفاع عن البقاء، فقد تراجع الرهان على إعادة إنتاج النموذج المصري في ساحات أخرى، وأصبحت الأولوية لدى التنظيم هي الحفاظ على ما تبقى من مراكزه ومنابره وعلاقاته، فبدلًا من أن تتحرك الإخوان بوصفها قوة توسعية تتطلع إلى استعادة موقعها في المنطقة، باتت تتحرك بوصفها تنظيمًا مضغوطًا يسعى إلى ترميم ما تصدع من شبكته الإقليمية، والبحث عن بيئات أكثر تسامحًا تتيح له الاستمرار ولو بأقل قدر من التأثير.
وعلى المستوى الدولي، فقد كان أثر 30 يونيو واضحًا في تغير نظرة دوائر سياسية وإعلامية غربية للجماعة، فبعد أن جرى لفترة النظر إلى جماعة الإخوان باعتبارها نموذجًا “إسلامًا سياسيًا معتدلًا” يمكن التعامل معه في إطار التحول الديمقراطي، جاءت التجربة المصرية لتعيد طرح السؤال الأصعب: هل كانت الجماعة أصلًا مؤهلة للحكم، أم أنها كانت توظف اللغة الديمقراطية للوصول إلى السلطة ثم إعادة تشكيل الدولة بما يخدم مشروعها؟
ومع تعثر التجربة، وتزايد الانتقادات لسلوك الجماعة داخل الحكم، لم تعد صورة الإخوان في الخارج كما كانت قبيل 2013، بل إن كثيرًا من المقاربات التي رأت فيها بديلًا سياسيًا واعدًا بدأت تتراجع أمام قراءة أكثر حذرًا لخطابها وسلوكها التنظيمي.
وتفاقم هذا التحول مع استمرار الانقسامات الداخلية داخل الجماعة، ما جعل قدرتها على تقديم نفسها كتنظيم متماسك أو صاحب رؤية مستقبلية تبدو أكثر هشاشة، فالانقسام لم يعد شأنًا تنظيميًا داخليًا فقط، بل صار عنصرًا مؤثرًا في صورة الجماعة الخارجية نفسها، إذ يصعب على أي طرف دولي أن يتعامل مع كيان منقسم على ذاته، متنازع على قيادته، ومفتقد لتصور واضح عن مستقبله.
كما أن أزمة التجديد الفكري والتنظيمي بقيت بلا حل، فالجماعة لم تقدم مراجعة حقيقية لمشروعها بعد الصدمة، ولم تنجح في إنتاج خطاب جديد يبرر استمرارها أو يعيد تعريف موقعها في المشهد السياسي، لذلك بقيت أسيرة سردياتها، بينما كان العالم من حولها يتغير ويتجه إلى مقاربة أكثر صرامة تجاه التنظيمات الأيديولوجية المغلقة.
وهكذا أصبحت 30 يونيو نقطة تحول إقليمية ودولية في آن واحد، فهي لم تُسقط حكم جماعة الإخوان في مصر فقط، بل ساهمت في تراجع موجة الإسلام السياسي التي حاولت استثمار مرحلة ما بعد 2011، وأعادت رسم مكانة الجماعة في المنطقة والعالم.
ومع انحسار النفوذ، وتراجع الحضور، وتغير النظرة الخارجية، دخلت الجماعة الإرهابية مرحلة جديدة لم تعد فيها طرفًا صاعدًا، بل كيانًا يواجه أزمة ممتدة في الشرعية والقدرة والتأثير، وهي أزمة ما زالت تلقي بظلالها على مستقبلها حتى اليوم.