قلب القاهرة يتنفس حياة.. مدينة الألف مئذنة تتحول إلى متحف مفتوح يضم شبكة مترابطة من المعالم التاريخية والمباني التراثية

الأربعاء، 17 يونيو 2026 02:54 م
قلب القاهرة يتنفس حياة..  مدينة الألف مئذنة تتحول إلى متحف مفتوح يضم شبكة مترابطة من المعالم التاريخية والمباني التراثية
محمد فزاع

 

شارع الفن والأنشطة الثقافية تعيد الحياة إلى الفضاءات العامة وتعزز القوة الناعمة للعاصمة

اهتمام رئاسي ومتابعة مستمرة وتوجيهات للحفاظ على التراث وتحويل «القاهرة التاريخية» إلى مقصد عالمي

حلول مبتكرة للحركة المرورية وتوسيع مناطق المشاة.. مشروعات التطوير تدعم الاستثمار وترفع جاذبية العاصمة للسياح

 

لم تعد مشروعات التطوير الشاملة التي تشهدها مناطق القاهرة التاريخية والخديوية، مجرد أعمال إنشائية تقليدية أو ترميمات تجميلية عابرة، بل تحولت في جوهرها إلى مشروع قومي متكامل لإعادة الروح إلى قلب العاصمة المصرية.

تستهدف هذه الجهود استعادة ملامح مدينة طالما شكلت الذاكرة الجمعية للمصريين، ومثلت واجهة حضارية وثقافية للمنطقة بأكملها على مدار قرون طويلة، فبين مبانٍ تراثية استعادت بريقها الأصيل، وشوارع تاريخية تحولت إلى مسارات ثقافية نابضة بالفن والإبداع، ومحاور مرورية حديثة أنهت عقوداً من التكدس المرورى والعشوائية، تبدو القاهرة اليوم وكأنها تعيد اكتشاف هويتها من جديد، واقِفةً على خط التماس بين عراقة الماضي وآفاق المستقبل.

ويحظى ملف إحياء القاهرة التاريخية باهتمام مباشر من القيادة السياسية، حيث شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماع عقده مؤخراً على ضرورة إعطاء هذا المشروع أولوية قصوى، مع حصر وتطوير جميع المباني والمنشآت ذات القيمة التاريخية والتراثية وفق أعلى المعايير، بما يعزز مكانة المنطقة كمقصد سياحي عالمي ومزار حضاري يعكس ثراء وتنوع التاريخ المصري.

وفي السياق نفسه، تواصل الحكومة تنفيذ خطة متكاملة لإعادة إحياء قلب القاهرة، تشمل تطوير المناطق التاريخية ورفع كفاءة المباني والفراغات العامة وتحسين المشهد العمراني، بما يحافظ على الطابع المعماري الفريد للمدينة ويعيد تقديمه للأجيال الجديدة بصورة تليق بقيمته التاريخية.

وتؤكد الحكومة أن أعمال التطوير تسير بوتيرة متسارعة، خاصة في منطقة وسط البلد التي تشهد مشروعاً واسعاً لتحسين الصورة البصرية ورفع كفاءة الشوارع والواجهات والمباني التراثية.

وجاءت الجولات الميدانية المكثفة للدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال الفترة الأخيرة، لتكشف عن حجم التحول الجذري الذي تعيشه العاصمة، وتأتي هذه الخطوات في إطار خطة الدولة الاستراتيجية لإحياء المناطق التاريخية والحفاظ على طابعها المعماري الفريد، بالتوازي مع الارتقاء بجودة الحياة والخدمات المقدمة للمواطنين وتنشيط حركة السياحة الثقافية، فمن قصر التحرير وميدان الأوبرا، إلى شارع الشريفين وشارع المعز، مروراً بمناطق السيدة عائشة والسيدة نفيسة، تبدو ملامح "القاهرة الجديدة بروحها القديمة الأصيلة" حاضرة بوضوح في كل تفصيلة عمرانية.

ووفقاً لتصريحات المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، فقد تم الانتهاء من ثلاث مراحل رئيسية من المشروع، بينما يجري العمل حالياً على المرحلة الرابعة والأخيرة الممتدة من ميدان طلعت حرب حتى شارع 26 يوليو مروراً بشارع طلعت حرب، على أن يتم الانتهاء منها قبل نهاية عام 2026، بما يسهم في تحويل المنطقة إلى مركز ثقافي وسياحي أكثر جذباً للسكان والزائرين.

كما تدرس الدولة مجموعة من الحلول المبتكرة لإدارة الحركة المرورية داخل المناطق التاريخية، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على الطابع التراثي وتحسين جودة الحياة، ومن بينها إعادة تنظيم حركة المركبات والتوسع في المسارات المخصصة للمشاة في بعض المناطق ذات الكثافة السياحية والثقافية.

وتستهدف هذه الجهود تحويل "قلب القاهرة" إلى متحف مفتوح يضم شبكة مترابطة من المعالم التاريخية والمباني التراثية والأنشطة الثقافية والفنية، بما يعزز من قدرة العاصمة على جذب مزيد من السائحين من مختلف أنحاء العالم.

 

القاهرة الخديوية.. ترميم ذاكرة "باريس الشرق"

في مواجهة ميدان التحرير، شهد قصر التحرير "المعروف بمبنى وزارة الخارجية القديم" أعمال تطوير وترميم واسعة النطاق لاستعادة رونقه الأثري، وشملت هذه الأعمال الدقيقة ترميم الواجهات الخارجية والزخارف الأصلية والعناصر المعمارية الهندسية، إلى جانب تطوير الحدائق والموقع العام المحيط بالمبنى لإبراز قيمته الاستثنائية.

يعود تاريخ إنشاء هذا القصر المنيف إلى عام 1907، حيث شُيّد في البداية ليكون مقر إقامة للأميرة نعمة الله توفيق، ابنة الخديوي توفيق، والتي عُرفت بزهدها وبساطتها؛ إذ انتقلت لاحقاً للعيش في مبنى أصغر مجاور، وصمم القصر المعماري الإيطالي الشهير أنطونيو لاشياك، أحد أبرز مهندسي القصور الملكية في تلك الحقبة، والذي نجح في المزج العبقري بين الطراز الأوروبي الكلاسيكي الحديث (Neo-Classical) واللمسات الشرقية الغنية.

في عام 1930، أهدي القصر إلى وزارة الخارجية المصرية، ليصبح مقراً رسمياً لها لعقود طويلة، محتضناً كواليس السياسة الخارجية ومستقبلاً الوفود والشخصيات الدولية البارزة، مما يجعله مؤهلاً بقوة ليكون متحفاً يوثق تاريخ الدبلوماسية المصرية.

جرى تقسيم أعمال الترميم إلى مرحلتين؛ ركزت الأولى على الواجهات المطلة على مبنى جامعة الدول العربية وفندق سميراميس بنسبة إنجاز بلغت 95%، بينما ركزت الثانية على الواجهة الرئيسية المطلة على الميدان.

وتضمن المشروع تنظيف وترميم أعمال الموزاييك، والزخارف الجبسية، والعناصر الرخامية، مع استخدام خامات أثرية متخصصة مطابقة للأصل، بالإضافة إلى تركيب منظومة إضاءة ليلية حديثة تُبرز التفاصيل المعمارية الساحرة للقصر وتصون هويته البصرية وسط العاصمة.

 

شارع الفن فى وسط القاهرة

وفي إطار إحياء الفضاءات العامة بوسط البلد، ولدت مبادرة "شارع الفن" بمنطقة مثلث البورصة وشارع الشريفين، لتشكل جسراً ثقافياً يربط بين عراقة المكان وإبداع الإنسان، وتهدف المبادرة إلى تحويل الشوارع التاريخية إلى منصات مفتوحة للفنون، تتيح الإبداع للجمهور بالمجان وتدعم المواهب الشابة، مما يساهم في الارتقاء بالذوق العام وتنشيط السياحة الثقافية وسط العاصمة الخديوية.

وتأتي هذه المبادرة تفعيلاً لبروتوكول التعاون المشترك بين محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون بوزارة الثقافة، تحت عنوان "استراتيجية جسور الإبداع لاحتضان المواهب"، وبموجب هذا التعاون، تتولى المحافظة تقديم الدعم اللوجستي والمالي والتسويقي وتأمين الفعاليات، بينما تتولى أكاديمية الفنون الإشراف الأكاديمي واختيار الكوادر الفنية المتميزة لضمان تقديم محتوى راقٍ يعكس الهوية المصرية.

وقد تحول الشارع إلى كرنفال حي يعج بعروض الموسيقى، الغناء، الباليه، عروض التنورة، والتحطيب، بمشاركة فنانين تشكيليين يقدمون رسومات حية ومجسمات لعرائس الماريونت والكاريكاتير وسط تفاعل جماهيري واسع.

من الناحية العمرانية، تولى الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، برئاسة المهندس محمد أبو سعدة، الإشراف الفني الكامل على المشروع بالتعاون مع وزارة الإسكان.

شملت المرحلة الأولى ترميم واجهات عقارات شارع الشريفين بالكامل وتطوير أرضياته وتحويله إلى ممر للمشاة، وتتواصل الأعمال حالياً في المرحلة الثانية التي تشمل ممر "القاضي الفاضل" وتفرعاته، حيث تم الانتهاء من نحو 95% من أعمال تطوير واجهات 10 عقارات تراثية مستهدفة، بالتوازي مع استكمال الأرضيات، لإعادة هذه الممرات التاريخية إلى سابق عهدها كشرايين جاذبة للإبداع.

 

التنسيق الحضاري وتحسين الصورة البصرية بوسط البلد

لم تتوقف الجهود عند الشوارع الجانبية، بل امتدت لتشمل المحاور الرئيسية في القاهرة الخديوية عبر مشروع متكامل لتحسين الصورة البصرية وإزالة التشوهات والتعديات التي تراكمت عبر عقود، وقد جرى تنفيذ هذا المشروع على مراحل متتالية حققت طفرة ملموسة.

المرحلة الأولى شملت ميدان التحرير بالكامل وتم الانتهاء منها بنسبة 100% ليصبح واجهة مشرفة للعاصمة، والمرحلة الثانية امتدت من ميدان طلعت حرب حتى ميدان مصطفى كامل، مروراً بشارع قصر النيل الحيوي، وتم إنجازها بالكامل، أما الثالثة ركزت على المنطقة المحصورة بين ميداني التحرير وطلعت حرب، وشملت رفع كفاءة واجهات 21 عقاراً تراثياً وإعادتها إلى طابعها المعماري الأصيل ونقوشها القديمة.

والمرحلة الرابعة تجري الأعمال فيها حالياً بكثافة لتطوير المنطقة الممتدة من ميدان طلعت حرب وحتى شارع 26 يوليو، بإجمالي 24 عقاراً تراثياً، حيث تم الانتهاء من نحو 50% من الأعمال، وتشمل صيانة الواجهات وإزالة لافتات المحال التجارية العشوائية واستبدالها بنسق بصري موحد يتناسب مع القيمة التاريخية للمنطقة.

يمثل شارع الألفي التراثي نموذجاً رائداً في إدارة وتطوير المناطق المشاة بوسط البلد. فقد خضع الشارع لتطوير شامل حوّله إلى ممشى حضاري مفتوح، شمل تجديد البنية التحتية، تركيب أرضيات من الجرانيت عالي الجودة، وتوريد مقاعد جرانيتية مريحة، إلى جانب دهان أعمدة الإنارة وتجميل أحواض الزهور وتطوير شارع سرايا الأزبكية الممتد منه.

أما العبقرية الحقيقية في مشروع شارع الألفي فتمثلت في تطبيق تجربة "اتحاد الشاغلين" لإدارة المكان؛ حيث يتم تمويل كافة أعمال الصيانة الدورية والنظافة والأمن ذاتياً عبر "صندوق صيانة الألفي" الممول من أصحاب المحال والمصالح بالشارع، مما يضمن استدامة المظهر الحضاري دون تحميل ميزانية الدولة أعباء إضافية.

بالانتقال إلى ميدان الأوبرا القديمة، تسعى الدولة بقوة إلى استعادة الذاكرة الثقافية للمكان الذي احتضن أول دار أوبرا في أفريقيا والشرق الأوسط عام 1869 قبل احتراقها الشهير، ويشمل المشروع الحالي ترميم واجهات 7 عقارات تراثية مطلة على الميدان وتوحيد لافتات المحال التجارية وتحديث منظومة الإضاءة.

كما يتضمن المشروع خطة معمارية مبتكرة لتغيير الواجهة الخرسانية لجراج الأوبرا الحالي والمبنى الإداري الملحق به، من خلال تنفيذ واجهة مستوحاة بالكامل من الطراز المعماري الكلاسيكي القديم لدار الأوبرا المصرية المحترقة، بما يحقق قفزة في الهوية البصرية للميدان.

ويتزامن ذلك مع إعادة تنسيق الميدان حول تمثال إبراهيم باشا وإجراء تعديلات هندسية تتيح تحويل المبنى الإداري للجراج إلى فندق سياحي فاخر، مع توفير أماكن انتظار سيارات ملائمة أمامه بناءً على دراسات مرورية وجدوى اقتصادية متكاملة لتعظيم الاستفادة من الأصول القائمة.

 

عهد جديد لـ«مدينة الألف مئذنة»

يرتبط تطوير الحجر بتيسير حركة البشر؛ ومن هذا المنطلق جاء تنفيذ "محور صلاح سالم الجديد" بالتعاون بين محافظة القاهرة والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ويمتد هذا المحور بطول يقارب 3 كيلومترات، رابطاً بين منطقة القلعة والفسطاط، ليشكل شرياناً مرورياً ناقلاً ينهي عقوداً من الاختناق المروري الحاد في منطقة السيدة عائشة ومحيطها، ويسهل حركة تدفق السيارات القادمة من وإلى مصر القديمة والمقطم ووسط العاصمة.

ولأن المحور يمر بمنطقة شديدة الثراء التاريخي، فقد حرصت الدولة على الارتقاء بهويته البصرية، وشهد محيط كوبري الأباجية - عند نقطة التقاء محوري صلاح سالم القديم والجديد - تنفيذ جداريات فنية ضخمة بطول 160 متراً طولياً، لتشكل بانوراما فنية ممتدة أمام مئات الآلاف من المسافرين يومياً.

تضم هذه الجداريات لوحات فسيفساء ورسومات غنية مستوحاة من التراث الإسلامي والمعماري العريق للقاهرة التاريخية، في تصميم هندسي يقدم سرداً بصرياً لقصة المدينة، محولاً المساحات الخرسانية الصماء أسفل الكباري إلى عناصر جذب بصري وثقافي تليق بمكانة العاصمة، ويتزامن ذلك مع زيادة المساحات الخضراء، رفع كفاءة الإنارة العامة، وتحسين أعمال التنسيق الحضاري بالموقع.

وشهدت منطقتا السيدة عائشة والسيدة نفيسة تنفيذ مشروعات عمرانية واجتماعية واسعة النطاق لإعادة إحياء محيط المساجد والأضرحة آل البيت الأثرية، وتحويلها إلى مزارات دينية وسياحية وثقافية تليق بقيمتها الروحية والتاريخية، وتضمنت الأعمال إزالة العديد من البؤر العشوائية والأنشطة التجارية غير المتوافقة التي ظلت لعقود طويلة تشوه المظهر العام وتضغط على البنية التحتية للمنطقة.

ومن أبرز الخطوات الشجاعة في هذا الصدد، إزالة كوبري السيدة عائشة المعدني القديم وموقفه العشوائي المزدحم الذي كان يقع أمام المسجد مباشرة مسبباً تكدساً بصرياً ومرورياً حرجاً بجوار مسجد المسبح الأثري.

وقد جرى نقل الموقف القديم إلى موقع جديد حضاري ومنظم يبعد نحو 500 متر عن الموقع السابق، حيث أقيم على مساحة واسعة تستوعب نحو 1000 سيارة مركبة، مع الحفاظ الكامل على خطوط السير الـ 14 القائمة لخدمة المواطنين.

أما المساحة الكبيرة التي تم إخلاؤها أمام مسجد السيدة عائشة، فقد تم الاتفاق بين مجلس الوزراء ومحافظة القاهرة على تحويلها إلى حديقة حضارية مفتوحة مصممة على أعلى مستوى جمالي لتتناسب مع الطبيعة التراثية للميدان وتوفر رئة خضراء جديدة للزوار، وتتكامل هذه الأعمال مع مشروعات التطوير الكبرى الممتدة من حديقة تلال الفسطاط التاريخية وصولاً إلى مشروع سور مجرى العيون الإستراتيجي.

وفي ضوء الاهتمام البالغ بصون التراث الإسلامي وإبراز الوجه المشرق للعمارة المملوكية والفاطمية، تشهد منطقة السيدة عائشة وسط القاهرة حركة ترميم أثرية دقيقة لعدد من المساجد والمآذن التاريخية المهمة، وفي مقدمتها مسجد "المسبح" الأثري الذي يمتد عمره لأكثر من خمسة قرون من الزمان.

ويخضع مسجد المسبح لخطة ترميم شاملة على مرحلتين بالتعاون بين وزارتي الأوقاف والسياحة والآثار ومحافظة القاهرة، وقد انتهت المرحلة الأولى والأضخم، والتي تضمنت أعمالاً هندسية دقيقة وحرجة منها، فك مئذنة المسجد بالكامل لترميم عناصرها الإنشائية وإعادة تركيبها طبقاً للمعايير الأثرية الدولية.

وحقن وتدعيم الأساسات الفرشية للمسجد لحمايته من المياه الجوفية، وفك ومعالجة الأسطح الخشبية المزخرفة لسقف المسجد وإعادة عزلها، وترميم الواجهات الحجرية الخارجية، الأرضيات، والأعمدة الرخامية والمحراب والعناصر الجصية النادرة، فضلاً عن تحديث شبكات الإضاءة والتهوية والصوتيات.

ولا تقف خطة الترميم عند مسجد المسبح فحسب، بل تمتد لتشمل المعالم التراثية المحيطة به المطلة على الميدان، مثل مسجد الغوري التاريخي، ومئذنتا قوصون الأثريتان، والتربة السلطانية، بالإضافة إلى القباب والشواهد التراثية في المقابر السلطانية ومقبرة الإمام جلال الدين السيوطي والمقابر المجاورة، بما يضمن صيانة عبق التاريخ وحمايته من الاندثار والتآكل.

 

الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية وإحياء الحرف التراثية

لم تغفل رؤية الدولة لتطوير القاهرة التاريخية البعد الاجتماعي والإنساني للسكان المحليين؛ إذ إن إحياء الحجر لا يكتمل إلا بدعم البشر وتنشيط الحركة التجارية والاقتصادية المرتبطة بطبيعة المنطقة.

وفي هذا الإطار، شهدت منطقة الجمالية العريقة إقامة معارض تجارية خدمية، مثل معرض "أهلاً بالعيد"، لتوفير السلع الغذائية واللحوم والدواجن ومنتجات مواسم الأعياد بأسعار مخفضة وتنافسية مقارنة بالأسواق الخارجية.

وشهدت هذه المعارض مشاركة واسعة من الجهات الوطنية والشركات التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية والقطاع الخاص، مما ساهم بقوة في تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطنين، وضبط حركة الأسواق، وإحياء الرواج التجاري التاريخي الذي طالما تميزت به أسواق حي الجمالية العتيق منذ مئات السنين.

ويعد شارع المعز لدين الله الفاطمي أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، ولكنه أيضاً يمثل المركز النابض للحرف التقليدية المصرية، وفي إطار رؤية الدولة لحماية هذه الثروة اللامادية، يستضيف الشارع بصفة مستمرة معرض الحرف اليدوية والتراثية، والذي يجمع عشرات الحرفيين والشيوخ المتخصصين في الصناعات التقليدية الأصيلة.

ويضم المعرض تشكيلات رائعة من منتجات الفخار، فنون الخيامية الشهيرة، الحفر الدقيق على الخشب، المشغولات النحاسية والفضية، الكليم والسجاد اليدوي، والزجاج المعشق. يعكس المعرض الأهمية الإستراتيجية التي توليها الدولة للحفاظ على الحرف التراثية باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز الهوية الثقافية المصرية، ووسيلة فعالة لدعم الاقتصاد المحلي الصغير، وتشجيع الأجيال الشابة على تعلم هذه الفنون الرفيعة وتوارث أسرارها لحمايتها من الاندثار في عصر التكنولوجيا المفرطة.

 

النقل الأخضر والحوكمة الرقمية في العاصمة المطورة

بالتوازي مع مشروعات إحياء التراث، تسير الدولة بخطى متسارعة نحو حوكمة إدارة مواردها والتحول الرقمي الكامل لتحسين كفاءة الخدمات العامة وترشيد الطاقة، ويعد افتتاح "محطة تموين سيارات محافظة القاهرة المحوكمة" بمنطقة الزاوية الحمراء نموذجاً تطبيقياً بارزاً لهذا التوجه العصري.

المحطة التي نفذتها الهيئة العربية للتصنيع على مساحة ضخمة تبلغ 3017 متراً مربعاً، تمثل انتقالاً جذرياً من الأسلوب التقليدي في التشغيل إلى منظومة ذكية ومميكنة بالكامل، تدير وتراقب عمليات التزويد بالوقود لـ 678 مركبة تابعة لديوان عام المحافظة وهيئة النظافة والتجميل وأحياء المناطق الشرقية والشمالية والغربية، مما يمنع تماماً أي محاولات للتلاعب أو الهدر.

ويعتمد هذا النظام الذكي على تثبيت "حلقة إلكترونية ذكية" على فتحة خزان الوقود الخاصة بكل سيارة مشمولة بالمنظومة؛ حيث تمنع هذه الحلقة خروج المواد البترولية وتقوم بتسجيل آلي ودقيق للكميات المستهلكة وربطها إلكترونياً بغرفة التحكم المركزية لمطابقتها مع مخزون الخزانات الأرضية الأربعة للمحطة (والتي تبلغ سعتها الإجمالية 160 ألف لتر عبر 5 طلمبات و20 مسدساً للتعبئة)، كما تضم المحطة مبنى خدمات متكاملاً على مساحة 1000 متر مربع يحتوي على ورش فنية متطورة ومنظومة كاميرات مراقبة شاملة.

كما تم تجهيز المحطة بأنظمة حماية تكنولوجية وأمان متطورة للغاية، تشمل نظام إنذار مبكر للحريق، نظام إطفاء يدوي وتلقائي، مولد كهربائي طوارئ لضمان استمرارية العمل، ولوحات تحكم رقمية تقدم تقارير فورية عن حالة الخزانات لضمان سلامة وجودة الوقود وخلوه تماماً من الشوائب.

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة