الهجرة النبوية.. من ظلمات الاضطهاد إلى نور الدولة التى صنعت مجد الإسلام

الأربعاء، 17 يونيو 2026 02:54 م
الهجرة النبوية.. من ظلمات الاضطهاد إلى نور الدولة التى صنعت مجد الإسلام
هيثم صلاح الدرس

الهجرة النبوية الشريفة، من أعظم الأحداث فى التاريخ الإسلامى، فقد مثلت نقطة تحول حاسمة فى مسيرة الدعوة الإسلامية، وانتقال المسلمين من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد فى مكة إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة فى المدينة.
 
لم تكن الهجرة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت حدثاً عظيمًا جمع بين الإيمان العميق، والتخطيط الدقيق، والأخذ بالأسباب، مع التوكل على الله تعالى.
 
الهجرة جاءت بعد سنوات طويلة من المعاناة التى تعرض لها المسلمون على يد قريش، حيث لاقوا ألوانًا مختلفة من التعذيب والتنكيل بسبب تمسكهم بعقيدتهم، وازدادت الأوضاع صعوبة بعد وفاة أبى طالب، عم النبى، صلى الله عليه وسلم، وزوجته خديجة، رضى الله عنها، ما دفع النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى البحث عن بيئة آمنة، يستطيع فيها نشر الدعوة، وقد وجدها فى أهل يثرب، الذين آمنوا برسالته وبايعوه على السمع والطاعة والنصرة والحماية مرتين فى بيعتي العقبة الأولى والثانية.
 
وعندما قررت قريش قتل النبى، صلى الله عليه وسلم، أذن الله له بالهجرة إلى المدينة المنورة. 
 
في ليلة الهجرة، نام على بن أبى طالب، رضى الله عنه، فى فراش النبى، وبقى فى مكة ليرد الأمانات، بينما خرج الرسول الكريم بصحبة أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، واتجه الاثنان إلى غار ثور، حيث مكثا ثلاثة أيام بعيدًا عن أعين المشركين، الذين بذلوا جهودًا كبيرة للعثور عليهما.
 
وخلال فترة تواجدهما فى الغار، شارك عدد من الصحابة فى إنجاح خطة الهجرة، فكانت أسماء بنت أبى بكر، رضى الله عنها، تحمل الطعام إلى النبى وأبيها، وكان عبدالله بن أبى بكر، يتابع أخبار قريش وتحركاتها، ثم ينقلها إلى النبى وصاحبه ليلًا، بينما كان عامر بن فهيرة، يرعى الأغنام، ليمحو آثار الأقدام. كما استعان النبي، صلى الله عليه وسلم، بعبد الله بن أريقط دليلًا للطريق لخبرته الكبيرة بمسالك الصحراء.
 
ومن أشهر المواقف التى خلدتها الهجرة، ما حدث عندما وصل المشركون إلى باب غار ثور، فخاف أبو بكر، رضى الله عنه، على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا"، فأجابه النبى مطمئنًا: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وهو موقف يجسد معنى الثقة بالله، والتوكل الحقيقى على الله مع الأخذ بالأسباب.
  
وبعد رحلة شاقة استمرت أياما، وصل النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى قباء، وأسس هناك أول مسجد فى الإسلام، ثم واصل طريقه إلى المدينة المنورة.
 
كان أهل المدينة يخرجون كل يوم، ينتظرون قدومه، فلما وصل استقبلوه بفرحة وترحيب كبيرين، وخرج الرجال والنساء والأطفال لاستقباله، وتنافسوا فى استضافته، إلا أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوا الناقة فإنها مأمورة»، حتى بركت فى المكان الذى بنى فيه المسجد النبوى الشريف.
 
وبمجرد وصوله النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، بدأ النبى، صلى الله عليه وسلم، فى وضع اللبنات الأولى للدولة الإسلامية، فبنى المسجد النبوى، ليكون مركزًا للعبادة، والتعليم، وإدارة شئون الدولة، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار فى صورة فريدة من صور التكافل والتضامن، كما وضع وثيقة المدينة، التى نظمت العلاقات بين سكانها، وحددت الحقوق والواجبات، وهو ما أسهم فى تحقيق الأمن والاستقرار، وبناء مجتمع متماسك.
 
إن الهجرة النبوية، كانت البداية الحقيقية لقيام الدولة الإسلامية، حيث أصبح للمسلمين وطن يجمعهم، ونظام ينظم شئونهم، وقيادة توجههم.
 
ومن المدينة انطلقت رسالة ودعوة الإسلام إلى مختلف أنحاء الجزيرة العربية، ثم إلى العالم. 
 
وهكذا ستبقى الهجرة النبوية درسًا خالدًا فى ذاكرة المسلمين، ودليلًا على أن التضحية والصبر والثبات وحسن التدبير، والأخذ بالأسباب، هى مفاتيح النجاح والتمكين. كما ستبقى الهجرة واحدة من أعظم المحطات التى شهدها التاريخ الإسلامى، لأنها لم تؤسس دولة فحسب، بل صنعت أمة حملت رسالة الخير والهداية إلى العالم أجمع.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة